Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عن القتال في كرة القدم

لاعبون يكملون مباريات بإصابات وجروح في الرأس وكسر في الرقبة

تيري بوتشر (غيتي)

 

ملخص

برت تراوتمان رفع الكأس ورقبته مكسورة ولم يكن يعلم، تيري بوتشر أكمل المباراة وقميصه الأبيض تحول إلى لون آخر، غاتوزو استمر لأنه قرر أن يستمر، كومباني التقط صورة لوجهه المهشم ونشرها، مبابي ارتدى قناعاً وعاد يركض، راموس أكمل على رغم أنه كان يعلم.

لا تسأله عن اسمه الآن، ولا عن رقم قميصه، أو الفريق الذي يلعب له، أو المدينة التي قدم منها. في هذه اللحظة بالذات، كل ذلك لا معنى له. هو الآن شيء أبسط من كل هذا، وأقدم منه بكثير: جسد يرفض أن يتوقف.

الدقيقة 86، الملعب لم يعد ملعباً، بل صار ميداناً آخر لشيء أعمق من كرة القدم. ركبته اليسرى تؤلمه منذ المباراة الماضية، والعضلة خلف فخذه الأيمن تحترق منذ الدقيقة الـ50.

لكنه لا يعرف كيف يتوقف، ليس لأنه لا يستطيع، بل لأن شيئاً فيه أعمق من الألم يرفض أن يسمح لذلك، يرمي جسده أمام الكرة كما يرمي إنسان معطفه فوق بركة ماء ليعبر من فوقه من يحب. لا تفكير، لا حساب، فقط فعل سابق لكل كلمة.

الكرة تصطدم بساقه، يتألم، لكنها خرجت.

في المدرجات، آلاف المشجعين ينتفضون في وقت واحد.

هذه اللحظة، هذه اللحظة بالذات، هي ما نأتي من أجله، لكن ماذا رأينا حقاً؟ هل رأينا شجاعة؟ أم رأينا شيئاً أكثر تعقيداً مما نريد الاعتراف به؟

ماذا يبقى حين ينفد كل شيء؟

ثمة لحظة في كل مباراة حقيقية يصبح فيها التكتيك عاجزاً، اللوحة التي رسمها المدرب على اللوح الأببض تتبدد في مواجهة الفوضى الحية للملعب، والمهارة الفردية تصطدم بحدود الجسد المتعب، والحظ يقرر أن يغيب في اللحظة الأشد حاجة.

يبقى بعد كل هذا شيء واحد: الإرادة الجسدية الخام، ذلك الشيء البدائي، الذي يسبق كل لغة وكل فكر.

 

 

وثمة ما هو أكثر إثارة للتساؤل في هذه اللحظة، حين يرمي المدافع نفسه أمام الضربة الحرة من دون تفكير، من الذي قرر فعلاً؟ العقل لم يكن جاهزاً بعد، الحساب لم يكتمل، الخوف لم يجد وقته.

تصرف الجسد قبل أن يسأل، وهذا ربما هو أغرب ما في الاستبسال الحقيقي، أنه لا يبدأ بقرار، بل بفعل يسبق كل قرار، ثم يأتي الألم لاحقاً كأنه فاتورة قررها الجسد ودفعها بالنيابة عن صاحبه.

برت تراوتمان

في الخامس من مايو (أيار) 1956، أمام 100 ألف مشجع في ويمبلي، كان برت تراوتمان يحرس مرمى مانشستر سيتي في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي أمام برمنغهام سيتي. في الدقيقة الـ75، وفي تدخل لإنقاذ الكرة، اصطدمت ركبة المهاجم بيتر مورفي برقبة تراوتمان مباشرة. سقط الحارس مغمى عليه، لم تكن التبديلات مسموحاً بها في ذلك الزمن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نهض تراوتمان، مشى بخطوات متذبذبة، رفع نظرته نحو الكرة، وأكمل الدقائق الـ17 الأخيرة. مانشستر سيتي فاز 3-1، حين رفع تراوتمان الكأس، كانت يده المرتجفة تحمل معها شيئاً لم يدركه أحد بعد.

بعد أيام، كشفت الأشعة عن أن خمس فقرات في رقبته قد تضررت، وأن إحداها كسرت من المنتصف. كان يبعد فقرة واحدة عن الشلل التام، حين سئل لاحقاً عما شعر به حين نهض، قال إنه شعر بــ"تيبس في الرقبة".

لم يكن يعرف تراوتمان أن رقبته مكسورة، الجسد أخفى الحقيقة عن صاحبه ليستمر.

قصة تراوتمان تطرح سؤالاً لا إجابة سهلة عنه: هل كان ما فعله شجاعة حقيقية؟ الشجاعة كما نفهمها تعني أن تعرف الخطر وتختار المضي على رغم منه، لكن تراوتمان لم يكن يعرف. جسده قرر له، وأخفى عنه ما كان سيوقفه لو عرفه، ربما الشجاعة الحقيقية أحياناً لا تبدأ بوعي، بل بجسد أسرع من كل الأسئلة.

تيري بوتشر

في سبتمبر (أيلول) 1989، احتاجت إنجلترا إلى نقطة في السويد لضمان التأهل إلى كأس العالم في إيطاليا 1990. في الشوط الأول، اصطدم رأس المدافع تيري بوتشر برأس المهاجم السويدي جوني إكستروم. الجرح كان عميقاً، ضمد الأطباء الجرح، لفوا رأسه بضمادات بيضاء، وعاد للملعب.

دافع، تراجع، رمى رأسه ليصد كرة تلو كرة، وفي كل مرة كان يفتح الجرح من جديد. بحلول نهاية المباراة، كان قميصه الأبيض قد تحول إلى لون آخر تماماً. لم يتوقف الدم، بوتشر واصل. حصلت إنجلترا على التعادل وتأهلت، وبقيت الصورة. صورة الرجل ذي القميص المخضب والضمادة المبللة على رأسه، واحدة من أكثر صور كرة القدم عنفاً وجمالاً في آن واحد.

 

 

حين سئل بوتشر لاحقاً عن تلك الليلة، قال ما يشبه الإجابة البسيطة، "كان هذا ما يفعله أي إنجليزي في ذلك الموقف". جملة واحدة تحمل ثقلاً كاملاً، ذلك الثقل الذي تضعه الهوية الجماعية على كاهل الجسد الفردي.

غاتوزو: الجسد كرسالة

لم يكن الإيطالي غينارو غاتوزو يلعب كرة القدم بالمعنى الجمالي المعتاد، لم يكن يصنع الألعاب ولا يبهر بالتمريرات. كان يفعل شيئاً آخر تماماً، كان يعلن في كل مباراة أن جسده ملك للفريق لا لنفسه. ما حفظناه منه ليس هدفاً أو تمريرة، بل تلك اللحظة حين يستقبل ضربة في وجهه ويقوم وكأن شيئاً لم يحدث، حين يكمل بعد تدخل مؤلم كأن الألم ليس خياراً متاحاً.

ما يميز غاتوزو أن عنفه لم يكن عشوائياً، بل كان خطاباً. كان يقول لزملائه بجسده ما يعجز عن قوله بالكلمات: الاستسلام غير موجود في قاموسي، فلا يكون في قاموسكم. يصنف المدربون هذا النوع من اللاعبين بعبارة واحدة، "هو يجعل الآخرين يعرفون أن التوقف مستحيل".

لم يكن غاتوزو يلهم بمهارته، بل بقراره الصامت اليومي بأن يبقى واقفاً.

كومباني ومبابي: الوجه المكسور والقناع

في تصفيات كأس العالم 2014، خاض المدافع البلجيكي فينسنت كومباني واحدة من أكثر مباريات الشجاعة في مسيرته. تعرض أمام صربيا، لكسر في الأنف، وشرخ في محجر العين، وارتجاج خفيف في الرأس، وهي إصابات كافية عادة لإخراج أي لاعب من الملعب. لكنه عاد وأكمل نحو 60 دقيقة، ليساعد بلجيكا في الفوز 2-1.

وبعد المباراة نشر صورة وجهه المتورم، وكتب "ما الذي لن تفعله من أجل وطنك؟".

 

 

في يورو 2024، كسر كيليان مبابي أنفه في المباراة الأولى لفرنسا أمام النمسا، لم يغادر الملعب. عاد في المباريات التالية يرتدي قناعاً واقياً من البلاستيك، يركض خلف الكرة بوجه ملثم، الإصابة مرئية تحت القناع الشفاف، والألم موثق ومستمر في آن واحد.

هذان المثلان يطرحان سؤالاً لافتاً: حين يصبح الألم مرئياً ومعروفاً للجمهور، هل يتغير معنى الاستمرار؟ ربما تراوتمان كان الأصدق في استبساله لأنه لم يكن يعلم، ولم يكن أحد يعلم، الشجاعة بلا جمهور هي أقرب ما تكون إلى الشجاعة الحقيقية.

راموس: الاختيار الواعي

سيرجيو راموس قصة مختلفة لأنه يجمع بين نقيضين: القسوة الباردة واليقين الرومانسي. لعب طوال مسيرته بجسد متعب وإصابات موثقة، وأكمل مباريات فاصلة بكسور وتمزقات أخفاها، لكن ما يميز راموس أنه كان يعلم دائماً ويختار دائماً، وهذا ما يجعله مختلفاً عن تراوتمان.

تراوتمان واصل اللعب لأن جسده اتخذ القرار قبل عقله، وكأن الغريزة دفعته إلى الصمود على رغم الألم. أما راموس، فواصل لأن إرادته انتصرت على إشارات جسده. الأول كان صموداً غريزياً، والثاني كان تحدياً واعياً، لكن المشهد في النهاية واحد: إنسان بقي واقفاً في اللحظة التي كان المنطق يقول فيها إنه يجب أن يسقط.

ثمة سؤال لا يطرحه أحد بصوت عال.

حين يرمي لاعب جسده أمام الكرة في الدقيقة الـ86، يجلس المدرب على الكرسي، ويراقب المالك من صندوقه الزجاجي، ويهتف الجمهور بشجاعة اللاعب، لكن الجسد الذي يحمل الكسور والتمزقات المتراكمة سنة بعد سنة هو جسد اللاعب وحده، الثمن شخصي تماماً، والفائدة جماعية تماماً.

لكن يجب أن نكون دقيقين هنا ولا نبالغ في الاتجاه المعاكس، ليس كل لاعب يستبسل مضطراً. راموس لم يكن تحت إكراه أحد، غاتوزو اختار فلسفته بوعي ودافع عنها طوال مسيرته. كومباني أكمل لأنه أراد، التبسيط القائل إن المنظومة تستغل أجساد اللاعبين يسرق منهم شيئاً لا يقل أهمية عن الألم الذي تحملوه، إرادتهم الحرة وقرارهم الذاتي.

الحقيقة في المنتصف وأكثر إزعاجاً من الطرفين، المنظومة تنتج ثقافة تمجد الاستبسال وتشيطن التوقف، وهذه الثقافة تضغط على الإرادة الفردية حتى حين لا يشعر اللاعب بهذا الضغط. اللاعب الذي يخشى أن يقرأ خروجه من الملعب جبناً ليس حراً تماماً حين يقرر الاستمرار، حتى لو اعتقد أنه كذلك.

ثقافة تمجيد الاستبسال جميلة من المدرجات، من يعيش نتائجها لاحقاً هو الجسد الذي استبسل، لا الجمهور الذي صفق.

لماذا نقف حين يسقطون؟

يبقى سؤال أخير، ربما هو الأصعب: لماذا نحب بالتحديد هذه اللحظات؟ لماذا يقف الجمهور حين يرمي لاعب جسده أمام الكرة؟

الجواب السهل يقول إننا نعجب بالشجاعة، لكن هذا لا يكفي، في الحياة اليومية، نتفاوض دائماً، نحتفظ بشيء لأنفسنا، نحسب الثمن قبل كل فعل. هؤلاء اللاعبون في لحظاتهم تلك لا يحتفظون بشيء، يسلمون الجسد بالكامل لشيء يؤمنون به، ونحن الذين نعيش نصف تسليم دائماً نراهم ونشعر بشيء يشبه الغيرة المقدسة.

ربما لهذا السبب يبكي الرجال في الملاعب حين يرون استبسالاً حقيقياً، ليس إعجاباً بلاعب، بل لأنهم يرون أمامهم شيئاً فقدوه في مكان ما على طول الطريق: القدرة على العطاء بلا حساب.

برت تراوتمان رفع الكأس ورقبته مكسورة ولم يكن يعلم، تيري بوتشر أكمل المباراة وقميصه الأبيض تحول إلى لون آخر، غاتوزو استمر لأنه قرر أن يستمر، كومباني التقط صورة لوجهه المهشم ونشرها، مبابي ارتدى قناعاً وعاد يركض، راموس أكمل على رغم أنه كان يعلم.

كلهم اختلفوا في التفاصيل، في سبب الاستمرار، في مقدار الوعي، في طبيعة الإصابة. لكنهم اتفقوا جميعاً على شيء واحد: في تلك اللحظة بالذات، لم يكن الجسد مجرد وسيلة للعب. كان هو الكلام الأخير، الحجة الأخيرة، الشيء الوحيد المتبقي حين نفد كل شيء آخر.

وهذا بالضبط ما يجعلنا نقف.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة