ملخص
الفرح في كرة القدم لا يحتمل التأجيل. هو لحظي، انفجاري، مرتبط بالآنية الكاملة للحظة التي تعبر فيها الكرة الخط. حين يُسرق ذلك الانفجار ويُحوّل إلى استفهام معلق، يتحول الفرح إلى قلق، ويتحول الاحتفال إلى مراجعة. وهذا مخالف لطبيعة اللعبة في جوهرها.
كانت كرة القدم، قبل كل شيء، قصيدة غير مكتملة. فيها سطر ناقص، وكلمة خاطئة، وصورة ملتوية لا تستقيم مع قواعد النحو. وهذا بالضبط ما جعلها خالدة. الكمال مُضجر، والنقص وحده هو الذي يسكن الذاكرة.
ثم جاء "الفار".
جاء بكاميراته الستة عشر، وشاشاته، ومسطرته الرقمية التي ترسم خطوط التسلل بدقة الميليمتر. جاء بحجة العدالة، وبنية إصلاح ما أفسده البشر على مدى قرن وربع من الزمن. لكنه في الوقت ذاته، أخذ منا شيئاً لم تكن تعرف قيمته: أخذ منا حق الخطأ الجميل.
اليد التي صنعت التاريخ
في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) عام 1986، في ملعب أزتيكا بمكسيكو سيتي، اقترب دييغو أرماندو مارادونا من كرة معلقة في الهواء، ومد يده اليسرى في حركة لا تستغرق أكثر من جزء من الثانية، وأرسل الكرة إلى الشبكة الإنجليزية. التفت الحكم التونسي علي بن ناصر إلى خط التماس، فلم يجد اعتراضاً، فأشار إلى منتصف الملعب. هدف.
حين سُئل مارادونا بعد المباراة عمّن سجّل الهدف، ابتسم تلك الابتسامة المنحرفة التي لا تتقنها إلا الأساطير، وقال "قليلاً بيد مارادونا، وقليلاً بيد الله".
لو كان "الفار" موجوداً ذلك اليوم، لتوقفت المباراة، وأشار الحكم إلى شاشته الصغيرة جانب الملعب، وألغى الهدف بعد دقيقتين من المراجعة. وكان العالم سيفوته، ببساطة، أعظم جملة قيلت في تاريخ هذه الرياضة. وكانت الأرجنتين ستُحرم من تلك اللحظة الرمزية التي شعرت فيها أنها استردت شيئاً ما من إنجلترا، حتى لو على أرض ملعب.
"الفار" لا يقرأ الشعر. ولا يفهم الحروب.
من حق المدافعين عن "الفار" أن يقولوا ما يقولونه. اللاعب الذي سُرق منه هدف صحيح بسبب خطأ بشري، أو الفريق الذي خرج من بطولة جراء قرار مجحف، يملك كل الحق في المطالبة بالعدالة. هذه حجة جدية ولا يجوز تجاهلها. قال الإسباني أندرياس إنييستا مرة "إن الفار يحمي النزاهة"، وهو لم يكن مخطئاً.
لكن السؤال الذي لا يطرحه المدافعون عن "الفار" هو: عدالة لمن، وعلى حساب ماذا؟
فرانك لامبارد، في كأس العالم 2010 أمام ألمانيا، أطلق تسديدة ارتطمت بالعارضة ونزلت خلف خط المرمى بأكثر من متر كامل، ومن ثم ارتدت للخارج. لم يُعطَ الهدف. خرجت إنجلترا. وصار ذلك القرار المجحف واحداً من أكثر اللحظات إثارة للجدل في تاريخ البطولة. ظلم حقيقي، لا شك. لكنه أيضاً رواية عاشت لعقد كامل وصنعت هوية لجيل من المشجعين الإنجليز.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
المفارقة هنا دقيقة ومقلقة في آنٍ واحد: الظلم نفسه أحياناً يصنع الذاكرة. وحين نقضي على الظلم، قد نقضي على ذلك النوع من الذاكرة معه.
وفي السياق ذاته، فكّر في هدف جيوف هيرست في نهائي 1966، ذلك الهدف الذي تحوّل إلى سؤال فلسفي أكثر منه قراراً تحكيمياً: "هل عبرت الكرة الخط؟" أربعة عقود ونصف من الجدل الجميل، قبل أن تأتي تقنيات الاتحاد الدولي وتؤكد، بأثر رجعي، أن الكرة لم تكن قد عبرت. لكن إنجلترا رفعت كأس العالم الوحيد في تاريخها استناداً إلى ذلك الخطأ. ماذا نصنع بهذه الحقيقة الآن؟
ما يفعله "الفار" بالفرح؟
ثمة لحظة بعينها تلخّص ما خسرناه. تخيّل مشجعاً يقف في المدرجات، يرى كرة تدخل الشبكة، فيقفز من مكانه ويصرخ ويعانق من بجانبه، وترتفع يداه إلى السماء، ثم ينظر إلى الملعب فيجد الحكم يشير إلى أذنه، منتظراً قرار غرفة الفيديو في مكان ما بعيد. يجلس ببطء. يصمت. ينتظر.
هذا الانتظار هو قاتل الفرح.
الفرح في كرة القدم لا يحتمل التأجيل. هو لحظي، انفجاري، مرتبط بالآنية الكاملة للحظة التي تعبر فيها الكرة الخط. حين يُسرق ذلك الانفجار ويُحوّل إلى استفهام معلق، يتحول الفرح إلى قلق، ويتحول الاحتفال إلى مراجعة. وهذا مخالف لطبيعة اللعبة في جوهرها.
لم تكن كرة القدم يوماً عادلة بالمعنى الرياضي الصارم، ولم يطالب أحد بأن تكون. الحظ جزء من لعبتها، والأخطاء جزء من روحها، والظلم أحياناً جزء من قسوتها التي تجعلها حقيقية. حين أزلنا هذا العنصر، أو حاولنا إزالته، خلقنا لعبة أكثر دقة وأقل إنسانية.
كما لو أننا أخذنا رواية كلاسيكية وصحّحنا كل أخطائها الإملائية، وأعدنا كتابة جملها المعقدة بأسلوب واضح ومريح. النص سيصبح أكثر صواباً. لكنه لن يكون الرواية ذاتها بعد الآن.
الفخار المصنوع باليد أجمل من المصنوع بالآلة لأنه يحمل أثر الإنسان، بما في ذلك ارتجافاته وعدم تناظره. كرة القدم كانت هذا الفخار. وكان الحكم البشري، بكل محدوديته وارتجافاته، هو الذي يمنحها ملمسها الخشن الجميل. "الفار" يريدها آلة مصقولة. ولا بأس في الآلة المصقولة، غير أنك لن تُحبّها بالطريقة ذاتها.
ما الذي لن يعود؟
لو جلست اليوم مع طفل في العاشرة من عمره ورويت له قصة "يد الله"، سيضحك ويشعر بمتعة القصة، لكنه سيسألك بعدها: "لماذا لم يراجعوا الكاميرا؟" وحين تقول له إن الكاميرات لم تكن كافية في تلك الحقبة، ستقول في قرارة نفسك إن هذا النوع من القصص لن يتكرر. لن يكون هناك مارادونا آخر يسرق هدفاً بيده أمام العالم ويسميه يد الله. لن تكون هناك مباراة يخرج منها الجمهور يتجادل حول ما رأى وما لم يُر. لن تكون هناك تلك القصص التي تُروى بين الأجيال وتكبر مع كل رواية.
سيكون هناك فقط: قرار صحيح، صدر في الوقت المناسب، وأنهى الجدل قبل أن يبدأ.
وهذا، بصدق، نوع من الخسارة.
قضى الحكم التونسي علي بن ناصر، الذي أجاز هدف مارادونا، بقية حياته يحمل ذلك القرار. في مقابلات لاحقة، قال إنه "لم يكن في الموقع المناسب لرؤية اليد" اعتراف بالخطأ، نعم.
لكنه أيضاً توقيعه غير المقصود على أعظم لحظة في تاريخ المونديال. هو، من منظور آخر، الشخص الذي كان موجوداً حين وُلدت الأسطورة، لأنه لم يكن يرى كل شيء.
كرة القدم الجميلة ليست تلك التي تسير بلا أخطاء. بل تلك التي تحوّل أخطاءها إلى ذاكرة، وذاكرتها إلى هوية.
"الفار" جاء ليصحح. لكنه لا يعرف أن بعض الأخطاء لا تحتاج إلى تصحيح. تحتاج فقط إلى أن تُروى.