Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهزيمة في كرة القدم

لا تصنع أمجاد المنتصرين فقط بل تحفظ أيضاً قصص الذين سقطوا على أعتاب الحلم

خيبة روبرتو باجيو بعد اضاعته ضربة الجزاء في نهائي 1994 ضد البرازيل (مواقع التواصل)

ملخص

ربما لا توجد رياضة تجعل الخسارة شخصية إلى هذا الحد. فاللاعب لا يخسر مباراة فقط، بل يخسر النسخة التي رسمها لنفسه في خياله. يخسر الصورة التي تخيلها وهو يرفع الكأس أمام الجماهير. يخسر الذكريات التي لم تتحقق. يخسر المستقبل الذي كان يظن أنه ينتظره بعد دقائق.

ثمة لحظة في كرة القدم لا تشبه أية لحظة أخرى. ليست لحظة تسجيل الهدف، ولا لحظة رفع الكأس، بل تلك الثانية القصيرة التي تعقب صفارة النهاية مباشرة. الثانية التي يعرف فيها أحد الفريقين أنه صار بطلاً، ويكتشف الآخر أن كل شيء انتهى.

في تلك اللحظة تحديداً، تتجلى كرة القدم على حقيقتها.

على الجانب الأول من الملعب، يركض اللاعبون كالأطفال، يصرخون ويقفزون ويعانقون بعضهم بعضاً. أما على الجانب الآخر، فتسود حال مختلفة تماماً، فأجساد ساكنة ووجوه شاحبة ونظرات ضائعة.

بعض اللاعبين يسقطون على العشب وكأنهم فقدوا القدرة على الوقوف، وبعضهم يدفنون رؤوسهم بين أيديهم، وآخرون يحدقون في الفراغ غير قادرين على استيعاب ما جرى.

هنا تبدأ قصة الهزيمة.

ربما تبدو كرة القدم للوهلة الأولى لعبة بسيطة، فريق يفوز وآخر يخسر. لكن هذه البساطة الظاهرية تخفي وراءها حقيقة أكثر تعقيداً. فالانتصار في العادة يُختصر بصورة واحدة، صورة الكأس المرفوعة. أما الهزيمة، فتولد عشرات القصص والأسئلة والندوب التي من المحتمل أن ترافق أصحابها لأعوام طويلة.

ربما لا توجد رياضة تجعل الخسارة شخصية إلى هذا الحد. فاللاعب لا يخسر مباراة فقط، بل يخسر النسخة التي رسمها لنفسه في خياله. يخسر الصورة التي تخيلها وهو يرفع الكأس أمام الجماهير. يخسر الذكريات التي لم تتحقق. يخسر المستقبل الذي كان يظن أنه ينتظره بعد دقائق.

خلال نهائي كأس العالم عام 1950، كانت البرازيل تستعد للاحتفال قبل انطلاق المباراة أصلاً. طبعت الصحف عناوين النصر، والجماهير ملأت مدرجات "ماراكانا" بأعداد هائلة. لم يكُن أحد يتصور أن أوروغواي ستنتزع اللقب من أصحاب الأرض.

 لكن حين سجل ألسيديس غيغيا الهدف الحاسم، خيّم الصمت على الملعب الأكبر في العالم. لم تكُن تلك مجرد خسارة مباراة. كانت صدمة وطنية كاملة. حتى اليوم لا يزال البرازيليون يطلقون عليها اسم "ماراكانازو"، وكأنها جرح تاريخي لا مجرد نتيجة رياضية.

لكن الهزيمة في كرة القدم لا تحتاج دائماً إلى جمهور من 200 ألف متفرج كي تكون مؤلمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

خلال صيف 1994، وقف روبرتو باجيو أمام ركلة جزاء قد تكون الأكثر شهرة في تاريخ اللعبة. كان أفضل لاعب في العالم تقريباً، والرجل الذي حمل إيطاليا إلى النهائي. وعندما ارتفعت الكرة فوق العارضة، لم يتذكر أحد تقريباً الركلات التي سبقتها. بقيت صورة واحدة فقط، لاعب وحيد يقف تحت سماء لوس أنجليس محاطاً بصمت ثقيل.

سلسلة هزائم

روما 1990. الملعب الأولمبي. الصفارة الأخيرة.

لم يقف مارادونا ليحتجّ. لم يركض نحو الحكم. جلس على العشب، وضع وجهه بين راحتَيه، وتركها تأتي. لاحقته الكاميرا بلا رحمة، لم يهرب منها. في تلك اللحظة، أمام 80 ألف متفرج وعيون العالم، بكى أعظم لاعب في التاريخ من دون أن يخفي دموعه. فازت ألمانيا الغربية بهدف من ركلة جزاء في الدقيقة الـ85. وانتهى كل شيء.

تلك الصورة لم تكُن لحظة ضعف. كانت شيئاً أندر من ذلك بكثير، كانت الحقيقة مكشوفة بلا قناع. وهذا بالضبط ما تفعله كرة القدم بالهزيمة. لا تتركها تختبئ.

 

 

كانت قصة مختلفة. مارادونا في الـ30 من عمره، جسده بدأ خيانته الهادئة، وفريقه يفتقر إلى أربعة لاعبين بسبب الإيقاف. خاض النهائي بتسعة رجال في نهاية المطاف. لم يغشّ هذه المرة كما عام 1986. قاتل بما بقي له وخسر.

قال مارادونا لاحقاً إنه كان وعد ابنته دالما بأن يعود حاملاً الكأس. وحين أعلنت النتيجة النهائية، جلس في دائرة الوسط وحيداً، وكانت المدرجات من حوله بحراً من الأعلام الألمانية. لم يكُن يبكي على هدف. كان يبكي على وعد لم يستطِع الوفاء به، وعلى شيء عرف في تلك اللحظة أنه لن يعود.

الانتصار يحتاج إلى رواية. أما الهزيمة فتكتفي بنفسها

برشلونة 2019

في مايو (أيار) عام 2019، سافر برشلونة إلى "أنفيلد" وهو يحمل في جيبه تذكرة النهائي. ثلاثة أهداف في رصيده من مباراة الذهاب، وفريق ليفربول يفتقر إلى محمد صلاح وروبيرتو فيرمينو بسبب الإصابة. على الورق، كانت المباراة مجرد إجراء.

ما حدث في "أنفيلد" تلك الليلة لم يكُن في أي حساب. سبع دقائق أولى، هدف لليفربول، لكن ثقة أصحاب الأرض بأنفسهم لم تكتمل إلا بعدما سجل البديل جورجينيو فينالدوم هدفين في ظرف 122 ثانية من الشوط الثاني.

ثم جاءت اللحظة الحاسمة وهدف التأهل عندما خدع أوريغي مرة أخرى دفاع برشلونة الذي فقد تركيزه ولم يتابع تمريرة ترينت ألكسندر أرنولد الذكية إلى أوريغي من نقطة الركنية. انتهت المباراة أربعة أهداف لصفر، وخرج برشلونة من أوروبا.

الهزيمة هنا كانت من نوع مختلف. ليست هزيمة بسبب اللعب السيئ أو الحظ العاثر. كانت هزيمة من قرّرت نفسها بنفسها قبل أن يلعب أحد. برشلونة دخل الملعب وهو يعلم أنه لن يخسر، وهذا اليقين بالذات هو الذي فتح الباب. الفريق الذي لا يصدق أنه ممكن أن يسقط، يسقط بطريقة لا تُنسى.

وجه ميسي بعد الصفارة الأخيرة قال ما لم تقُله الكاميرات، ثمة هزائم تعلمك شيئاً، وثمة هزائم تذهلك لدرجة أنك لا تستطيع حتى أن تكون حزيناً. هذه كانت من النوع الثاني.

الهزيمة التي صارت أغنية

عام 1966، فازت إنجلترا بكأس العالم على أرضها في ويمبلي. كان ذلك قبل 60 سنة. ومنذ ذلك اليوم، لم تعُد إنجلترا قريبة من لقب.

هذه الحقيقة وحدها كافية لتكون مؤلمة. لكن ما فعله الزمن بها أعمق من الألم. فعام 1996، حين استضافت إنجلترا بطولة أوروبا، كتب الكوميديّان ديفيد بادييل وزميله فرانك سكينر أغنية للمنتخب. لم تكُن أغنية انتصار كالمعتاد. كانت أغنية عن الأمل المكسور والحلم المعلق بعنوان "Three Lions".  مطلعها الذي لا يُنسى "30 عاماً من الألم، لم تمنعني قط من الحلم. إنها آتية إلى الوطن."

الأغنية أُطلقت لبطولة واحدة وبقيت لعقود. تُغنى في كل بطولة، تملأ المدرجات والحانات والشوارع، ثم تتحول في لحظة واحدة إلى سخرية حين يخرج المنتخب. اليوم، بعد 60 عاماً من 1966، عُدلت كلمة "30 عاماً" إلى "56 عاماً" ثم إلى ما هو أكثر. والأغنية ما زالت تغنى.

 

 

هذا ما تفعله الهزيمة المتراكمة، تتحول إلى هوية. الإنجليزي لا يُعرَّف في كرة القدم بما ربحه منذ 60 عاماً، بل بكيفية خسارته منذ ذلك الحين. الهزيمة المتكررة لا تقتل بالنسيان، بل تحفر في أغانٍ وذاكرة جماعية تصير أعمق من أي انتصار.

هذا ما تفعله كرة القدم. إنها تضغط سنوات من العمل والتضحيات في لحظة واحدة. أحياناً تكون اللحظة تسديدة، وأحياناً خطأ دفاعياً، وأحياناً قراراً تحكيمياً، لكنها قادرة على إعادة كتابة مصير كامل.

ولعل أكثر ما يميز الهزيمة في هذه اللعبة أنها لا تقتصر على اللاعبين. الجماهير أيضاً تخسر.

في مدرجات الملاعب الكبرى يمكن رؤية المشهد نفسه في كل مكان، رجال بالغون يبكون كما لو أنهم فقدوا شخصاً عزيزاً، أطفال يخفون وجوههم، وآلاف الأشخاص يغادرون بصمت. قد يبدو الأمر مبالغاً فيه لمن ينظر إلى كرة القدم من الخارج، لكنه مفهوم تماماً لمن يعيشها من الداخل.

فالناس لا يشجعون فرقهم لأنها تفوز فقط. إنهم يضعون جزءاً من ذواتهم فيها. تصبح الأندية امتداداً للمدينة أو الحي أو العائلة أو الذاكرة الشخصية. وحين يخسر الفريق، يشعر المشجع أحياناً بأن جزءاً من قصته الخاصة انكسر معه.

وربما لهذا السبب تحتفظ كرة القدم بمكانة خاصة للخاسرين العظماء.

نتذكر المنتخب الهولندي الذي خسر نهائيي 1974 و1978 بقدر ما نتذكر الأبطال. نتذكر البرازيل التي سقطت أمام إيطاليا في 1982 أكثر مما نتذكر كثيراً من الفرق التي رفعت الكؤوس. ونتذكر ليونيل ميسي وهو يجلس حزيناً أمام كأس العالم في 2014 كما نتذكر صورته وهو يرفعها أخيراً في 2022.

كأن اللعبة تقول إن القيمة لا تُقاس دائماً بمن انتصر. بعض الهزائم تكتسب مع مرور الزمن معنى مختلفاً. تتحول من نهاية إلى بداية. فكثير من أعظم قصص كرة القدم بدأت بالسقوط.

المنتخب الإسباني الذي هيمن على العالم بين أعوام 2008 و2012 خرج من كأس العالم 2006 مثقلاً بالإحباط. ألمانيا التي توجت بطلة للعالم عام 2014 مرت بسلسلة من الخيبات المؤلمة قبل ذلك. وحتى ميسي نفسه احتاج إلى سنوات من الإخفاقات الدولية قبل أن يحقق حلمه الأكبر.

في نهاية كل بطولة، حين ينتهي كل شيء، تبقى صورة واحدة لا تمحوها الأيام. ليست صورة الكأس المرفوعة، ولا صورة الفريق الفائز وهو يركض، بل صورة لاعب جالس على العشب، وجهه بين يديه، والملعب من حوله يحتفل بغيره.

لا أحد يصور هذا اللاعب ليذلّه. يصور لأن في وجهه شيئاً نعرفه جميعاً ولا نجد له اسماً في حياتنا العادية. شيء يشبه اللحظة التي تعرف فيها أنك أعطيت كل ما عندك، ولم يكفِ.

كرة القدم هي المكان الوحيد الذي يُسمح فيه لهذه اللحظة أن تُرى.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة