Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما بعد بوتين

أزمة انتقال السلطة المقبلة في روسيا

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يتحدث في الكرملين بموسكو، يوليو (تموز) 2026 (صوفيا ساندورسكايا/ رويترز)

ملخص

تواجه روسيا خطر أزمة خلافة مع غياب خطة واضحة لما بعد بوتين، فيما تحتفظ نخبة مسنة ومقربة منه بالسيطرة على المؤسسات التي ستحدد هوية الزعيم المقبل ومسار انتقال السلطة. تعطيل التجدد بين الأجيال داخل النظام أدى إلى تهميش قادة أصغر سناً وتراكم صراعات مؤجلة، مما قد يجعل رحيل بوتين مدخلاً إلى تنافس حاد وفوضى داخل النخبة بدلاً من انتقال منظم للحكم.

يخيم على روسيا شبح... شبح انتقال السلطة. فقد بنى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، البالغ من العمر 73 سنة، نظام حكم قوي يتمحور حول شخصه، لكنه لم يضع أي خطة حقيقية لما سيأتي بعده. وسيغادر بوتين منصبه في نهاية المطاف، سواء بالموت أو المرض أو حتى بالتنحي، على رغم أن كل المؤشرات توحي بعكس ذلك. أما ما سيحدث بعد رحيله، فلا يزال غامضاً. فقد تشهد روسيا انتقالاً متعجلاً للسلطة، أو صراعاً فوضوياً عليها بين نخب حرمت طويلاً من بلوغ أعلى المناصب السياسية، أو استمراراً للتدهور في ظل حكم نخبة مسنة تدير البلاد حالياً إلى جانب الديكتاتور الروسي.

لذلك، لا تقتصر مسألة انتقال السلطة في روسيا على بوتين نفسه، بل تتعلق أيضاً برحيل جيل كامل من النخب المحيطة بالحاكم الروسي المستبد، التي لا تزال تستأثر بمعظم المناصب العليا في الدولة. وكثير من الشخصيات القريبة من دوائر السلطة بما يكفي للتأثير في اختيار الزعيم المقبل هي في عمر بوتين نفسه. ويكتسب خروج هؤلاء من المشهد السياسي أهمية خاصة، لأنهم ما زالوا يسيطرون بصورة غير متناسبة على المؤسسات التي تحدد من ستكون له الكلمة عندما يحين انتقال السلطة.

ساعدت شبكة بوتين المترابطة من الحلفاء على ترسيخ سلطته والحفاظ على استقرار النظام. لكن النظام نفسه، الذي أبقى هؤلاء الحلفاء الموثوقين في مواقعهم، حرم الأجيال التالية من فرصة المشاركة السياسية على أعلى المستويات، وكسب ثقة أصحاب النفوذ الآخرين، واكتساب الخبرة القيادية اللازمة للحكم بفاعلية في المستقبل. ومن خلال تعطيل التعاقب الطبيعي بين الأجيال، راكم نظام بوتين عوائق أمام صعود جيل جديد إلى حد قد يسمح لأجيال أصغر سناً بكثير، بمن فيهم أقارب أفراد النخبة الحالية في دائرته الداخلية، بتجاوز مسؤولين في الخمسينيات والستينيات من العمر يرون أنفسهم الورثة الطبيعيين للحاكم المستبد. ومع تقدم بوتين وكبار النخبة الروسية في السن معاً، لا شيء يضمن قدرتهم على إدارة انتقال السلطة أو الحيلولة دون تحول طموحات زملائهم الأصغر سناً، المؤجلة منذ وقت طويل، إلى صراع داخلي.

ستجري عملية انتقال السلطة في روسيا ضمن الإطار الدستوري الديمقراطي القائم رسمياً في البلاد، والذي يفرض إجراء انتخابات انتقالية خلال ثلاثة أشهر من مغادرة الرئيس منصبه. لكن الدستور لا يحدد من سيتمكن من تهيئة نفسه للفوز في تلك الانتخابات، ولا من سيبرز في نهاية المطاف زعيماً جديداً لروسيا. وكما حدث خلال انتقال السلطة في الاتحاد السوفياتي بعد وفاة جوزيف ستالين، فإن قرارات وصفقات دائرة صغيرة من المقربين من مركز السلطة هي التي ستحدد من سيتولى الحكم.

أما ما يميز الوضع اليوم، فهو أن كثيراً من أقطاب النفوذ والمتنافسين على القيادة أكبر سناً بكثير من المرشحين الذين تنافسوا على خلافة ستالين، مما يثير الشكوك في امتلاكهم ما يكفي من الطاقة وصفاء الذهن لإدارة مرحلة خلافة قد يحتدم فيها الصراع على السلطة. وإذا ظل حلفاء بوتين المسنون في مواقعهم حتى مغادرته الرئاسة، فسيكونون قد أضاعوا فرصة إعداد جيل جديد من النخب وضمان انتقال سلمي للسلطة، تماماً كما أضاع بوتين فرصة إعداد خليفة له.

وصفة لانتقال السلطة

أحجم بوتين باستمرار عن تسمية خليفة له أو وضع آلية مؤسسية واضحة لاختياره. فحزب "روسيا الموحدة"، الحاكم اسمياً، لم ينشأ أصلاً لاختيار وريث، بل لضمان أن تفرز الانتخابات شخصيات مضمونة الولاء للنظام لا يتعدى دورها شغل المقاعد في مؤسسات مثل البرلمان. كذلك لا ينص الدستور الروسي على منصب نائب للرئيس، مما يجنب الزعيم الاضطرار إلى تسمية شخص بعينه لخلافته.

وبحسب الدستور، يتولى رئيس الوزراء مهام الرئيس بالإنابة إذا شغر المنصب، إلى حين إجراء انتخابات. غير أن بوتين حرص على اختيار رؤساء وزراء لا يملكون قاعدة نفوذ قوية ولا يستطيعون أن يطغوا عليه، مما جعلهم أيضاً بعيدين من أن يكونوا خلفاء طبيعيين له. فرئيس الوزراء الحالي ميخائيل ميشوستين، على سبيل المثال، لا يملك شبكة خاصة من الأنصار الموالين، ولذلك سيجد صعوبة، إذا تولى الرئاسة بالإنابة، في استثمار هذا المنصب للفوز في الانتخابات الرئاسية.

أما تجربة بوتين الوحيدة مع احتمال انتقال السلطة، فكانت عندما دعم ديمتري ميدفيديف لتولي الرئاسة، لكنها انتهت هي الأخرى بتأكيد أن سلطة بوتين لا ينازعها أحد. ففي عام 2008، وبعدما بلغ الحد الدستوري المسموح به آنذاك، وهو ولايتان رئاسيتان متتاليتان، دعم ميدفيديف مرشحاً للرئاسة، فيما انتقل هو إلى رئاسة الوزراء. وكان يمكن لهذه الخطوة أن تكون اختباراً لانتقال أكثر ديمومة للسلطة، لكن بوتين احتفظ بنفوذ واسع طوال ولاية ميدفيديف، ثم أعلن عام 2011 عودته إلى الرئاسة، قبل انتهاء ولاية ميدفيديف البالغة أربعة أعوام. وعرفت هذه الخطوة في روسيا باسم "التبييت"، في إشارة إلى حركة في الشطرنج يتحرك فيها الملك والقلعة بحيث يتجاوز أحدهما الآخر، ومنذ ذلك الحين أخذ الكرملين يهمش ميدفيديف بصورة تدريجية.

بوتين محاط بحلفاء متقدمين في السن

 

وليس سعي بوتين، مهما كلف الأمر، إلى تجنب وضع خطط واضحة للخلافة أمراً محتوماً. فقد أنشأت دول كثيرة أخرى في فضاء ما بعد الاتحاد السوفياتي، تقوم أنظمتها على شخص الحاكم، آليات مؤسسية لاختيار حكام جدد، أو أوضحت بجلاء من يتوقع أن يتولى السلطة بعد رحيل الزعيم الحالي. ففي أذربيجان، على سبيل المثال، اختار الرئيس السابق حيدر علييف نظاماً للخلافة الوراثية بحكم الأمر الواقع، إذ خلفه ابنه إلهام علييف عام 2003. ومنذ ذلك الحين، أسند إلهام إلى زوجته مهريبان أدواراً بارزة، من بينها منصب النائب الأول للرئيس، مما يجعلها الخليفة المباشر للرئيس، وهيأ أبناءهما الثلاثة ليكونوا ورثة محتملين لأعلى منصب في الدولة، وذلك بإلغاء شرط السن للرئاسة ومنحهم أدواراً عامة بارزة في السياسة والعمل الخيري والثقافة. أما في كازاخستان، فقد رتب الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف عام 2019 انتقالاً محكماً للسلطة، إذ سلم الرئاسة إلى رئيس مجلس الشيوخ، فيما احتفظ برئاسة مجلس الأمن في البلاد.

لكن بوتين لم يرسل أي إشارات من هذا القبيل. وبدلاً من ذلك، اختار البقاء متربعاً على السلطة لأطول فترة ممكنة، محاطاً بحلفاء متقدمين في السن وراسخين هم أيضاً في مناصبهم. وتضم نخبة جيل بوتين من السبعينيين رئيس جهاز الأمن ألكسندر بورتنيكوف، 74 سنة، ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية سيرغي ناريشكين، 71 سنة، ورئيس هيئة التحقيق ألكسندر باستريكين، 72 سنة، وقائد الحرس الوطني فيكتور زولوتوف، 72 سنة، ورئيس مجلس الأمن سيرغي شويغو، 71 سنة، ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش فاليري غيراسيموف، 70 سنة. كما أن مساعدين آخرين ورجال أعمال مقربين من بوتين ينتمون إلى الفئة العمرية نفسها تقريباً.

ويفعل بوتين ذلك لأنه يعتمد على هذه الروابط الشخصية الوثيقة للحفاظ على سيطرته على النظام السياسي. فهو يثق بحلفائه في معالجة المشكلات بطرق مألوفة له، بما في ذلك استخدام القوة الصلبة للتخلص من أي شخص قد يتحدى سلطته. فعندما تمرد قائد المرتزقة يفغيني بريغوجين على بوتين عام 2023، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن رئيس مجلس الأمن آنذاك نيكولاي باتروشيف، البالغ 75 سنة، دبر تحطم الطائرة الذي أودى بحياة قائد التمرد. كذلك وفر بوتين الحماية لحلفائه المباشرين، من دون أن يمد المظلة نفسها إلى مرؤوسيه الأصغر سناً. وحتى عندما نفذ حملة تطهير في وزارة الدفاع الروسية بسبب الفساد، شملت جزءاً كبيراً من شبكة شويغو الشخصية، نقل شويغو إلى منصب مهم في مجلس الأمن بدلاً من تجريده من سلطته.

دائرة الاختيار في عهد ستالين

ليست هذه المرة الأولى التي تواجه فيها روسيا أزمة خلافة. ففي خمسينيات القرن الماضي، واجه الاتحاد السوفياتي صعوبات بعد وفاة ستالين من دون وجود زعيم واضح يخلفه. وعلى رغم أن روسيا اليوم تختلف اختلافاً جذرياً عن دولة الحزب السوفياتية المهيمنة في عهد ستالين، فإن ما ينتظرها يحمل أصداء مهمة من تلك الحقبة. وكما حدث آنذاك، يرجح أن يكون لـ"دائرة الاختيار" في النظام دور محوري، أي الحلقة الداخلية الصغيرة التي يشغل أعضاؤها مناصب مركزية في الدولة، ويمكنهم التنافس على السلطة والتأثير في اختيار الزعيم المقبل.

وتظل كيفية بروز هذه النخب وتنسيقها في ما بينها وصراعها بالغة الأهمية لمسألة الخلافة اليوم. وعلى رغم وجود مسار دستوري رسمي لانتقال فوري وموقت للسلطة، فإن هذه القواعد لا تنظم سوى عملية الانتقال، ولا تحدد من سيتولى الحكم. فأفراد "دائرة الاختيار" هم أصحاب الدور الحاسم.

عندما توفي ستالين عام 1953، كان رئيس مجلس الوزراء (وهو منصب يشبه منصب رئيس الوزراء اليوم) جورجي مالينكوف، الخلف المعين رسمياً. لكن مالينكوف كان يفتقر إلى قاعدة نفوذ قوية، ولم يدم طويلاً تفرده بحكم الاتحاد السوفياتي، إذ سرعان ما انتهى به الأمر ضمن ثلاثي حاكم بحكم الأمر الواقع، إلى جانب رئيس جهاز الاستخبارات ووزير الداخلية لافرينتي بيريا ووزير الخارجية فياتشيسلاف مولوتوف. وانضمت ثلاث شخصيات مهمة أخرى إلى "دائرة الاختيار": سكرتير الحزب الشيوعي نيكيتا خروتشوف، ورئيس هيئة الرئاسة (وهو منصب كان يعادل منصب رئيس الدولة في الاتحاد السوفياتي) كليمنت فوروشيلوف، ونائب وزير الدفاع وبطل الحرب جورجي جوكوف. فقد جعلت سيطرتهم على مؤسسات رئيسة تجاهلهم أمراً مستحيلاً. واحتدم الصراع الداخلي. وفي غضون أربعة أشهر، اعتقل بقية أعضاء "دائرة الاختيار" بيريا أثناء اجتماع للجنة، خشية أن يشكل تهديداً، ثم أعدموه لاحقاً.

وراكم خروتشوف نفوذه تدريجاً من خلال سيطرته على قوائم عضوية الحزب، مما أتاح له ملء مجالس الحزب بالموالين، ثم السيطرة على الأجندة السياسية والتفوق على منافسيه داخل الجهاز الحزبي البيروقراطي الضخم للاتحاد السوفياتي. لكن توطيد السلطة استغرق وقتاً، ولذلك اضطر خروتشوف إلى تقاسمها مع مولوتوف ومالينكوف وغيرهما لأعوام. ولم يتمكن إلا في عام 1957 من توظيف سيطرته على اللجان التابعة وهيئات المجالس للاستحواذ الكامل على السلطة وتولي قيادة الاتحاد السوفياتي. ورسخ انتصار خروتشوف تفوق قادة الحزب على الشخصيات الأخرى في الدولة، وعزز سلطته ومنحه السيطرة على النظام.

وهكذا، أفضت وفاة ستالين إلى صراع على السلطة استمر أعواماً بين شخصيات تشغل مناصب عليا. وكانت هذه الشخصيات تستمد نفوذاً غير رسمي من شبكاتها داخل النظام الستاليني وقربها من ستالين نفسه، وامتلكت سلطة ونفوذاً رسميين بحكم وجودها على رأس مؤسسات تتمتع بمكانة دستورية خاصة. وعلى رغم أن كثراً سعوا إلى الصعود خلال أعوام الخلافة التي خيم عليها عدم اليقين، فإن مجموعة محدودة فقط من كبار النخب السياسية امتلكت الروابط غير الرسمية والسلطة الرسمية اللازمتين للانضمام إلى "دائرة الاختيار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تعطل التدرج الطبيعي

في الصراع على السلطة الذي أعقب وفاة ستالين، شكل النظام الدستوري الرسمي الإطار الذي تحركت ضمنه سياسات القوة غير الرسمية. ويرجح أن يتكرر الأمر نفسه عند خلافة بوتين. ويُرجح أن تكون شخصيات شبيهة بمن تنافسوا على السلطة بعد وفاة ستالين هي الأطراف الرئيسة خلال الفترة الفاصلة بين خروج بوتين من المشهد السياسي والانتخابات الرسمية اللاحقة، التي ستتوج شخصاً جديداً على رأس السلطة التنفيذية. وهؤلاء اللاعبون في موازين القوة هم من يجمعون بين السلطة المؤسسية والشبكات الشخصية القوية، وليس من يمتلك إحداهما فحسب.

وقائمة الشخصيات السياسية التي تجمع بين القوة والسلطة اللازمتين للانضمام إلى "دائرة الاختيار" بعد بوتين قصيرة. وهي تشمل رئيسي مجلسي البرلمان، ورئيس الوزراء، ورئيس الإدارة الرئاسية، الذي يعادل رئيس ديوان بوتين، وأميني مجلس الدولة ومجلس الأمن، ورئيس جهاز الأمن المعروف باسم "أف أس بي" FSB، ووزير الدفاع، إضافة، وإن كان ذلك أقل احتمالاً، إلى شخصيات أخرى، من بينها وزير المالية ورئيس المحكمة الدستورية.

وستتحدد المفاوضات الرامية إلى اختيار خليفة لبوتين وفق هوية الأشخاص الذين يشغلون هذه المواقع المؤسسية الحاسمة عندما تصبح مسألة الخلافة مطروحة فعلياً. ومن الصعب التنبؤ بمن سيدخل المنافسة تحديداً ومن سيلتزم الصمت إلى أن يغادر بوتين منصبه، لكن قرارات التعيين التي تُتخذ قبل ذلك بوقت طويل هي التي ستحدد من يمكنه أصلاً دخول المنافسة. ولأن حلفاء بوتين المسنين لا يزالون يشغلون هذه المواقع اليوم، فإنهم يشكلون بالفعل مسار الخلافة بإقصاء المنافسين المستقبليين، وقد يظلون هم أنفسهم في السلطة عندما يحين موعد الانتقال.

ومع ذلك، ستكون الأفضلية للأصغر سناً نسبياً، ممن يحركهم احتمال أن يصبحوا الزعيم المقبل أكثر من مجرد الرغبة في الاحتفاظ بامتيازاتهم الحالية. وتتداول أوساط الصحافيين الروس حالياً شائعة مفادها أن أليكسي ديومين، أمين مجلس الدولة البالغ 53 سنة والحارس الشخصي السابق لبوتين، قد يكون خليفة محتملاً. وقد يكون رئيس البرلمان فياتشيسلاف فولودين، 62 سنة، مرشحاً أيضاً، وكذلك ميشوستين، 60 سنة. وينطبق الأمر نفسه على سيرغي كيرينكو، 64 سنة، النائب الأول لرئيس الإدارة الرئاسية وأحد مستشاري بوتين للسياسة الداخلية، والذي يعتقد أن لديه شبكة واسعة من العلاقات.

لكن بعد هذه الأسماء، يصبح أعضاء "دائرة الاختيار" المحتملون أكبر سناً بكثير. فالجمود المستمر في قمة نظام بوتين شوه مسارات التدرج الطبيعي في مستوياته الأدنى. ومع انسداد سبل التقدم، دفع جيل من القادة المحتملين في الخمسينيات والستينيات من العمر إلى مناصب نواب، أو أبعدوا إلى مناصب أقل نفوذاً كحكام للأقاليم، أو ظلوا عالقين في وزارات بعيدة من مراكز السلطة. ويتكرر نمط مشابه في الجيش الروسي، إذ إن مسؤولي هيئة الأركان العامة الذين يديرون المجهود الحربي متقدمون في السن ويحمون من الإحالة إلى التقاعد، فيما كثير من قادة مسارح العمليات على الأرض أصغر سناً بكثير.

وبلغ تأخر التدرج الطبيعي حداً بات معه أبناء النخب الروسية المسنة يشغلون مناصب بيروقراطية أدنى من مناصب آبائهم، متجاوزين جيلاً وسيطاً. فعلى سبيل المثال، تولى نجل مساعد الرئيس نيكولاي باتروشيف، ونجل المصرفي الملياردير يوري كوفالتشوك، وأحد أبناء عمومة بوتين الأصغر سناً، مناصب وزراء أو نواب رؤساء، وقفزوا بسرعة صاروخية إلى مواقع نافذة من دون قدر كبير من الإعداد المسبق. ويؤدي ذلك إلى توترات داخل الطبقة السياسية الروسية، وقد يزيد السخط الداخلي نتيجة تجاوز مسؤولين راسخين في الترقيات. وكل عام يبقي فيه بوتين نخبة ضيقة من المسنين على رأس أقوى مؤسسات روسيا، تزداد احتمالات نشوب صراع بين الأجيال.

الشباب المتململ

وتعد الطريقة التي تتيح بها الدولة للأجيال الصاعدة الارتقاء في السلم السياسي عاملاً حاسماً في ضمان استقرار النظام. فالتغيير التدريجي في شاغلي أعلى المناصب يمنح أكثر النخب الصاعدة طموحاً حافزاً للاستثمار في النظام، وإقامة صداقات وتحالفات مع المقربين القدامى من دوائر السلطة، وكسب الثقة داخل دائرة المؤثرين في صنع القرار. لكن إذا استمر إبقاء المسؤولين الأصغر سناً على الهامش، فقد يصبح النظام غير قابل للاستمرار. وسيزداد الحرس القديم هرماً ووهناً، مما سيؤدي، بصورة أو بأخرى، إلى موجة من الشواغر.

وعندما تقع هذه التحولات غير المخطط لها والمفاجئة نسبياً، فإنها سترفع إلى مواقع المسؤولية أشخاصاً لم يسبق لهم التعامل مع أصحاب السلطة الحاليين، ولا تجمعهم بهم ثقة متبادلة تُذكر، وستكون قبضتهم على المؤسسات التي يُفترض أن يسيطروا عليها هشة. وسيُدفع إلى هذه المواقع مرؤوسون عُرقل تقدمهم طويلاً ويفتقرون إلى الخبرة في الحكم، أو قد يشعل الشغور المفاجئ تدافعاً بين شخصيات ناقمة من داخل النظام، يسعى كل منها إلى إزاحة الآخر بالقوة. وهذه وصفة لفوضى محتملة، وقد تقود إلى زلات خطرة خلال الخطوات الدقيقة اللازمة لتنسيق انتقال القيادة.

وبعبارة أخرى، كلما طال بقاء النخب الروسية المسنة الممسكة بالحكم على رأس مؤسسات تتمتع بالشرعية السياسية وموقع محوري في النظام الدستوري، وبالقدرة على الوصول إلى الموارد والموالين، تضاءلت احتمالات انتقال منظم للسلطة إلى الرئيس المقبل. وأولئك الذين يعتقدون أنهم في موقع الصدارة لإدارة مستقبل ما بعد بوتين سيواجهون ضغطاً من آخرين طال انتظارهم أكثر مما ينبغي على هامش المشهد، من دون أن يكتسبوا فعلياً المهارات اللازمة لحكم البلاد.

وحتى إذا ظل بوتين بصحة جيدة، فإن كل تغيير محتمل في أحد المناصب داخل دائرته المقربة سيجتذب عدداً كبيراً من المتنافسين على منصب واحد مرغوب داخل "دائرة الاختيار" المحتملة. ومع جيل شوهته خيبة الأمل والإحباط، يتزايد الضغط لاستغلال أي فرصة سانحة. وبدلاً من الوضوح والاستقرار، سيعكس مستقبل السياسة الروسية عواقب النظام الذي بناه بوتين ويبدو عصياً على الزوال.

 

مترجم عن "فورين أفيرز" 7 أغسطس (آب) 2026

جوليان ج. والر باحث في برنامج الدراسات الروسية بمركز التحليلات البحرية، ومحاضر في العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء