Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وسط العواصم العربية... "قلب" ذاكرة المكان وهوية الأوطان

تبقى ضمير البلدان النابض وعقلها المفكر وذاكرتها الباقية حتى لو امتدت إليها جهود التحديث ومعاول العولمة وأحداث التاريخ حلوها ومرّها

المعمار المميز والجمال الخلاب لوسط القاهرة مرآة لما جرى في مصر لما يزيد على قرن ونصف (أ ف ب)

ملخص

في كل عاصمة عربية، يقف "شارع العاصمة" شاهداً على استعمار ثقيل أو ثورات نجحت أو أخفقت أو محال راقية صارت عتيقة

العواصم كيانات تنضح بالحياة، وليست مجرد مدن يعيشها بشر، فيشقون لهم الشوارع ويشيدون لهم المباني. فهي تشبه سكّانها، فسكانها وتاريخهم وجغرافيتهم وأحلامهم وآلامهم وطموحاتهم جميعها انعكاس لما تحويه الشوارع، وتحديداً شوارع وسط العاصمة أو "وسط البلد".

غالبية شوارع "وسط البلد" العربية حزمة من الذكريات ومجموعة من التحولات الاجتماعية والأحداث السياسية ودفاتر أحوال الناس وثقافاتهم وأولوياتهم ومصادر رزقهم، ناهيك بأنها صورة طبق الأصل من الوطن وأوجاعه وأحلامه.

ومن شوارع "وسط البلد" العربية ما يحتفظ بعنفوانه الثقافي وبهائه الحضاري، ومنها من لم يتبقَ منه سوى أطلال تبكي على زمن كان، بينها ما يذكر الكبار بما جرى أو لا يمثل للصغار سوى كونها منطقة "عواجيز" أو مكان تنقصه الإثارة أو يفتقد البريق.

في كل عاصمة عربية "شارع العاصمة"، يقف شاهداً على استعمار ثقيل أو ثورات نجحت أو أخفقت، أو محال راقية صارت عتيقة إلى آخر قائمة الاختيارات الثرية بثراء العواصم العربية نفسه.

وتبقى الـ "نوستالجيا" مذاقاً وعبقاً ينضح من أرجاء غالبية تلك الشوارع على اختلاف مواقعها من المحيط إلى الخليج.

مصر... نوستالجيا بالألم

كل من تعدى عمره 40 عاماً في مصر يحمل في ذاكرته كثيراً من النوستالجيا الممزوجة بالألم تجاه "وسط البلد".

طلب بسبوسة بالقشدة "على الواقف" من أحمد عطية في شارع قصر النيل، حفنة من سندوتشات السجق والكبدة والمخ مع قليل من المخللات من "فلفلة"، جلسة هادئة مع كوب شاي وقطعة جاتوه مع أشعة الشمس المتسللة عبر النافذة شتاء، وآيس كريم "كاساتا" في حديقة "غروبي" صيفاً.

ملابس الصيف والشتاء قبل عقود من "شيكوريل" و"صيدناوي" و"الصالون الأخضر"، وحين خفت نجمها كان الملجأ "بوتيكات" ومحال شوارع فؤاد الأول (ملك مصر السابق) الذي تحول إلى شارع 26 يوليو (ذكرى تنازل الملك فاروق عن الحكم بعد ثلاثة أيام من ثورة 23 يوليو 1952).

وفي زمن انفتاح السبعينيات الاقتصادي وهيمنة الثقافة الاستهلاكية وعشق الملابس المستورد ونبذ الصناعة المحلية، أصبحت الوجهة شارع الشواربي وغيره من أكشاك الملابس المهربة من بورسعيد.

 

"وسط البلد" في العاصمة المصرية ليست شارعاً بعينه أو ميداناً من دون غيره، بل هي وحدة واحدة جذورها حنين وأعمدتها سياسة معجونة باقتصاد، نال كلاهما منها من دون هوادة، ومحتواها ملايين البشر ممن سكنوها وارتادوها ومروا منها، وكل منهم يحمل في قلبه وعقله لمحة من "وسط البلد".

وسط البلد أو وسط القاهرة هو القلب الذي كان نابضاً والعقل الذي ظل متنبهاً حتى أعوام قليلة مضت لكل كبيرة وصغيرة تحدث في المحروسة، إذ تغير من اشتراكية ناصر إلى رأسمالية السادات ومنها إلى خلطة مبارك المسماة الرأسمالية الشللية أو رأسمالية المحاسيب أو المحاباة، مع قليل مما تركته الجماعة (الإخوان) من آثار مضمحلة من كتابات مؤيدة أو معارضة لها، جميعها انعكس على شوارع ومحال "وسط القاهرة" ومحتوياتها ومرتاديها. ولم لا؟

ووسط القاهرة معقل للمثقفين القدامى والجدد، حيث المقاهي المتحولة إلى صالونات للحراك على وقع الشاي والقهوة والسحلب.

وعلى رغم معاول هدم التاريخ القديم والبناء الخرساني الجديد، وعلى رغم انتقال منظومة بيع وشراء الملابس الجاهزة والمفروشات المنزلية من "وسط البلد" إلى المراكز التجارية، سواء الشاهقة الفارهة أو المتواضعة المشيدة في غفلة من القانون والرقابة، فإن لـ "وسط البلد" مذاقاً وتاريخاً وحاضراً لا تضاهى.

محاكاة باريس

معمارياً يتضح تماماً أن الخديوي إسماعيل الذي حكم مصر من عام 1863 إلى أن خلعته إنجلترا في عام 1879، كان شغوفاً بالحضارة الأوروبية، وكما ورد في كتاب "عصر مصر الجميل" أو Egypt’s Belle Epoque للكاتب البريطاني تريفور موستين، فقد طلب إسماعيل من الإمبراطور نابليون الثالث أن يكلف رجلاً يدعى جورج يوجين هاوسمان بتخطيط وسط القاهرة على غرار ما فعل في شوارع باريس المبهرة.

وطلب إسماعيل من هاوسمان أن يصطحب معه إلى القاهرة كل بستاني ومعماري وبناء قادرين على تفعيل حلم تحويل القاهرة إلى باريس، وقد كان. تحولت شوارع وسط القاهرة إلى شوارع باريسية، والمفاجأة هي أن هاوسمان لم يكن معمارياً بل كان موظفاً محباً للمعمار والجمال.

لكن شاءت الأقدار أن يكون المعمار المميز والجمال الخلاب لوسط القاهرة مرآة لما جرى في مصر لما يزيد على قرن ونصف من التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسلوكية، فأرقى محال الملابس والمفروشات مثل "صيدناوي" و"شيكوريل" و"الصالون الأخضر" التي كانت من العلامات المميزة لرقي وأرستقراطية وسط القاهرة، وغالبيها كان يملكه رجال أعمال يهود جرى تأميمها في عصر عبدالناصر، وأصبحت شركات "قطاع عام"، ومحتوياتها موجهة إلى العامة، إذ أراد نظام ناصر ترجمة مبدأ ثورة يوليو 1952 "إقامة عدالة اجتماعية" إلى فعل تشعر به الجماهير الغفيرة.

 

واحتفظت محال وسط القاهرة لأعوام حتى بعد التأميم بذوقها الراقي، ويمكن اعتبار حقبة الانفتاح الاقتصادي خلال سبعينيات القرن الماضي التي يسميها بعضهم "حقبة الانفتاح الاستهلاكي المتسيب"، بداية الظلال الوخيمة التي ألقيت على "وسط البلد".

تغلغلت بوتيكات البضائع المستوردة إلى الشوارع الراقية، وتسللت "نصبات الشوارع" إلى الأرصفة، وظهرت أمارات "أثرياء الانفتاح" العشوائي في كل مكان، وعلى ورغم ذلك بقيت شوارع وسط العاصمة "وسط البلد" التي يأتها القاصي والداني لاستنشاق عبقها والجلوس في مقاهيها المتفردة.

لكن العولمة والخصخصة واستمرار عمليات "المخمضة" العنيفة في الهرم الطبقي الاجتماعي المصري استمرت في التكالب على معالم ونكهات "وسط البلد"، وتجاور الماضي العريق رافعاً شعار "عزيز قوم ذل" مع الحاضر المتحول مطبقاً مبدأ "ذليل قوم عز"، وأصبحت واجهات المحال وهويات السكان ونوعية الأنشطة التجارية والخدمية تتحدث عن نفسها وعما جرى في مصر ولها.

وبدلاً من واجهات محال الملابس المواكبة لأحدث خطوط الأزياء، هيمنت الواجهات ذاتها لكن بعباءات سوداء وأزياء لا هي بالمصرية ولا هي بالغربية، وبدلاً من الكافيتريات الصغيرة ذات قوائم الطعام والشراب المميزة، أصبح "البرغر" سيد الموقف و"الكابتشينو" عنوان المرحلة. وبدلاً من المكتبات وأكشاك بيع الكتب والصحف الكثيرة هيمنت المقاهي وأكشاك بيع الشباشب والأحذية الرياضية المقلدة، وفجأة ظهرت شرفات قرر مالكها الجديد أن يكون لونها "بمبي مسخسخ" أو "بنفسجي ملعلع" ليحول المعمار الفرنسي إلى معمعة لا معالم لها.

صار "غروبي" ملتقى الأثرياء ومنتدى الأرستقراطية لاحتساء الشاي الإنجليزي مع الـ "مارون غلاسيه" و"الشوكولا بالكروكون" إلى مكان ضائع الهوية يقدم الشيشة مع شاي في الخمسينية، وإن بقيت قائمته متاحة وكأنها شكل من أشكال البكاء على الأطلال.

وتفاقمت منظومة الفوضى والعشوائية المصحوبة بالفساد والرشاوى في شوارع وسط القاهرة على مدى 30 عاماً من حكم الرئيس السابق الراحل محمد حسني مبارك، وتدخل القدر مجدداً لتكون هذه الشوارع نفسها نقطة انطلاق أحداث يناير (كانون الثاني) 2011.

تجمعات الشباب ومخابئهم ومواجهات الشرطة وعمليات الكر والفر وطلاء الجدران بـ "غرافيتي الثورة"، أطلال دور السينما المهجورة منذ غزوة "الفيديو" تحول بعضها إلى مأوى لـ "الثوار" وبعضها الآخر إلى وكر للبلطجية.

كما لعبت "وسط البلد" أحد الأدوار الرئيسة في أحداث يونيو (حزيران) 2013، إذ كانت نقطة انطلاق لكل من أنصار جماعة الإخوان المسلمين وجموع المصريين الراغبين في إنهاء حكم الجماعة، وذلك صوب ميدان التحرير الذي تصب فيها شوارع وسط القاهرة أو "وسط البلد"، إذ تبدأ الحياة ولا تنتهي حتى وإن تغيرت ملامحها.

العراق... شارع السعدون قلب بغداد النابض

وفي بغداد بدأت الحياة كذلك في شارع السعدون وتغيرت وتحولت وانقلبت رأساً على عقب، لكنها لن ولم تنته.

والشارع يستمد اسمه من رئيس الوزراء عبدالمحسن السعدون (1889 - 1929) الذي تولى منصب رئاسة الوزراء العراقية أربع مرات خلال الانتداب البريطاني بعد الحرب العالمية الأولى.

 

وشارع السعدون في جانب الرصافة من العاصمة بغداد هو قلبها النابض بالحياة، فحتى نهاية الثمانينيات كانت الحياة تبدأ في شارع السعدون في الصباح وحتى فجر اليوم التالي، ولم يكن الشارع يخلد للنوم إلا لوقت قليل، وارتاده العراقيون للترفيه بعد تعب يوم طويل، وطرفا شارع السعدون هو ساحة التحرير من جهة الباب الشرقي ومدرسة الراهبات التي تحول اسمها لثانوية العقيدة من الجهة الأخرى.

وعلى جانبي شارع السعدون كانت تنتشر صالات السينما ومحال الألبسة والساعات للماركات المشهورة عالمياً ومكاتب السفر وفنادق تعج بالسياح والمسافرين من المحافظات العراقية ومكتبات عامرة بروادها وعيادات لأمهر الأطباء ومقاهي تحتفظ بأسرار العشاق، وكان عن حق قلب بغداد.

مكتبات بلا رواد

قلب بغداد فيه تمثال عبدالمحسن السعدون وكذلك مكتبة السعدون، ويقول صاحب المكتبة عادل حمود إن شارع السعدون كان يضم أكثر من 30 مكتبة إضافة إلى أكشاك بيع الصحف، إلا أن غالبية هذه المكتبات تحولت إلى أطلال وصفت أعمالها بعد عام 2003، إذ لم يعد هناك زبائن للكتب والصحف.

ويتحدث حمود بحزن عن التغييرات التي طالت شارع السعدون، "كان يجاور مكتبتنا محل لبيع الزهور يفتح أبوابه في السادسة صباحاً، ولن أتمكن من استيعاب ما حدث من خراب في هذا الشارع، فما يجاورني الآن مكب للنفايات".

 

وفي السياق نفسه يقول مدير مكتبة النهضة علي حسين إن "الستينيات والسبعينيات كانت فترة ازدهار الشارع، أما الآن فهو كئيب وموحش ومظلم لا سيما في الليل، وهذا الشارع جزء من التاريخ السياسي للعراق فقد عاصر كثيراً من الأحداث السياسية وجالت في أزقته التظاهرات كما حدث عقب نكسة حزيران".

وعلى رغم ذلك لا يزال الشارع بروائعه المعمارية، فهو يطل على ساحة التحرير التي يتوسطها نصب جواد سليم، وقربه توجد حديقة الأمة التي كانت متنفساً للعوائل العراقية، ويقابل ساحة التحرير التحفة المعمارية عمارة مرجان التي صممها المعماري العراقي جعفر علاوي عام 1954.

ويشير علي حسين إلى أن شارع السعدون كان ملتقى للسياح الذين كانوا يتوافدون على بغداد خلال فترة الستينيات ويحرصون على زيارة الشارع، وكانوا يلتقون إلى جوار نصب الحرية وبعدها ينتقلون الى مكتبة "الكورونيت" للكتب الأجنبية في عمارة مرجان، وكثير منهم يفضل "فندق بغداد" للإقامة، وهو أحد علامات شارع السعدون.

ملاذ الشعراء والمثقفين

ويعود تطوير شارع السعدون للثلاثينيات، ويعود تاريخ بناء غالبية مبانيه إلى الأربعينيات والخمسينيات، وتقع فيه أقدم دور العرض العراقية وأشهرها "السندباد" و"النصر" و"أطلس" و"سميراميس" و"بابل"، والمؤسف أن من يتجول في الشارع حالياً لن يجد لهذه الدور أثراً، إذ تحولت غالبيها إلى مخازن ومحال تجارية.

ويستعيد محمد إسماعيل القيسي، صاحب محل تصوير في شارع السعدون، ذكرياته عن دور السينما وما شاهده من أفلام، "أتذكر فيلم (أميرة حبي أنا) شاهدته في سينما النصر، وكانت العوائل تأتي إلى دور السينما بملابس أنيقة، وبعد انتهاء العرض تتجول في الشارع وترتاد المطاعم والمقاهي المنتشرة على جانبيه".

ويضيف بأسى، "من الصعب أن يعود شارع السعدون لما كان عليه في السابق، فالأحداث بعد 2003 أضرت بالشارع كثيراً والحواجز الخرسانية ونوعية بعض الأشخاص الموجودين في الشارع جعلت الناس تتردد قبل المجيء إلى هنا للترفيه أو التسوق".

وكان في شارع السعدون عدد من المقاهي التي كانت ملاذاً للشعراء والمثقفين، مثل "المقهى البرازيلي" و"مقهى زياد" ومقهى "المعقدين".

ويشير القيسي إلى أن الشارع "كان يحوي المطاعم الفاخرة مثل (همبرغر أبو يونان) و(كباب ولبن أربيل) و(حلويات جواد الشكرجي) وكانت الحياة بتفاصيلها في هذا الشارع مثالية".

الرأي نفسه يتبناه صاحب مطعم "نجمة السعدون" حبيب مطشر الذي افتتح مطعمه عام 1973، يقول "شارع السعدون يمر حالياً بأسوأ مراحله، فقد كان الازدحام فيه يبدأ في السابعة مساء، والأرصفة تعج بالمارة والناس ترتاد دور السينما حتى الثالثة فجراً، ثم يتوافدون على مطعمنا ويبقون فيه حتى فجر اليوم التالي، ولكن لم يعد أي من هذا يحدث".

أقدم فنادق العاصمة

ويضم شارع السعدون كثيراً من الفنادق التي كانت تزدحم سابقاً بزوار بغداد، وكان فيه أقدم الفنادق وأكثرها تميزاً، ومنها ما بقي محافظاً على ألقه مثل "فندق بغداد" الذي افتتحه الملك فيصل الثاني عام 1956، وكان من أرقى الفنادق العراقية.

يقول رئيس مجلس إدارة شركة فندق بغداد داوود شمو خدر إن "الفندق من الأماكن التراثية في شارع السعدون، وتعود فكرة بنائه إلى أربع أسر عراقية كان ابن أحدها يدرس الهندسة في سويسرا، إذ تأثر بالفنادق وأسلوب بنائها هناك وحين عاد إلى العراق اشتركت الأسر في بناء الفندق الذي يشبه كثيراً الفندق الذي كان الابن العائد يقيم فيه".

ولا يزال الفندق يحتفظ بخصوصيته التاريخية ويستقبل الوفود والشخصيات المهمة، وأحدثها بابا الفاتيكان البابا فرنسيس لدى زيارته العراق عام 2021.

 

سبهان الخضيري ومكي حمادي فياض ومحمد الراوي وجعفر صادق الكويتي، أسماء لنخبة من الأطباء الذين يذكرهم محمد إسماعيل القيسي والذين كانوا من علامات شارع السعدون المميزة، فالشارع يضم أهم الأطباء في شتى التخصصات.

ويرى القيسي أن غياب الأطباء أسهم في إنهاء حيوية شارع السعدون بشكل كامل، "تعرض الأطباء في شارع السعدون بعد عام 2003 لعمليات الخطف والاغتيال بسبب سيطرة العصابات على الشارع مما دفع كثيراً منهم إلى ترك عياداتهم والانتقال إلى أماكن أكثر أمناً وعمارات حديثة، وقد أسهم ذلك في خفوت نجم الشارع وانطفاء وهجه وزخمه، وعلى رغم كل ذلك يظل السعدون ملغماً بالماضي وعامراً بذكرى يوم كان قلب بغداد النابض".

سوريا... "الثورة" عصب دمشق

قلب آخر ينبض نبضاً مغايراً يقع في شارع الثورة، إنه عصب دمشق الذي ينضح بالماضي والحاضر، بينما يبقى المستقبل غامضاً، فمع انبلاج فجر كل يوم يرتحل قاطنو دمشق نحو مقاصدهم في رحلة قاسية سعياً إلى لقمة العيش وسط تضخم تتزايد حدته وقدرة شرائية آخذة في الانخفاض، مما يجعل شارع الثورة مقصداً يحمل كثيراً من الذكريات والأوجاع والآمال.

شارع الثورة اقترن اسمه بالسياسة منذ ولادته قبل أكثر من خمسة عقود، ووقتها عاشت سوريا وليست دمشق فقط حراكاً سياسياً كبيراً، ففي منتصف القرن الماضي تسارعت وتوالت المعارك السياسية بين الأحزاب والمنتديات بكل أطيافها السياسية والحزبية لتؤثر في المشهد العام وتسهم حتى في التشكيلات الحكومية بالتوازي مع الانقلابات العسكرية المتلاحقة، وكلها كان يحدث عبر صوت الشارع ورضاه.

وبعيداً من شجون السياسة يعتبر شارع العاصمة السورية "الثورة" أحد الشوارع الرئيسة الذي يقوم بهمزة الوصل التي تربط الشام الحديثة بأبنيتها السكنية الجديدة مع دمشق القديمة، ومع التوسع الهائل وزيادة حركة المرور شيدت الدولة الحكومة جسوراً عدة للمشاة وأخرى للسيارات على امتداد الشارع.

 

هذا الشارع تتزاحم على جانبيه الأبنية والعمارات السكنية الشاهقة وعدد قليل من البيوت العربية والعقارات التابعة لشركات استثمارية وخدمية تتسابق لنيل ركن يطل على أهم الشوارع الرئيسة بالبلد، حيث جاور شارع الثورة، الذي يصفه أهل المدينة بقلب العاصمة وشريانها، أحياء وأسواقاً قديمة كالمرجة بكل ما يحمل من رمزية ودلالات وطنية للسوريين، في حين أن منطقة المرجة تغص اليوم بالفنادق.

كما تجاور الشارع أسواق ذات حركة تجارية منتعشة، ومنها سوق الهال القديمة والسوق العتيقة، وينتهي بتفرع يصل إلى أسوار مدينة دمشق وبالركن الشمالي الغربي تبرز قلعة دمشق الأثرية التي تعود لعام 1076، ومسجلة على لوائح التراث العالمي، ومقابلها تمثال ونصب تذكاري لصلاح الدين الأيوبي، إذ يعد أبرز النصب التذكارية بالمدينة والذي شيد عام 1993 في الذكرى المئوية الـ 800 لوفاة صلاح الدين، إذ يجسد التمثال معركة حطين.

ويفضي الشارع الرئيس إلى عدد من الأسواق ومن أبرزها وأشهرها سوق الحميدية، وهي سوق أثرية تجاور قلعة دمشق بنيت عام 1780، كما يجاور بالمقابل شوارع لا تقل أهمية عنه مثل شارع النصر والملك فيصل وبغداد، كما يقع سوق الخجا المتخصص في الحقائب والمنتجات الجلدية على مقربة منه.

استراتيجية المكان

ويروي الموظف جبران الحمصي (50 سنة) ما لهذا الشارع من ذكرى وذكريات، وهو الذي يمر به كل صباح وعند كل مساء يستقل حافلة إلى منزله ذهاباً وإياباً. مشهد الازدحام الدائم للمارة يعبرون الطرق ويستظلون بالجسر، فمنهم من يحمل مشتريات لبيته ومنهم من يحمل أغذية ومشروبات محببة إلى النفس، لكن كل شيء في الشارع ظل يتوسع خلال العقود القليلة الماضية إلى أن قرر المجلس البلدي إزالة التوسعات بعد ما زادت على الحد.

ويقول الحمصي إن "هذا الشارع استراتيجي، فمن خلاله تعبر إلى الأحياء السكنية أو المجمعات الحكومية أو تنتقل إلى دمشق القديمة، لكن عدداً من البسطات التي جرى بناؤها تجاوزت الأرصفة وامتدت إلى الشارع قبل أن يصدر قرار بإزالتها ضمن جهود تنظيم الشارع"، وهذه الإزالات أثارت جدلاً بين السوريين إذ رأى بعضهم أنها أغلقت أبواب الرزق أمام أصحابها، والمثير أنه مع مرور الوقت تعاود البسطات التي تمت إزالتها الظهور.

 

وبين السوريين من يرى أن "بسطات" شارع الثورة جعلت له قصة ومذاقاً مختلفين وصارت جزءاً من هوية المكان، ويمكن توفير كل حاجات البيت من هذه البسطات من "الدبوس إلى الطربوش"، بحسب وصف أدهم وهو شاب يعمل في إحدى البسطات، وعلى رغم تأذيه بعد فقدانه مساحة كان يعمل بها، إلا أنه يؤكد أن الحياة لن تتوقف وأنه سيعود مجدداً.

اسم "شارع الثورة" وكباقي أسماء شوارع المدينة التي تسمى من قبل لجنة تشكلها المحافظة، يرتبط بأسماء شخصيات سياسية أو ثقافية أو علمية مؤثرة، لكن هذا الشارع يحمل في مسماه المزيد، وكأن الثورة أسلوب حياة.

ويحكي الشارع قصة السوريين في كل صباح يضج به الشارع بالصخب بينما بقية الشوارع تنعم بالهدوء، ففي شارع الثورة ينتظر سوريون بكل صبر ولساعات حافلات صغيرة أو كبيرة بأحجامها لتنقلهم إلى كل جهات المدينة، فهو شريان الحياة ونبض المدينة الذي لا يتوقف.

لبنان... ساحة الشهداء بين الازدهار والدمار

ومن "الثورة" في سوريا إلى "الشهداء" في لبنان، ووسط بيروت يقف شاهداً على موجات متلاحقة من الازدهار والدمار، وكل ركن فيه ينضح بذكريات الانقسام والعيش المشترك والحلو والمر.

"ساحة الشهداء" شاهدة على تاريخ التناقض اللبناني، إذ كانت الساحة في بداية القرن الـ 20 ملتقى كل طبقات المجتمع قبل أن تفقد روح المدينة وتصبح حكراً على الأغنياء وساحة النزاعات التي لا تنتهي.

مرت بيروت وبخاصة ما يعرف بـ "ساحة الشهداء" حالياً، بتحولات عدة عبر التاريخ، وعلى رغم الاختلافات الكثيرة بين الناس والأحداث فإن هذه الساحة تجمع الجميع في مختلف الظروف، إذ ظلت "قلب العاصمة النابض" قبل أن تخسر كثيراً من معالمها وطابعها.

 

وبحسب الباحث في تاريخ بيروت نضال شومان فقد كانت الساحة عبارة عن فسحة كبيرة مغطاة بالرمال وتكثر فيها أشجار الزنزلخت خارج السور الشرقي لبيروت، وقد اتخذها سكان المنطقة آنذاك استراحة لهم هرباً من صخب المدينة التي تغلب فيها الحارات الضيقة، وعرفت بـ "مرجات البرج" لوجود برج عسكري قديم بناه الصليبيون.

وعندما حاصرت قوات الأسطول الروسي بيروت عام 1774 نصبت فيها المدافع ليخرج أحمد باشا الجزار منها، وعندها أطلق المستشرقون الذين توافدوا إلى البلاد على تلك الفسحة اسم "ساحة المدافع" فيما استبدل السكان تسمية "مرجات البرج" بـ "ساحة البرج".

وفي عام 1879 عندما أرادت بلدية بيروت إعادة تنظيم الساحة سُميت "الساحة الحميدية" تيمناً بالسلطان عبدالحميد الثاني، لكن عندما انقلب الاتحاديون على السلطان عام 1908 عرفت بـ "ساحة الاتحاد" إلى أن أصبحت "ساحة الشهداء" عندما تولت الحكومة العربية التابعة للأمير فيصل زمام الأمور بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك تكريماً للشهداء الذين أعدمتهم السلطنة العثمانية فيها.

لكن هذه التسمية لم تدم طويلاً إذ ألغيت مع دخول قوات الحلفاء بيروت عام 1918، وأعاد السكان التسمية الأولى "ساحة البرج"، فيما قررت سلطات الانتداب تسميتها رسمياً بـ "ساحة المدافع"، وفي عام 1930 أقيم نصب الشهداء في الساحة وانقسم السكان بين معتمدي تسمية "ساحة البرج" وأولئك الذين اعتمدوا تسمية "ساحة الشهداء"، لكن الحكومة اللبنانية حسمت الجدل واتخذت قراراً رسمياً باعتماد "ساحة الشهداء".

الساحة الرسمية للأزمات

وبحسب شومان فإن هذه الساحة نموذج لتناقضات اللبنانيين وثقافتهم، فكانت ملجأ كل الطبقات الاجتماعية وأيضاً الساحة الرسمية للاحتفالات والثورات والأزمات، وخط التماس الفاصل بين شطري المدينة خلال الحرب الأهلية.

وحتى مع انطلاق عملية الإعمار خلال تسعينيات القرن الماضي كان لـ "ساحة الشهداء" حصة وافرة من الجدل والنزاعات، ولذلك فهي ستبقى الشاهد الحي الوحيد على تاريخ لبنان المتوسط والحديث.

عضو جمعية "تراثنا بيروت" والباحث في تاريخ بيروت فادي غزاوي يشير إلى أن وسط بيروت كان مقفلاً حتى القرن الـ 18 وتحيط به الأسوار، وحتى ذلك الوقت استخدم كساحة للتدريبات العسكرية، وعند دخول الجيش المصري بين عامي 1831 و1840 ضرب بالمدافع ودمرت الأسوار التي أحاطت به تدريجاً.

ومن أبرز معالم الساحة آنذاك "برج الكاشف" لحراسة بيروت، إضافة إلى بعض المقاهي خارج الأسوار والمدافن. وكانت الساحة تشهد اجتماعات لإقامة صلوات للشتاء، إضافة إلى استخدامها لتدريبات الجيش العثماني وأيضاً للسهر.

وبدأت التحسينات في الساحة تدريجياً بعد عام 1840، وفي مرحلة لاحقة أقيمت المساكن والمقاهي وسوق للصاغة وبساتين، وزاد التقدم باتجاهها فيما كانت الأسوار المحيطة تزول أكثر وتزيد أهميتها، كما كانت تجمع الناس من بيروت ومن خارجها.

لكن في عام 1874 عندما أزيل "برج الكاشف" ومعه الأسوار بشكل تام زاد اهتمام العائلات بشراء الأراضي فيها وزاد عدد المقاهي والحانات.

 

أما فكرة إقامة ساحة مع حدائق وسراي للحكومة كما في تركيا فتعود لرئيس البلدية آنذاك والمهندس فخري بيه، فأقيمت الساحة بهذا الشكل بين عامي 1878 و1884، وافتتح عندها السراي الصغير مكان البلدية ودشنت "الحديقة الحميدية" و"البنك العثماني".

كما أقيمت فنادق في الساحة أواخر القرن الـ 19 ومسارح صغيرة ودور سينما، وزاد الزخم فيها بشكل ملحوظ وأصبحت الساحة نقطة نابضة بالحياة مع تزايد الحركة وانتقال عدد من التجار إليها، كما أصبحت مساحة للتواصل بين البيروتيين وملتقى للبنانيين حتى إن الخطوط الخمس للترامواي في بيروت كانت تمر من الساحة ذاتها.

وأثناء الحرب العالمية الأولى وعلى رغم الأوضاع الصعبة استمرت دور السينما والمسارح في العمل، كما استمر التطوير وجرى بناء مزيد من الفنادق والمقاهي ودور السينما، لكن اعتمدت لها تسميات فرنسية آنذاك نظراً إلى الوجود الفرنسي، وحققت شهرة واسعة.

أما الحديقة التي أنشئت بحسب التصميم التركي بشكل بيضوي فقد حولها الفرنسيون لتصبح مستطيلة الشكل، وفي عام 1921 أقام الفرنسيون معارض فيها مما زاد أهميتها على صعيد عالمي، وتضاعف عدد الفنادق والمحال التجارية الفاخرة فيها.

وخلال الحرب العالمية الثانية ازدادت الساحة زخماً مع إقامة مزيد من دور السينما والفنادق وكانت نابضة بالحيوية.

وفي عام 1941 دخل الإنجليز والفرنسيون إلى بيروت وبدأ شق طريق بشارة الخوري المتفرع من الساحة، كما أقيمت مدافن كانت مخصصة للطائفة السنيّة، وأصبحت للمقاصد قبل أن تنقل إلى مكان آخر، إضافة إلى سوق للخضراوات خلف السراي، كما أقيمت سينما "ريفولي" في الأراضي الخاصة بالمقاصد فشكلت سابقة، وهو المكان الذي تجرى فيها حفريات حالياً للتنقيب عن الآثار.

الاعتصامات تحتل الساحة

في أثناء الحرب الأهلية تحول وسط بيروت إلى خط تماس يقسم العاصمة، وبعد نهاية الحرب في عام 1990 تولت شركة "سوليدير" إعادة إعمار الوسط وفق مخطط هندسي يراعي المحافظة على معمارها التراثي والحداثة، لكن نشأت نزاعات سياسية واجتماعية في شأن هذا المخطط الذي كان رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري وراءه.

وهناك من اعتبر أن المخطط الجديد جعل وسط بيروت حكراً على الأغنياء، وانعدم التفاعل الاجتماعي بين الناس بغياب أماكن تلاقي الطبقة الشعبية في الأسواق والمقاهي وكل مرافق التجارة والسياحة،

وبحسب علماء اجتماع ومعماريين فإن وسط بيروت فقد "روح المدينة" التي جعلت بيروت في الماضي قبلة أنظار العرب وواحة للثقافة والأفكار المعاصرة، كما لم تنج "سوليدير" من النزاعات القضائية الكثيرة مع أصحاب الأملاك، لا سيما أن كثيراً من المباني هدم كلياً مقابل تعويضات اعتبرت مجحفة.

 

"ساحة البرج" كانت أيضاً ساحة التظاهرات منذ بداية القرن الـ 20، وكل الأحزاب نزلت إليها ورفعت شعارات مؤيدة لقضايا تبدأ بسعر بطاقة السينما مروراً بقضية فلسطين ووصولاً إلى مناصرة "جبهة تحرير إريتريا"، كما أقيمت فيها العروض العسكرية للجيش اللبناني ومنها عبرت جنازات سياسيين كبار.

وحتى بعد إعادة الإعمار لم يكن حظ وسط بيروت وردياً، فمنذ عام 2005 احتلت شوارعها الاعتصامات التي شلت حركتها مما أجبر أصحاب المطاعم والشركات على هجرانها من جديد إلى مناطق قريبة، خصوصاً إلى أحياء الجميزة والحمراء وفردان.

وفي وسط بيروت حصلت أهم تظاهرتين في تاريخ لبنان وأسستا لاحقاً ما عرف بحركتي "14 آذار" في ساحة الشهداء، و"8 آذار" في ساحة رياض الصلح، بعد مقتل رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري، وفيها أيضاً بدأت شرارات ما اصطلح على تسميتها "ثورة 17 تشرين" التي رافقت الانهيار الاقتصادي الكبير الذي لا يزال لبنان تحت وطأته، وأخيراً بدأ وسط بيروت يشهد عودة خجولة للحركة السياحية من خلال إعادة افتتاح عدد من المطاعم والمقاهي.

تبدلت المعالم وتغيرت، ووحدها الأسماء القديمة للشوارع بقيت صامدة، ويبقى وسط بيروت عنواناً للتناقضات اللبنانية، فهو ساحة منها يبدأ الانقسام وإليها يعود اللبنانيون ليؤكدوا إرادة العيش المشترك.

الأردن... "رينبو" الفسيفساء في عمّان

ومن ساحة "العيش المشترك" في لبنان إلى شارع يعكس فسيفساء المجتمع في عمّان، فثمة عدد من الشوارع المميزة والقديمة في العاصمة الأردنية يحمل كل منها قصة غنية بالحضارة والثقافة والذكريات، وبعض هذه الشوارع أقرب إلى فسيفسائية فريدة من نوعها شكلت ما عليه عمّان اليوم، بعد أن توسعت ونمت من قرية صغيرة في القرن الـ 19 حتى غدت عاصمة يتجاوز عدد سكانها 4.6 مليون نسمة.

وأحد أبرز هذه الشوارع هو شارع الرينبو في منطقة جبل عمّان الذي يحمل اسمه من اسم دار للسينما ظلت حتى عهد قريب أحد أبرز المعالم العمّانية القديمة، قبل أن تتحول إلى ما يشبه المتحف والمركز الثقافي.

ويضم الشارع المرصوف الذي يمتد بطول كيلومتر واحد ويرتاده المواطنون والسياح يومياً، عدداً من المطاعم والمحال التجارية التي تحظى بشعبية واسعة بين الأردنيين والسياح، فضلاً عن المراكز الثقافية والتراثية.

ومنذ إنشائه سكنه عدد من الشخصيات السياسية البارزة، ومن أبرز معالمه بيت الملك طلال جد العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، إذ سكنه الملك طلال بعد زواجه من الأميرة زين الشرف عام 1934.

 

كما يضم الشارع منزل رئيس مجلس النواب عبدالرحمن الرشيدات حيث كانت تؤلف الوزارات والحكومات، وعلى بعد أمتار من بداية الشارع ثمة مبنى قديم وتراثي كان مهداً لأول برلمان أردني في عهد الامارة.

وتتوالى المعالم المهمة تباعاً كأول معهد ثقافي أنشئ في عمّان، وهو المجلس الثقافي البريطاني ومستشفى ملحس أحد أقدم المستشفيات الأردنية ومدارس الكلية العلمية الإسلامية التي درس فيها الملك الراحل الحسين بن طلال.

ووجدت قديماً في هذه الشارع السفارات المصرية والسعودية والفرنسية، وعلى بعد خطوات تتسلل رائحة الفلافل من أقدم المطاعم التراثية، وهو مطعم القدس الذي افتتح عام 1966 وارتاده ملوك وأمراء الأردن تباعاً فزادت شهرته وشعبيته.

وفي آخر الشارع الذي تتداخل على جنباته أشجار قديمة ومعمرة وبيوت ذات طابع عمراني أصيل، تقع أول مدرسة أهلية غير حكومية أنشئت في الأردن، وهي مدرسة المطران التي افتتحت عام 1932.

ومن أشهر الشوارع وأكثرها ازدحاماً في عمّان اليوم شارع المدينة أو ما بات يعرف بشارع المطاعم، لكثرة ما فيه من مطاعم، لا سيما التي تقدم وجبة الشاورما الشعبية، إضافة إلى عشرات محال الحلويات والكنافة النابلسية.

واليوم يزيد عدد المطاعم في هذا الشارع الذي يقع غرب العاصمة عمّان على 100 مطعم، وهو الوجهة المفضلة للأردنيين إذ يتسبب في اختناقات مرورية كثيرة.

وبدأت عمّان تتأسس قديماً من بؤرة هذا الشارع والسيل العظيم بجانبه، ويعد أقدم شوارع عمّان وأكثرها ارتباطاً بتأسيس المملكة الأردنية الهاشمية، ويمكن القول إنه الشارع الرئيس بسبب وجوده في منطقة وسط البلد التي تعاقبت عليها أحداث ووجوه ومحال ومقاه وقصص كثيرة.

تاريخ وسط عمّان

بدأت حركته التجارية قديماً بمحال صنعت من الخشب "خشابيات"، ولم يكن الشارع معبداً بشكل جيد، وارتبط أكثر بالمهن والحرف وبائعي الخضراوات ومحال الأقمشة والجملة، وكان يضم مدرسة وحيدة، ومن يريد إكمال دراسته فعليه الالتحاق بمدرسة السلط الثانوية.

ويقول الباحث محمد أبو عريضة إن تأسيس الشوارع الرئيسة بشكلها الحديث في العاصمة عمّان بدأ عام 1858، ففي ذلك العام أصدرت الدولة العثمانية قانون "الطابو" الذي شجع على توطين البدو والسكان عموماً في عمّان التي كانت مهجورة حينئذ.

 

وفي عام 1878 قررت الدولة العثمانية إرسال الشركس وتوطينهم في المناطق الداخلية من بلاد الشام، وطلبت منهم إصلاح عمّان وتأهيلها، وكانت منطقة وسط البلد آنذاك خالية من السكان، وأول مجموعة من الشركس جاءت إلى عمّان كانت من قبيلة الشابسوغ التي وصلت في العام نفسه واستقرت حول السيل، وبدأت في بناء البيوت والشوارع والأحياء ومن أبرزها حي المهاجرين الذي يحكي قصة المهاجرين إلى الأردن من دول عدة.

وفي عام 1909 ومع تأسيس بلدية عمّان كان عدد السكان نحو 2000 نسمة من البدو ومن العائلات الدمشقية والنابلسية والشركس بشكل أساس، ومع تدشين خط الحديد الحجازي بدأت تتشكل معالم المدينة وشوارعها، ومع تأسيس الدولة الأردنية واختيار عمّان عاصمة عام 1921 بدأ التوسع السكاني نحو جبالها السبعة.

ويظل شارع "الرينبو" راصداً للتقدم الاجتماعي والعمراني لبيئة العاصمة وساكنيها، كما يعد شاهداً على التحولات الاجتماعية والهوية الثقافية لمدينة عمّان التي تضم عائلات من أعراق وجنسيات مختلفة ومن أصول ومنابت عدة، فهناك أردنيون ومهاجرون وفلسطينيون وشراكسة ومواطنون من أصول شامية وغيرهم انصهروا في بوتقة واحدة.

السعودية... "الثميري" علامة الرياض

يعد شارع "الثميري" في الرياض أحد علامات السعودية السياحية والتجارية والاجتماعية والسياسية، إذ ظل معروفاً ببيع المقتنيات التاريخية والتراثية، واليوم يعد علامة ساطعة في القطاع السياحي بعدما كان في الماضي مركزاً تجارياً رئيساً، وتحديداً في فترة الخمسينيات وما قبلها.

ويقع "الثميري" وسط مدينة الرياض، ويبدأ من البوابة المعروفة باسمه متجهاً إلى الغرب نحو قصر الحكم، وكان بوابة دخول بعض الصناعات للمرة الأولى إلى السعودية، وعبره مرت أول سيارة للملك عبدالعزيز.

وتنسب تسمية الشارع إلى حسن الثميري، وهو من أهالي محافظة حريملاء الذي قتل أمام بوابة الثميري في معركة "دلقة" إبان مرحلة الدولة السعودية الأولى، وكانت بوابة الثميري أحد المداخل الرئيسة لمدينة الرياض عندما كانت محاطة بالسور القديم الذي جرى هدمه مع التوسع العمراني.

وللشارع أهمية وأبعاد سياسية واجتماعية وتجارية، إذ يحوي قصر الحكم الذي كان شاهداً على التطور السياسي في السعودية، وكان مقراً للحاكم وملتقى المواطنين بقادتهم وولاة الأمر فيهم منذ عهد الإمام تركي بن عبدالله، وهناك قصر "المصمك" ويعني البناء السميك المرتفع الحصين الذي جرى استخدامه بعد توحيد البلاد كمستودع للذخيرة والأسلحة، وظل يستخدم لهذا الغرض إلى أن تقرر تحويله إلى معلم تراثي.

 

وفي شارع الثميري جامع الإمام تركي بن عبدالله الذي كان يقوم بدور المسجد الكبير في المدينة عقوداً طويلة، عوضاً عن الميادين والساحات التي وضعت تابعة لتلك المنشآت، مثل ساحة المصمك وساحة الصفاة وساحة وميدان العدل، وهو الميدان الرئيس للعاصمة.

ويحوي شارع "الثميري" أربعة أسواق منها "سوق الديرة" الذي تعرض فيه سلع متنوعة، إضافة إلى مكاتب الصرافة وعدد من الأنشطة.

ويعد "سوق الزل" أحد أعرق أسواق الرياض القديمة، ويحوي مقتنيات أثرية منها العملات النادرة والأواني والآلات الموسيقية القديمة، وفيه أيضاً محال تجارية لبيع الملابس الرجالية التقليدية من مشالح وغيرها.

كما تقام فيه مزادات أسبوعية إضافة إلى مركز المعيقلية لبيع الملابس النسائية، كما اشتهر شارع الثميري بسوق الذهب والساعات.

ويذكر الباحث في التاريخ الاجتماعي منصور العساف أنه جرى اختيار هذا الشارع لأهميته ليكون في مقدم مزارات أول وفد ياباني يزور السعودية حين جاء لزيارة الملك عبدالعزيز عام 1938.

وجرى تعبيد الشارع في مطلع عهد الملك سعود وسمي حينها "شارع الملك عبدالعزيز"، لكنه أعيد لاسمه الأول في مطلع عهد الملك فيصل، كما يشتهر الشارع بتوكيلات عدة لماركات الساعات الفاخرة.

يروي العساف قصة بدايات الساعات الثمينة في شارع الثميري عام 1958 حين وقع رجل الأعمال عمر عطار عقد شراكة مع إحدى شركات الساعات السويسرية الشهيرة، وافتتح أول فرع في الشارع عام 1967، ووقتها كانت محال وأسواق الثميري تمثل قبلة المتسوقين ذوي الكفاءة والقدرة المالية.

 

كل زاوية من زوايا شارع الثميري تروي حكاية ومن أبرزها حكاية "ساعة الصفاة"، إذ كانت الشركة المسؤولة عن بنائها وتصميمها هي "شركة التعاون العربية" السعودية، ويشار إلى أن ساعة الصفاة الشهيرة سبقتها "ساعة المربع" بـ 28 عاماً وقد أمر بها الملك عبد لعزيز في عام 1938، وهي عبارة عن برج طيني بديع في مجمع قصور المربع، وشيدت تحت إشراف المهندس البريطاني أوزمان، الموظف بالمفوضية البريطانية في جدة. وهي واحدة من أشهر معالم العاصمة، واشتهرت بأنها "بيغ بن السعودية" حتى كان سكان الرياض يضبطون ساعاتهم على توقيتها.

وقد ازدهرت وانتعشت شوارع أخرى ومنها شوارع الوزير والعصارات والـ 60 وغيرها، وبعضها ينتعش وبعضها الآخر يخفت نجمه، إذ تتولد شوارع جديدة وتندثر أخرى قديمة، ما عدا شارع الثميري، فهو يمثل العمق الحضاري والتاريخي لمدينة الرياض.

وفي الصباح يزخر الشارع بالسياح والمتسوقين وأهالي المنطقة المستثمرين، وفي المساء يعج بالزوار الباحثين عن الترفيه، وهو الشارع المحافظ على ملامحه التاريخية حتى بعد إقامة مشاريع التطوير من قبل الهيئة الملكية، ليؤكد أنه مزار مثير للمهتمين بالتراث.

الجزائر... بطل في الشارع

شوارع وسط العاصمة الجزائرية مفعمة ومغرمة، ربما رغماً عنها، بتغيير الأسماء وتعديلها.

عقود طويلة حملت الشوارع الجزائرية أسماء شخصيات فرنسية اعتبرها كثيرون تهديداً صريحاً للذاكرة الجمعية للجزائريين، مما دفع السلطات إلى تغييرها إلى أسماء كبار مجاهدي وشهداء الجزائر.

 

وشهد مسار تغيير أسماء الشوارع في الجزائر فترات عسيرة، إذ تذكر المراجع التاريخية أن أكبر عملية انطلقت في عهد الرئيس الراحل محمد بوضياف الذي يعد أحد أبرز قادة الثورة التحريرية وعقلها المدبر، وذلك عقب خروجه في جولة في شوارع العاصمة الجزائر ليتفاجأ بأن أكبر الشوارع يحمل أسماء من قتلوا ونكلوا بأصدقائه وأجداده.

وأثار هذا الأمر حفيظة الرئيس الراحل فأصدر قراراً بتغيير أسماء الشوارع، وقدمت الجهات المعنية قائمة بأسماء 250 شارعاً وحياً في العاصمة تحوي أسماء المعمرين والجنرالات الفرنسيين للرئاسة من أجل تغييرها.

شارع ديدوش مراد واحد من أشهر وأجمل الشوارع في العاصمة الجزائرية، وقبل استقلال البلاد عام 1962 كان يطلق عليه اسم "شارع ميشليه"، وكان معروفاً بمحاله التجارية الفاخرة، ولا يزال يحوي بعضاً منها، وهي تبيع ماركات عالمية، إضافة إلى المقاهي المنتشرة على طوله ومطاعم جزائرية وأخرى للمطابخ العربية المختلفة مثل السورية والفلسطينية.

والشارع عبارة عن طريق طويل مزدحم طوال النهار وهادئ ومضيء ليلاً مما جعله يوصف بالقلب النابض للعاصمة، وأهم مميزاته الشعور الدائم بالأمان. ويصعب أن تمضي رحلة الزائر للجزائر من دون أن يمر على شارع ديدوش مراد، فهو مركزي والمترو يمر تحته، أما المحطات فمتعددة ومنها تافورا والبريد المركزي وساحة الشهداء، وهو تحفة معمارية تجمع مبانيه بين طابع البحر الأبيض المتوسط والطراز الباريسي، كما أنه شارع مفعم بالحياة ومثقل بالتضحيات.

رمزية المكان... وطن واستعمار

وللمكان رمزية، فهو مرتبط باسم أحد مخططي الثورة الجزائرية ضد المستعمر الفرنسي أو ما يعرف بـ "مجموعة الستة" التي فجرت الثورة في الفاتح من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1954، وهو الشهيد ديدوش مراد الذي سقط في الـ 18 من يناير 1955 بولاية قسنطينة شرق الجزائر، وكان يتمتع بقوة إقناع مكنته من إنجاز "أفضل تعبئة" ضد المستعمر الفرنسي ولمصلحة المشروع الثوري.

وعرف مراد بالتزامه الكامل بالقضية الوطنية، إذ كان يعتمد خطاباً مؤسساً وحماسياً يحوي استراتيجيات كفاح محكمة التنظيم، ومنها تهيئة الجبال لتكون مخبأ آمناً للمجاهدين.

وشارع ديدوش مراد ليس وحده الأشهر في الجزائر، فهناك كثير منها مثل شارع العربي بن مهيدي الذي دارت فيه أحداث تاريخية ومواجهات عدة بين الجزائريين والمستعمر الفرنسي، وكان يسمى سابقاً بشارع إيزلي، وهو ضابط سام في الجيش الفرنسي من مواليد عام 1872، وخاض معارك ضد الأمير عبدالقادر وكرمته السلطات الفرنسية بتسمية شارع باسمه ووضع تمثال ضخم له، لكن بعد استرجاع السيادة الوطنية عام 1962 قررت السلطات الجزائرية استرجاع هويتها العربية وتاريخ ثورتها ليسمّى شارع العربي بن مهيدي أحد مفجري الثورة الجزائرية، وهو واحد ممن أسهموا في النضال السياسي والثوري.

أما حي الشهيد محمد بلوزداد فقد تعرض هو الآخر لمحاولات طمس الهوية بعد ما اختار له الاستعمار اسم حي بلكور، لكن السلطات استطاعت أن تخلد اسم الثائر بلوزداد عبر تغيير الاسم.

وحي بلوزداد أقرب ما يكون إلى مقام الشهيد، فهو معلم يخلد الذاكرة التاريخية للجزائر ويعد محطة مهمة للزوار والسياح الذين يكتشفون البلاد من خلال الآثار والوثائق واللوحات والشواهد التاريخية في متحفي "المجاهد" و"الجيش"، كما أصبح وجهة لزيارات الجزائريين.

 

وعلى رغم النجاح الذي حققته حملة تغيير أسماء الشوارع فإن كثيراً من المواطنين لا يزالون يتداولون الأسماء الفرنسية من دون قصد، ولا يعرف كثيرون مثلاً سبب تسمية حي "المدنيّة" بهذا الاسم على رغم أنه كان معروفاً باسم "صالوبي" خلال الاستعمار الفرنسي، فهو نسبة إلى عائلة "مدني" التي راح منها عدد من الجزائريين.

وفي الضاحية الجنوبية من العاصمة يطلق الجزائريون على إحدى المدن الصغيرة اسم روفيغو نسبة إلى أحد أبرز جنرالات فرنسا صافاري دي روفيغو، على رغم أنه معروف بتنكيله بالجزائريين وقت كان حاكماً عاماً للجزائر بعد احتلالها، بينما يطلق رسمياً على تلك المدينة اسم بوقرة، وهو أحد أبرز قادة الثورة التحريرية (1954 - 1962).

أما وسط العاصمة فيطلق الجزائريون اسم الجنرال الفرنسي كلوزال على أحد أهم الأسواق بدل اسمه الرسمي المجاهد فرحات بوسعيد، وكذلك يطلقون على شارع الشهيد دبيح شريف شارع الكاتب الفرنسي فيكتور هوغو.

وأسماء شوارع العاصمة ليست مرتبطة فقط بمن دفعوا حياتهم ثمناً لاستقلال الجزائر، بل بآخرين يوصفون بأنهم أصدقاء ساعدوا الثورة الجزائرية أو تعاطفوا معها، أو تخليداً لعلاقات أخوة وصداقات مع بعض الدول الشقيقة والصديقة، لكن تظل معالم مقاومة الاستعمار وتخليد ذكرى الشهداء وقيمة الاستقلال سمة شوارع الجزائر.

تونس... "الحبيب بورقيبة" عمود العاصمة الفقري

الاستقلال يفرض نفسه قيمة وعقيدة في كل دولة ذاقت مرارة الاستعمار، وفي تونس فشارع الحبيب بورقيبة أو "لافيني" هو أشهر الشوارع في العاصمة وأكثرها حيوية واكتظاظاً، وسمي بذلك نسبة إلى الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي حكم تونس منذ الاستقلال حتى عام 1987، وهو بحق العمود الفقري للعاصمة تونس.

وضمن ما يميز هذا الشارع عدد من المحال التجارية والفنادق والمقاهي، وعلى مقربة منه شيدت الأحياء السكنية العصرية والمباني الكبرى التي تحوي عدداً من الأنشطة التجارية والبنكية والإدارية وأيضاً الثقافية مثل قاعات السينما.

ويتكون هذا الشارع الممتد من "ساحة 14 يناير" إلى "باب البحر" من ثلاثة أرصفة عريضة، اثنان متاخمان للمباني والمحال التجارية، والثالث محاط بالأشجار ومزود بمقاعد للجلوس ويتوسط الشارع ليكون أشبه بالحديقة.

وفي آخر الشارع من اليمين يوجد "باب بحر"، وهو عبارة عن باب كبير مقوس يؤدي إلى المدينة العتيقة، وجرت العادة في عهد الرئيس الحبيب بورقيبة أن يسمى الشارع الرئيس في كل مدينة تونسية باسم شارع الحبيب بورقيبة، لكن بعد إزاحته عن الحكم عام 1987 تغيرت أسماء عدد من تلك الشوارع.

ويعود ﺗﺎﺭﻳﺦ هذا الشارع إﻟﻰ ﻣﺎ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺤﻤﺎﻳﺔ الفرنسية عام 1881 عندما ﻛﺎﻥ ﺍﺳﻤﻪ ﺷﺎﺭﻉ "ﺍﻟﺒﺤﺮﻳﺔ" ﺃﻭ "ﻣﻨﺘﺰﻩ ﺍﻟﺒﺤﺮ"، ﻭﻫﻮ ﻣﻨﺘﺠﻊ ﻛﺎﻥ ﻳﻤﺘﺪ ﻣﻦ ﺑﺎﺏ ﺑﺤﺮ في أقصى الشارع إﻟﻰ "ﺩﺍﺭ ﻓﺮﻧﺴﺎ" ﻣﻘﺮ ﺍﻟﺴﻔﺎﺭﺓ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻴﺔ ﺣﺎﻟﻴﺎً.

ﻭﻳﺬﻛﺮ ﺍﻟﻤؤﺭﺧﻮﻥ ﺃﻥ ﺩﺍﺭ ﻓﺮﻧﺴﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﺃﻭﻝ ﺑﻨﺎﻳﺔ ﺗﻘﺎﻡ ﻓﻲ ﺍﻟﺸﺎﺭﻉ ﺍﻟﺬﻱ ﺣﻤﻞ ﻓﻴﻤﺎ ﺑﻌﺪ، ﻣﻊ ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ، ﺍﺳﻢ غول ﻓﻴﺮﻱ، ﻭﻫﻮ ﻧﺎﺋﺐ رئيس ﻣﺠﻠﺲ ﺍﻟﻨﻮﺍﺏ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ.

 

وعمر شارع الحبيب بورقيبة أكثر من 100 عام، وهو شاهد على تاريخ تونس المعاصر، إضافة إلى عهد الحماية الفرنسية عندما كان يسمى شارع البحرية.

ومنذ إنشائه في ﺃﻭﺍﺧﺮ ﺍﻟﻘﺮﻥ ﺍﻟـ 19 تعاقبت على رواده وقاطنيه ﺃﺣﺪﺍث ﺗﺎﺭﻳﺨﻴﺔ ﻛﺒﺮﻯ، أهمها ﺩﺧﻮﻝ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﻔﺮﻧﺴﻲ ﻓﻲ الثامن من أبريل (نيسان) 1881 ﻻﺳﺘﻌﻤﺎﺭ ﺍﻟﺒﻼﺩ، ﻭوصول ﺍﻟﺠﻴﺶ الألماني ﻟﻤﻄﺎﺭﺩﺓ ﺍﻟﻴﻬﻮﺩ ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺧﻼﻝ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻴﺔ ﺍﻟﺜﺎﻧﻴﺔ، ﺛﻢ ﺍﻟﺠﻴﺶ ﺍﻟﺒﺮﻳﻄﺎﻧﻲ ﻟﺘﺤﺮﻳﺮ ﺍﻟﻌﺎﺻﻤﺔ ﻣﻦ ﺍﻟﻨﺎﺯﻳﻴﻦ.

كما احتضن الشارع ﺧﻼﻝ ﻓﺘﺮﺓ حكم الحبيب ﺑﻮﺭﻗﻴﺒﺔ، أول رئيس لجمهورية تونس، محطات تاريخية مهمة مثل التظاهرة التي خرج ﻓﻴﻬﺎ ﺍﻟﺘﻮﻧﺴﻴﻮﻥ ﺿﺪ إسرائيل ﺧﻼﻝ ﺣﺮﺏ ﺍﻷﻳﺎﻡ ﺍﻟﺴﺘﺔ، وكذلك أحداث انتفاضة الخبز في الثالث من يناير عام 1984 التي تظاهر فيها الآلاف نتيجة ارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد رفع دعم الدولة عن بعض السلع.

وشهد شارع الحبيب بورقيبة أكبر تظاهرة حاسمة في تاريخ "الثورة" التونسية والتي كان لها الدور الأكبر في هرب الرئيس زين العابدين بن علي بعد أن هدد المتظاهرون بالتوجه إلى القصر الرئاسي في الـ 14 من يناير عام 2011.

وفي الشارع معالم أثرية مهمة مثل تمثال المؤرخ وعالم الاجتماع عبدالرحمن بن خلدون التونسي، والمسرح البلدي الذي كان يسمى بـ "كازينو تونس"، وقد جرى افتتاحه عام 1902.

وتتوسط الشارع كاتدرائية تونس التي تعتبر الأقدم بين معالم شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، وأيضاً وزارة الداخلية التونسية التي مثلت في عهد ما قبل "ثورة 2011" رمز الدولة البوليسية.

المغرب... "محمد الخامس" جامع الفرقاء

شارع عربي آخر جمع الأضداد واحتوى المتآلفات واحتضن الماضي والحاضر وكذلك المستقبل وهو شارع محمد الخامس الذي يتوسط العاصمة المغربية الرباط، إذ يلعب دوراً في جمع الفرقاء واحتضان الفروق بشكل يصعب تكراره في أي شارع آخر، فهو شارع السياسة والاحتجاجات، كما أنه شارع الاقتصاد والسياحة واقتناص لحظات المتعة والراحة.

وسمي شارع محمد الخامس الأشهر في العاصمة المغربية بهذا الاسم تيمناً باسم السلطان الراحل محمد الخامس، وهو جد العاهل الحالي الملك محمد السادس، وتكريماً لدوره في نيل البلاد الاستقلال من الاستعمار الفرنسي عام 1956.

وكان الشارع يسمى في السابق "شارع دار المخزن"، وكلمة "المخزن" في المعجم السياسي المغربي المتداول تعني الدولة أو السلطة، وجرى إنشاء جزء رئيس منه خلال الاستعمار الفرنسي عام 1912، لكن التطوير امتد أعواماً بعدها.

وإبان "الحماية الفرنسية" قرر المقيم العام الجنرال ليوطي استحداث تصميم حضري جديد لعدة مدن، وكان بينها العاصمة وشريانها الحيوي شارع محمد الخامس. وكان وراء هذا التصميم العمراني المعماري الفرنسي هنري بوست الذي توفي في يوليو (تموز) عام 1959 بمساعدة منسق المناظر الطبيعية جون فوريستير.

وكان شارع محمد الخامس قبل تحديثه وتطويره يضم وفق مراجع تاريخية عدة مؤسسات ذات أهمية، منها المقر الرئيس لبنك المغرب (البنك المركزي)، الذي اكتمل بناؤه عام 1925، ومؤسسة البريد المركزي التي صممها مهندسون فرنسيون عام 1918، فضلاً عن بناية البرلمان التي انتهى تشييدها في شكلها البسيط الأول عام 1932.

 

وأول ما يلفت الانتباه في هذا الشارع للقادم من محطة القطار الواقعة في الشارع القابعة في ذات الشارع هو مقر البرلمان بشقيه مجلس النواب ومجلس المستشارين، ويقف المبنى شامخاً بلونيه الأحمر والأخضر رمزاً للعلم الوطني.

وبقدر شهرة البرلمان المغربي بقدر ما اشتهر الشارع المواجه له بسبب مئات بل آلاف الاحتجاجات الاجتماعية لقطاعات من المتضررين من شتى المهن والشرائح والخلفيات السياسية والاجتماعية، ويسعى المحتجون غالباً إلى لفت انتباه البرلمانيين والمشرعين لصعوبة الأوضاع وطول المطالب.

وشهد شارع محمد الخامس تظاهرات تحمل مطالب في قطاعات حيوية، مثل الصحة والعمل والسكن والتعليم، لكن في عام 2022 كانت الاحتجاجات في هذا الشارع ضد غلاء الأسعار، كما عرف الشارع احتجاجات المحامين والمعلمين والسائقين وغيرهم من الفئات.

وتظل أقوى الاحتجاجات التي شهدها شارع العاصمة المغربية تلك التظاهرات الشعبية المليونية في زمن "الربيع العربي" التي دعت إليها حركة "20 فبراير" عام 2011 للمطالبة بمحاربة الفساد والاستبداد وإرساء نظام ملكي برلماني.

لقاءات واقتصاد ودين

وإذا كان البرلمان يفرض حضوره الطاغي ببنيانه الشاهق المميز رامزاً إلى كل ما يتعلق بالسياسة والقانون والدستور، فإن الشارع ذاته فيه ما يرمز إلى الاقتصاد والدين والسياحة والعلاقات الغرامية أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأمام هذه المؤسسة التشريعية الكبرى يوجد مقهى "باليما" الشهير، وقد نال المقهى شهرة واسعة بسبب طبيعة وهوية المترددين عليه، فغالبيهم صحافيون ونواب برلمانيون ونقابيون وكذلك محتجون، وكان المقهى قبل أن تغلق السلطات أبوابه لأسباب تظل مجهولة، يحتضن ثلة من المشاهير في السياسة والفن والأدب، ومن أبرزهم الثائر تشي غيفارا الذي حط رحاله هناك، وأيضاً نيلسون مانديلا، فضلاً عن كبار المثقفين والأدباء العالميين.

وغير بعيد عن مقهى باليما المأسوف عليه من طرف زوار الشارع، تلفت الأنظار نافورة خلابة وأسراب من الحمام، وتعد المساحة الخضراء الممتدة أمام البرلمان ملتقى الشباب من حيث الأحاديث الرومانسية الخافتة والتقاط الصور أو انتظار الحبيب.

والمتجول في الشارع سيلحظ بناية شاهقة هي مقر البنك المركزي للمغرب، وعلى مقربة من البنك المركزي مقر البريد المركزي بساعته الضخمة التي تضبط وقت زوار العاصمة، كما يقف أحد أكبر مساجد الرباط المعروف باسم "مسجد السنّة" في الشارع نفسه، وهو رابع أكبر مسجد تاريخي في البلاد أسسه السلطان محمد بن عبدالله عام 1785، وفي عام 1969 أعيد تصميمه وترميمه ليصبح أحد أكبر المعالم الدينية في المغرب.

ويزهو "شارع العاصمة المغربية" بما فيه من مؤسسات وبنايات حكومية أبرزها وزارات المالية والفلاحة والصحة، علاوة على مقر القيادة العليا للقوات المسلحة الملكية، كما يحوي أحد أقدم المؤسسات التعليمية في البلاد، وهي ثانوية مولاي يوسف التي يعود بناؤها لعام 1916.

شوارع العواصم العربية ليست مجرد شوارع رئيسة أو مراكز تاريخية، ففي كل عاصمة عشرات الشوارع التي تحمل كتباً ومراجع عن تاريخها وقصصها، لكن يبقى هناك شارع بعينه أو مجموعة شوارع متداخلة متشابكة يعرف الجميع أنها قلب العاصمة النابض وعقلها المفكر وذاكرتها الباقية، حتى لو امتدت جهود التحديث ومعاول العولمة وأحداث التاريخ بحلوها ومرها لتكتب سطوراً جديدة يعرفها بعضهم ويتجنبها بعضهم الآخر، لكن تبقى جزءاً من ذاكرة المكان وهوية الأوطان.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات