Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

احتفالات ما بعد الهدف

حركات ورقصات باتت مطبوعة في ذاكرة الجمهور العالمي ويقلدها الصغار والكبار

احتفالات بأشكال محتلفة (اندبندنت عربية)

ملخص

 حين يسجل لاعب هدفاً أمام مئات الملايين، تصبح حركته في تلك الثواني القليلة أشد تأثيراً من أي بيان رسمي أو خطاب سياسي.

دالاس، التاسع من يوليو (تموز) 1994، الشمس تحرق العشب في ملعب كوتون بول، ولا رحمة في الهواء، والبرازيل وهولندا في ربع النهائي، والتعادل يطفو على المباراة كصخرة ثقيلة، وفي الدقيقة الـ 63 شق بيبيتو خط الدفاع الهولندي بخفة لا تُعلَّم في أية مدرسة، وأرسل الكرة إلى الشباك برصانة من لا يحتاج إلى إثبات شيء، ثم توقف.

لم يصرخ ولم يركض نحو الجمهور ولا نحو زملائه، بل انتصب في مكانه لثانية، ضم ذراعيه ببطء وراح يهزهما أمام صدره، بإيقاع هادئ يعرفه كل من أمسك يوماً بطفل رضيع خائف من العتمة، فنظر روماريو إليه وفهم، وماتشينيو فهم أيضاً، فاقتربا وأدّيا الحركة ذاتها، بينما تتابع الكاميرات بدهشة احتفالاً لم تره ملاعب كأس العالم من قبل.

لم يكن ذلك المشهد موجهاً للجماهير ولا الخصوم، بل كان رسالة عابرة للقارات، وقبل يومين فقط وفي ريو دي جانيرو البعيدة، وُلد ماتيوس، الابن الأول لبيبيتو، فيما كان والده يخوض أهم بطولة في العالم، ومن قلب مباراة مصيرية، وسط ضجيج عشرات الآلاف، وجد المهاجم البرازيلي طريقته الخاصة ليحتضن طفله للمرة الأولى.

 

 

يقول بيبيتو بعد أعوام "كانت تلقائية تماماً، نظرت يميناً فكان ماتشينيو يُؤديها، نظرت يساراً وكان روماريو يُؤديها، كانت لحظة بالغة الجمال، إيماءة بسيطة لكنها كانت محملة بكل حبي".

بعد ثمانية أيام أصبحت البرازيل بطلة العالم، وماتيوس، الذي أُعلن عن ميلاده أمام مئات الملايين، بات بدوره لاعب كرة قدم محترفاً.

تلك اللحظة في دالاس ليست مجرد قصة لاعب فرح بمولوده، بل هي نقطة تحول في تاريخ كرة القدم: اللحظة التي أدرك فيها العالم أن الاحتفال بعد الهدف ليس ذيلاً للحدث، بل هو الحدث نفسه، ومنذ ذلك اليوم بات الاحتفال ميداناً معركته أحياناً أشد وطأة من المباراة.

روجيه ميلا

قبل بيبيتو بأربعة أعوام ثمة رجل آخر غيّر قواعد الملعب، ففي مونديال إيطاليا 1990، كان روجيه ميلا يبلغ الـ 38 من عمره، وقد اعتزل المنتخب رسمياً، ولم يكن ليكون هنا لولا أن رئيس الكاميرون اتصل به شخصياً وطلب منه العودة، فعاد ميلا وحين أحرز هدفه انطلق نحو علم الركنية ورقص بحركة غريبة.

 

 

يقول ميلا "في الحقيقة أدّيت رقصة اخترعتها بنفسي، وإذا أردتم يمكنكم تسميتها رقصة ميلا"، وأصبحت الكاميرون أول منتخب أفريقي يبلغ ربع النهائي، وميلا بات وجه تلك اللحظة التاريخية بأسرها، أما علم الركنية فلم يعد مجرد خشبة في أرض الملعب، بل أصبح منصة يلجأ إليها اللاعبون حين يريدون أن يقولوا شيئاً للعالم، وقد جعل ميلا الجسد لغة في الملعب، فقبله كان الاحتفال تلقائياً مشوشاً، وبعده بات للجسد بلاغته الخاصة.

قميص بالوتيلي

قبل ديربي مانشستر في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، اقترب ماريو بالوتيلي من مُجهز الملابس في النادي وطلب منه طباعة رسالة على قميصه الداخلي، ولم يكن ذلك نزوة لحظية، بل كان رداً مُعداً بعناية على ما يصفه بأعوام من الملاحقة الإعلامية، فقبل أيام من المباراة كانت الصحف البريطانية قد ملأت صفحاتها بقصة احتراق منزله جراء ألعاب نارية أشعلها في الداخل.

في الدقيقة (22) أحرز بالوتيلي هدفاً في شباك مانشستر يونايتد في عقر داره، ورفع القميص ببرود عن صدره، فظهر للعالم الجواب"Why Always Me?"  "لماذا دائماً أنا"؟

 

 

ثلاث كلمات أنجزت في ثانية ما يعجز عنه الخطاب الطويل: خلطت بين الشكوى والسخرية، بين الضعف والعناد، بين الفنان الموهوب والشخصية المستعصية على الفهم، وحصل على البطاقة الصفراء وانتهت المباراة بهزيمة يونايتد (6-1).

ما يجعل هذا الاحتفال مختلفاً عن سابقيه أن القميص تحوّل من مجرد لباس رياضي إلى وثيقة، فلم يكن الفرح هو المحرك، بل كان شيء أكثر تعقيداً: وعي المشهور بنفسه وهو يؤدي دوره أمام العالم، فبالوتيلي لا يحتفل بل يُفسّر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وقبل بالوتيلي بأعوام، كان فابريتسيو رافانيلي يؤسس تقليداً احتفالياً مغايراً حين كان يسدل قميصه فوق رأسه ليُغطي وجهه، محوّلاً ظهور صدره الأبيض إلى علامة مرئية صارخة، وظل رافانيلي من أشد المعارضين للقرار الفيفاوي بمعاقبة اللاعبين على خلع القميص، مؤكداً أن التعبير الجسدي في لحظة الهدف لا ينبغي أن يخضع لاشتراطات البيروقراطية الرياضية.

ميسي والبيرنابيو

الـ 23 من أبريل (نيسان) 2017، عقارب المباراة تجاوزت الـ 90، وملعب سانتياغو برنابيو يحبس أنفاسه، وتشير النتيجة إلى تعادل مثير بين برشلونة وريال مدريد (2-2)، وكل شيء يوحي بأن الكلاسيكو يتجه إلى نهايته من دون بطل، لكن في الثانية الأخيرة تقريباً، انطلق جوردي ألبا على الجهة اليسرى وأرسل كرة خلفية كأنها كُتبت لرجل واحد، وهناك كان ليونيل ميسي، لم يتردد ولم ينظر كثيراً، اكتفى بلمسة قاتلة أودع بها الكرة الشباك، فأسقط البرنابيو في صمت ثقيل وأشعل فرحة جنونية في الجانب الكتالوني، ولم يكن هدفاً عادياً في مباراة عادية، بل كان الهدف رقم (500) لميسي بقميص برشلونة، هدفاً جمع بين المجد الشخصي والانتصار على الغريم التاريخي في قلب معقله، ليصبح واحدة من أكثر اللحظات رسوخاً في ذاكرة الكلاسيكو.

 

 

لم يركض ميسي ولم يصرخ، بل خلع قميصه بهدوء مدروس ومدّه أمامه بذراعين مفرودتين، واجهاً ظهر القميص حيث يلمع اسمه ورقمه نحو جمهور البيرنابيو المذهول، والوقفة لم تدم أكثر من ثوانٍ لكنها كانت كافية.

لا صراخ، لا استفزاز صريح، فقط صمت مشحون بمعنى أعمق: "هنا أنا" في بيتكم، بعد 200 هدف، واسمي لا يزال يؤلمكم، لينال البطاقة الصفراء ثمناً لذلك.

وما يجعل هذا الاحتفال في مكانة خاصة أنه لم يكن موجهاً للجمهور البرشلوني المبتهج خلف الكاميرات، بل كان موجهاً للجمهور المعادي أمامه مباشرة، وهذا نادر في احتفالات الملاعب: أن يكون الاحتفال خطاباً للخصم لا للحليف.

النسر الألباني

في الـ 22 من يونيو (حزيران) 2018، وعلى ملعب كالينينغراد في مدينة كالينينغراد الروسية، التقت سويسرا وصربيا في واحدة من أكثر مباريات دور المجموعات في كأس العالم إثارة وحساسية، ولم تكن المواجهة مجرد مباراة كرة قدم، بل حملت في طياتها تاريخاً سياسياً معقداً يمتد لعقود في منطقة البلقان، فقد لعب في صفوف المنتخب السويسري غرانيت تشاكا وشيردان شاكيري، وهما ابنا عائلتين تنحدران من أصول ألبانية كوسوفية، تشاكا وُلد في سويسرا، لكن والده راغيب أمضى أكثر من ثلاثة أعوام في سجون يوغوسلافيا السابقة بسبب نشاطه السياسي الداعم لحقوق الألبان في كوسوفو، أما شاكيري فولد في مدينة غيلان الكوسوفية قبل أن تهاجر أسرته إلى سويسرا وهو في الرابعة من عمره، وتبقى كوسوفو، التي أعلنت استقلالها عن صربيا عام 2008، قضية شديدة الحساسية، إذ لا تزال بلغراد ترفض الاعتراف بهذا الاستقلال.

 

 

وعندما سجل تشاكا هدف التعادل لسويسرا في الدقيقة الـ 52، احتفل بضم يديه على شكل نسر ذي رأسين، وهو الرمز الموجود على العلم الألباني، وفي الدقيقة الـ 90 خطف شاكيري هدف الفوز وكرر الإشارة نفسها، ولاحقاً انضم إليهما قائد المنتخب السويسري ستيفان ليختشتاينر في الاحتفال ذاته.

أشعلت هذه اللقطات جدلاً واسعاً تجاوز حدود كرة القدم، ففي صربيا اعتُبرت الإشارة رسالة سياسية مرتبطة بقضية كوسوفو، بينما رأى فيها كثيرون تعبيراً عن الهوية والانتماء الثقافي للاعبين.

وعلى إثر ذلك فرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) غرامة مقدارها 10 آلاف فرنك سويسري على كل من تشاكا وشاكيري، بسبب ما اعتبره سلوكاً غير رياضي يحمل دلالات سياسية، وفي المقابل، فرض غرامة أكبر على الاتحاد الصربي بلغت 54 ألف فرنك سويسري بسبب تصرفات بعض جماهيره، ومنها رفع لافتات مسيئة ورمي أغراض داخل الملعب.

تحولت تلك المباراة إلى مثال واضح على الكيفية التي تتقاطع فيها كرة القدم مع التاريخ والهوية والسياسة، ففي لحظة احتفال لم تستغرق سوى ثوانٍ، خرجت إلى السطح ذاكرة نزاعات قديمة وحدود لا تزال موضع خلاف، لتذكّر العالم بأن بعض الأهداف لا تُسجل في مرمى المنافس فقط، بل في قلب قصة أكبر بكثير من المباراة نفسها.

 

 

رونالدو والسيو

ثمة احتفالات لا تنبثق من لحظة واحدة، بل تتراكم ببطء حتى تُصبح هوية، وكريستيانو رونالدو وحركته "سيو" نموذج على ذلك، فالقفزة المحسوبة والدوران في الهواء والنزول بقدمين متباعدتين وصدر منتفخ وصرخة "سيو" المدوية، ليس احتفالاً بهدف بعينه، بل طقس شخصي يعيد رونالدو تأديته في كل مرة وكل ملعب وكل قارة، والصوت وحده أصبح نشيداً تردده الجماهير قبل أن يردده اللاعب.

يختلف رونالدو عن معظم أصحاب الاحتفالات الشهيرة في كون احتفاله لم يولد من صدمة لحظية أو مشاعر شخصية طارئة، بل بُني بوعي متراكم على مدى أعوام حتى أصبح علامة تجارية أكثر ثباتاً من كثير من شعارات الشركات الكبرى، فالاحتفال هنا ليس رداً على شيء، بل هو التأكيد الدوري على وجود.

الدقائق القاتلة

في الـ 16 من مايو (أيار) 2012، أحرز سيرجيو أغيرو هدفاً في الدقيقة الـ 94 أعطى مانشستر سيتي أول لقب في الدوري الإنجليزي منذ 44 عاماً، وما تلا ذلك من احتفال كان أقرب إلى الانهيار الرياضي منه إلى الفرح المسيطر عليه: فركضة كادت تُوقعه من فرط الانبعاث، وصرخة المعلق مارتن تايلر التي أصبحت هي الأخرى جزءاً من ذاكرة الكرة الإنجليزية.

الاحتفال في الدقائق القاتلة فئة مختلفة جوهرياً، فلا وقت فيه للتخطيط ولا مجال للحركة المدروسة، والجسد يتصرف قبل أن يستدعي العقل أوامره، وهذا ما يجعل مشاهد تلك الاحتفالات الأكثر صدقاً وتأثيراً في الذاكرة الجمعية: لأنك لا ترى فيها لاعباً يؤدي دوراً، بل إنساناً تفاجأه الفرح قبل أن يتمكن من إخفائه.

يكشف مسار هذه الاحتفالات عبر السنين أن العلاقة بين اللاعب والهدف تحوّلت تحولاً جذرياً، فخلال العقود الأولى من تاريخ الكرة، كان الهدف غاية تامة بنفسها، ثم جاء ميلا فجعل منه مقدمة لخطاب الجسد، ثم جاء بيبيتو فحمّله حنين الأبوة، ثم جاء بالوتيلي فجعل منه منبراً للسخرية الذاتية، ومن ثم جاء ميسي فحوّله إلى صمت أبلغ من أي صراخ، وجاء تشاكا وشاكيري فحمّلاه ثقل التاريخ والنزاع والهوية المجروحة.

كرة القدم تتيح هذا كله، لأنها اللغة الأوسع انتشاراً بين البشر، وحين يسجل لاعب هدفاً أمام مئات الملايين، تصبح حركته في تلك الثواني القليلة أشد تأثيراً من أي بيان رسمي أو خطاب سياسي.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة