Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرقم الذي صار أسطورة

ارتداه عظماء اللعبة من بيليه ومارادونا إلى زيدان ورونالدينيو وميسي

مارادونا محتفلاً (مواقع التواصل)

ملخص

لهذا ارتبط الرقم عبر التاريخ بفكرة الإبداع أكثر من ارتباطه بالقوة، فالإبداع في جوهره ليس تنفيذ ما هو متوقع، بل اكتشاف ما لم يره الآخرون، وصاحب الرقم 10 كان دائماً ذلك الشخص الذي يفتح باباً ظن الجميع أنه مغلق.

ثمة أرقام كثيرة في كرة القدم، لكن الرقم 10 لم يكن يوماً مجرد رقم، كان فكرة كاملة عن اللعبة، في عالم يتوزع فيه اللاعبون على مساحات واسعة من الملعب، ويؤدي كل منهم وظيفة محددة، ظهر صاحب الرقم 10 باعتباره نقطة الالتقاء.

اللاعب الذي تمر عبره الخيوط كلها، ليس الأسرع بالضرورة، ولا الأقوى بدنياً، ولا حتى الهداف الأول دائماً، لكنه اللاعب الذي يمنح الحركة معناها، كأن الفريق يتحدث من خلال قدميه.

كثيراً ما بدا كأنه يعيش المباراة بطريقة مختلفة عن الآخرين، بينما ينشغل المدافع بوقف الخصم، والمهاجم بالوصول إلى المرمى، يكون هو منشغلاً بشيء آخر: رؤية ما لم يحدث بعد، إنه اللاعب الذي يحاول استباق المستقبل لثوانٍ قليلة، وهي ثوانٍ تكفي أحياناً لصناعة هدف أو تغيير مصير مباراة كاملة.

ولهذا ارتبط الرقم عبر التاريخ بفكرة الإبداع أكثر من ارتباطه بالقوة، فالإبداع في جوهره ليس تنفيذ ما هو متوقع، بل اكتشاف ما لم يره الآخرون، وصاحب الرقم 10 كان دائماً ذلك الشخص الذي يفتح باباً ظن الجميع أنه مغلق.

في كثير من الأحيان، بدت كرة القدم وكأنها صراع بين النظام والفوضى، 11 لاعباً يتحركون وفق تعليمات دقيقة، لكن المباراة لا تُحسم دائماً بالتنظيم وحده، هناك لحظات تحتاج إلى شخص يكسر القاعدة ويقترح حلاً لم يكن موجوداً في الخطة الأصلية، هنا يظهر صاحب الرقم 10، إنه المساحة التي تسمح بها اللعبة للمخيلة داخل عالم تحكمه القواعد.

ولعل هذا ما جعل الجماهير تتعلق به أكثر من غيره، فالناس لا يذهبون إلى الملاعب لمشاهدة الجهد فقط، بل لمشاهدة المفاجأة أيضاً، يريدون تلك التمريرة التي لم يتوقعها أحد، أو تلك اللمسة التي تغيّر اتجاه المباراة فجأة، كانوا يبحثون عن لحظة الدهشة، وصاحب الرقم 10 كان المورد الأكثر سخاءً لهذه اللحظات.

لذلك لم يصبح الرقم 10 مشهوراً لأن لاعبين عظماء ارتدوه فقط، بل لأن الجماهير رأت فيه صورة اللاعب الذي تتمنى كرة القدم أن تكونه، اللاعب الذي يحول الرياضة من منافسة على النتيجة إلى حكاية تستحق أن تُروى.

البداية

في يونيو (حزيران) 1958، في ملعب روسوندا باستوكهولم، ارتدى مراهق برازيلي يبلغ من العمر 17 سنة قميصاً أزرق كتب عليه رقم بسيط: 10، لم يكن الأمر مُدبراً ولا مُخططاً له، فقد روى بيليه نفسه لاحقاً أن القميص وقع في يده بالصدفة.

 

 

إذ لم يكن أحد يرى في ذلك الرقم ما يستحق التنافس عليه، لكن تلك الليلة، حين سجّل هدفين في نهائي كأس العالم، وحين رفعت البرازيل لأول مرة في تاريخها اللقب الأكبر، تحوّل ذلك القميص من مجرد رقم تعريفي إلى أيقونة، ومن خيط قطن إلى أسطورة.

قبل أن تصبح الأرقام هوية وشعاراً، كانت مجرد أداة إدارية، ففي عام 1928، حين ارتدى لاعبو أرسنال وشيفيلد ونزداي لأول مرة قمصاناً مرقمة في مباراة رسمية، لم يكن الغرض سوى تيسير التعرف إلى اللاعبين من على المدرجات البعيدة.

كانت الأرقام من واحد إلى 11 توزّع وفق تسلسل المراكز على أرض الملعب، من حارس المرمى إلى أقصى الهجوم، الحارس يحمل الواحد، والمدافعون يتوزعون بين الاثنين والخمسة، والهجوم يبدأ من السادس ليصل إلى 11، في هذا النظام الهادئ والوظيفي، كان الرقم 10 يشير عادة إلى لاعب الوسط الهجومي، ذلك الذي يعمل في المساحة بين الوسط والهجوم.

ولم يكن لهذا الرقم يومها بريق خاص، لكن عالم كرة القدم لا يتطور بصمت، فهو يصنع نجومه أولاً، ثم يعود ليمنح أدواتهم قداسة مؤجّلة، ما حدث مع بيليه عام 1958 لم يكن مجرد فوز في بطولة، بل كان المشهد الأول لدراما امتدت عقوداً، دراما كرة قدم تبحث عن قلب تنبض به.

الساحر يرتدي القميص

بين 1958 و1970 حوّل بيليه الرقم 10 من موقع في التشكيلة إلى مفهوم في الذاكرة الجماعية، ثلاثة كؤوس عالمية، وسحر لم يكن الأسود والأبيض يستطيع احتواءه، وتلفزيون بدأ لأول مرة يحمل الصورة الملوّنة إلى بيوت الناس عام 1970، حين كانت البرازيل ترقص في المكسيك بلعب لم يكن يشبه أي شيء شُوهد من قبل، في تلك اللحظة، لم يعد الرقم 10 رقماً يُوزَّع، بل صار لقباً يُكتسب، وإرثاً يُنقل بحذر، ومن ثم جاء دييغو أرماندو مارادونا في الثمانينيات ليُحكم الختم على هذه الأسطورة، في الأرجنتين، كانت تُسمّى هذه المهمة بـ"إنغانشي" (enganche) أي "الخطاف"، لأن مهمتها ربط الوسط بالهجوم كالشنكل الذي يعلّق شيئين لا يلتقيان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

حمل مارادونا الرقم 10 لدرجة أن اسمه صار يُكتب أحياناً D1EGO، دمجاً بين الرجل والرقم لا يفصل بينهما، في مونديال 1986 في المكسيك، قدم الأرجنتيني في غضون 10 دقائق هدفي "الإله والشيطان"، فعل ذلك وقميصه يحمل رقم 10، فصارت الأسطورة مُضاعفة.

في إيطاليا كانوا يسمّونه "تريكوارتيستا" (trequartista) أي لاعب الثلاثة أرباع، في فرنسا كان بلاتيني يسكن هذه المساحة بأناقة فيلسوف يؤدي محاضرة، وفي هولندا كان كرويف قد أضاف إليها بُعداً ثالثاً يجمع بين الحرية الفكرية والانضباط الهندسي.

في كل هذه الثقافات المختلفة، الوظيفة واحدة والقيمة واحدة: هذا الرجل هو مفتاح الفريق وعقله المُفكِّر ويده الممتدة نحو الهدف.

 

 

لم يكن الجمهور يحب الرقم عشوائياً، كان يحبه لأنه يجسد ما يتمناه في كرة القدم: الفردية الخلاقة في خدمة الجماعة، والعبقرية التي تحل ما يعجز عنه الجهد الصرف، زين الدين زيدان كان يمشي في الملعب كأنه يتجول في حديقة، ثم يفعل في ثانية ما يُعجز التفسير، رونالدينيو كان يضحك قبل أن يسجل، كأن الأمر لا يستحق كل هذا الجدية، ليونيل ميسي كان يحمل الكرة ويغيب كمن يختبئ خلف الهواء، ثم يظهر فجأة في المكان الغلط لحسابات الخصم.

هؤلاء جميعاً ارتدوا الرقم 10 في وقت من الأوقات، وكلهم أضافوا إلى قدسيته طبقة جديدة، صار الرقم يحمل وزناً نفسياً قبل أن يكون رقماً تكتيكياً، الطفل الذي يبدأ كرة القدم يحلم بالعشرة، لا لأنه يعرف مواصفات الدور، بل لأنه رأى العظماء يرتدونها، والمدرب حين يمنح لاعباً القميص رقم 10، يبعث برسالة لا تحتاج إلى كلام.

هل مات هذ الرقم؟

منذ مطلع الألفية الثالثة، بدأت كرة القدم تُعيد رسم خريطة مراكزها بعنف، الضغط العالي الذي جعله يورغن كلوب فلسفة وبيب غوارديولا نظاماً، ألغى عملياً مفهوم اللاعب الذي يقف وينتظر الكرة في مساحته المفضّلة.

فجأة، صار على كل لاعب أن يجري ويضغط ويستعيد ويهاجم ويدافع، وصار اللاعب الذي لا يسهم في المهام الدفاعية عبئاً تكتيكياً لا يُحتمل.

وجد صانع الألعاب الكلاسيكي نفسه في مأزق وجودي، المساحات التي كان يسكنها باتت مُغلقة بمدافعَي الوسط المزدوج الذي صار عماد غالبية الفرق الكبرى، التشكيلة 4-2-3-1 التي كانت تمنحه دوراً مركزياً، باتت تتحوّل إلى 4-4-2 مُركّب في مرحلة بلا كرة، يملأ فيها اللاعبان الدفاعيان بالضبط المساحة التي كان يشتغل فيها.

 

 

الأشد وضوحاً ما فعله غوارديولا حين نقل ميسي عام 2009 من المحور إلى مركز المهاجم الوهمي (False Nine) ، لم يكن المهاجم الوهمي مجرد مهاجم يهبط عميقاً، بل كان في حقيقته صانع ألعاب يرتدي قناع المهاجم.

لم تعد مهام اللاعب رقم 10 حكراً على لاعب واحد كما في السابق، بل توزّعت على أكثر من مركز، فالأجنحة التي تدخل إلى العمق، مثل نيمار ومحمد صلاح، باتت تجمع بين صناعة الفرص وتسجيل الأهداف، فيما يشارك المهاجم في بناء اللعب وتهيئة الهجمات، وتعتمد الفرق على الحركة الجماعية وتبادل المراكز لا على لمسات صانع ألعاب واحد.

بعض الفرق الكبرى ذهبت إلى أبعد من ذلك وألغت المركز كلياً، منتخب إسبانيا الذي فاز بكأسَي أوروبا 2008 و2012 وكأس العالم 2010 لعب أحياناً من دون مهاجم أصيل من الأساس، فما الحاجة إلى 10 كلاسيكي إذاً؟

الرمز أقوى من الدور

غير أن المفارقة التي تجعل حكاية الرقم 10 جديرة بالرواية حتى اليوم، هي أن هذا الرقم لم يختفِ مع تراجع دوره التكتيكي التقليدي، على العكس، كلما تقلصت وظيفته الكروية الأصلية، ازدادت قيمته الرمزية، لم يعد الرقم 10 مجرد موقع في الملعب، بل أصبح إرثاً ومعنى وتوقعاً يسبق صاحبه.

اللاعب الذي يرتدي هذا القميص يدرك أنه يحمل أكثر من رقم على ظهره، إنه يحمل تاريخاً من الأسماء الكبيرة واللحظات الخالدة، ويحمل أيضاً توقعات الجماهير وذاكرة اللعبة، لذلك، حين يقرر نادٍ منح الرقم 10 لأحد الوافدين الجدد، يتحول الأمر إلى حدث إعلامي ورمزي قبل أن يكون قراراً فنياً، فالحديث لا يكون عن الرقم نفسه، بل عمّن استحق أن يرثه، وما إذا كان قادراً على حمل ما يمثله من ثقل ومكانة.

حين ارتدى كيليان مبابي الرقم 10 مع فرنسا ومن ثم مع ريال مدريد كان يتسلّم تاجاً لا مجرد قميص، كذلك كان الأمر مع مارتن أوديغارد في أرسنال، وبرونو فيرناندس في مانشستر يونايتد.

هؤلاء ليسوا عشرات كلاسيكيين بالمعنى التكتيكي الصارم، لكنهم يحملون صفة صانع اللعب ويؤدّونها بأساليب تناسب كرة القدم الراهنة، من دون أن يتخلوا عن هذا القميص الذي بات أكبر من وظيفته.

حين طُرح قميص بيليه الأزرق رقم 10 في نهائي 1958 للبيع في مزاد سوذبيز في يونيو الجاري، بسعر تجاوز توقعاته 6 ملايين دولار، لم يكن مجرد قطعة قماش تُباع، كانت تذكيراً بأن شيئاً ما في هذا الرقم يتخطى الزمن، يتخطى التكتيكات، ويتخطى حتى اللاعبين أنفسهم، القميص الذي منح بيليه مصادفة بات إرثاً انتقل من مارادونا إلى زيدان، ومن رونالدينيو إلى ميسي، ومن ميسي إلى من يأتي بعده.

ربما تكون كرة القدم الحديثة قد قلصت مساحة الرقم 10 على أرض الملعب، لكن المساحة التي يحتلها في الخيال الجماعي لملايين المحبين لا تزال أوسع من أي دور تكتيكي، الأرقام الأخرى توصف اللاعب، الرقم 10 يُعرّفه، وهذا وحده كافٍ لأن يبقى، حتى في عصر يُفضل المنظومات على الأفراد.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة