Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا نحب كرة القدم؟

بين مباريات تشعل الحروب وأخرى تطفئها ثمة لحظة فريدة لا يعرفها كثيرون تحدثت عنها كرة القدم بلغة السلام

مارادونا يرفع كأس العالم عام 1986 في لحظة خالدة لكل الأرجنتيين (أ ب)

ملخص

تأمّل للحظة صورة دييغو مارادونا وهو يرفع كأس العالم عام 1986 بعد هدف "يد الله"، وستجد في تلك الصورة الواحدة حرب الفوكلاند كاملة، وجراح الأرجنتين المفتوحة، وانتقام شعب بأكمله من خصمه عبر أرضية ملعب.

تبدأ القصة دوماً بصافرة، تلك الصافرة التي لا تُطلق سباقاً رياضياً بقدر ما تفتح باباً واسعاً على الروح البشرية بكل تناقضاتها. كرة القدم ليست كرة تتدحرج على عشب أخضر، بل مرآة كثيفة تعكس أعماق الإنسان، بما تختزنه من أحلام وهواجس، من نشوة وانكسار، ومن كبرياء هش لا يلبث أن يتصدّع أمام الخسارة. منذ أن لعبت إنجلترا أول مباراة دولية عام 1872، والملاعب لا تتوقف عن إنتاج لحظات تتجاوز الرياضة إلى ما هو أعمق منها بكثير.

تأمّل للحظة صورة دييغو مارادونا وهو يرفع كأس العالم عام 1986 بعد هدف "يد الله"، وستجد في تلك الصورة الواحدة حرب الفوكلاند كاملة، وجراح الأرجنتين المفتوحة، وانتقام شعب بأكمله من خصمه عبر أرضية ملعب.

الكرة لم تكن كرة تلك الليلة، بل كانت رسالة سياسية مكتوبة بقدمين وقُرئت بملايين القلوب، ولم تكن تلك المباراة الوحيدة في التاريخ التي حملت هذا الثقل، ففي عام 1969 كانت الأمور أشد وضوحاً وأكثر دموية حين أشعلت مباراة كأس العالم بين السلفادور والهندوراس فتيل ما عُرف بـ"حرب كرة القدم"، إذ تصاعدت التوترات الحدودية بين البلدين لتتحول إلى صراع مسلح راح ضحيته آلاف البشر في غضون أيام.

الكرة هنا لم تكن سبباً للحرب بل كانت الشرارة الأخيرة في برميل بارود كان مليئاً أصلاً.

هدنة عيد الميلاد

وبين مباريات تشعل الحروب وأخرى تطفئها، ثمة لحظة فريدة لا يعرفها كثيرون تحدثت عنها كرة القدم بلغة السلام. في عيد الميلاد عام 1914، وفي قلب الحرب العالمية الأولى، توقف الجنود الألمان والبريطانيون عن إطلاق النار على طول خطوط الخنادق في بلجيكا، ونزلوا إلى الأرض الوسطى ليلعبوا كرة القدم معاً.

لم يصدر أمر من قيادة عسكرية، ولم تُعقد مفاوضات دبلوماسية، بل كانت مجرد كرة متدحرجة بين بشر تعبوا من قتل بعضهم. هذا الحدث الذي وصفه المؤرخون بـ"هدنة عيد الميلاد" يبقى واحداً من أكثر مشاهد القرن الـ20 إنسانية، ولا يزال يُدرَّس في أعرق جامعات التاريخ.

 

 

ما يجعل هذه اللعبة ظاهرة إنسانية استثنائية هو قدرتها الفريدة على استيعاب المتضادات في آنٍ، ففي اللحظة ذاتها التي يذرف فيها لاعب دموع الفرح، يسقط خصمه منهكاً تحت ثقل الحزن.

في المدرج الواحد، يجلس متعلم وأمي، غني وفقير، متدين وعلماني، كلهم يصرخون بصوت واحد لأن شيئاً أعمق من الطبقية والأيديولوجيا يجمعهم. أثبتت الأبحاث الأنثروبولوجية أن كرة القدم تُفعّل في الجماهير ما يسميه علماء الاجتماع "التوحد العاطفي الجماعي" (Collective Effervescence)، وهو المفهوم الذي وضعه إميل دوركهايم لوصف اللحظات التي تذوب فيها الحدود الفردية داخل وعي جماعي مشترك.

الأيديولوجية

لكن هذا الجانب المضيء له ظله الكثيف. القوة التي تجمع تلك الجموع هي ذاتها التي يستغلها الطغاة والأنظمة، لم يكن موسوليني يخفي نواياه حين احتضنت إيطاليا كأس العالم عام 1934، إذ سخّر كل تفصيلة في البطولة دعاية فاشية صريحة لتلميع صورة نظامه أمام العالم.

وقبله بأعوام أقام هتلر أولمبياد 1936 في برلين بوصفه مسرحاً دعائياً للأيديولوجيا النازية، قبل أن يأتي العدّاء الأميركي الأسود جيسي أوينز ليكسر الأسطورة الآرية بأربع ميداليات ذهبية أمام عيني الفوهرر في عقر داره، ليقوّض عملياً أسطورة التفوق العرقي أمام أنظار العالم، وفي قلب العاصمة الألمانية نفسها.

الرياضة في تلك اللحظة لم تكن مجرد منافسة، بل كانت حجة أنثروبولوجية دامغة ضد العنصرية.

والملاعب اليوم لم تتخلَّ عن هذا الدور. باتت المدرجات منبراً سياسياً لا يخضع لرقابة أو تحرير، وهذا ما يجعلها مخيفة في نظر بعض الحكومات ومحبوبة في نظر الشعوب، حين تجتمع عشرات الآلاف في ملعب واحد تنبثق من بينهم إرادة جماعية لا يمكن اختزالها ولا إسكاتها بسهولة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مباريات الدوري الإسباني والإنجليزي وسواهما، دأبت جماهير عدة على رفع الأعلام الفلسطينية وترديد هتافات التضامن مع غزة، لا سيما في أعقاب أحداث 2023 وما تلاها. هذا المشهد تكرر في ملاعب إيطاليا وفرنسا وتركيا وتونس، حتى بات الملعب مساحة احتجاج شعبي يعجز الساسة عن ملئها بمثلها. الجمهور لا يمثل أحداً ولا يتبع جدول أعمال أحد، وهذا بالضبط ما يجعل صوته أصدق وأوجع.

لكن المدرجات تحمل أيضاً وجهاً أقل شاعرية، العنصرية في الملاعب الأوروبية باتت ورماً لا يختفي على رغم كل حملات "القضاء على العنصرية" التي أطلقها "فيفا" و"يويفا". المشجعون الإيطاليون يُمطرون اللاعبين السود بأصوات القردة، والملاعب الإسبانية سمعت ذلك مراراً في وجه لاعبين من أصول أفريقية.

 

 

حين رفض الحكم الإنجليزي مارك كلاتنبرغ مواصلة إدارة مباراة في الدوري الإيطالي عام 2023 بسبب ما سمعه من مدرجات ميلانو من إهانات عنصرية، كان ذلك اعترافاً رسمياً بأن الملعب يحتضن أحياناً أسوأ ما في الإنسان لا أجمله.

الغضب الذي تصنعه كرة القدم غضب من نوع خاص، ليس غضب الجوع ولا غضب الظلم المباشر، بل هو ذلك الغضب الغريب الذي يشتعل حين تخسر فرقتك ويصبح الليل كابوساً.

حين خسرت كولومبيا أمام الولايات المتحدة في مونديال 1994، اغتيل المدافع أندريس إسكوبار بسبب هدف أحرزه في مرماه، الكرة لم تكن هنا لعبة، بل كانت حكماً بالإعدام صادراً عن شعب كان يحمل خسارته كعار شخصي لا كنتيجة رياضية.

التناقضات

البكاء في كرة القدم له لغة خاصة، حين بكى رونالدو بعد خروج البرتغال من يورو 2004 أمام اليونان، وحين بكى ميسي على الأرض بعد خسارة نهائي كوبا أميركا 2016، كانت تلك دموعاً تتجاوز الخسارة الرياضية إلى سؤال الهوية والإرث والمعنى.

ومن أكثر مشاهد البكاء إيلاماً في تاريخ اللعبة، حين انهار المدافع الفرنسي ليليان تورام بعد فوز فرنسا بكأس العالم 1998، ليس فرحاً فحسب، بل لأنه تذكّر أمه التي هاجرت من جوادلوب وربّته وحدها في الضواحي الفقيرة لباريس، ورأى في اللقب انتصاراً لكل تلك المسيرة الطويلة، الكرة هنا تحولت إلى قصيدة اجتماعية لا يكتبها إلا العرق والزمن.

الفرح أيضاً له طعم لا يشبهه شيء آخر، الجزائر حين فازت بكأس أفريقيا 2019، والمغرب حين أذهل العالم في مونديال 2022 ببلوغه نصف النهائي وسجود لاعبيه في الملعب وحملهم رايات فلسطين أمام كاميرات العالم، لم يكن ذلك مجرد بهجة رياضية، كان إعلاناً بأن هذه الشعوب موجودة، وأن حضورها لا يمكن تجاهله، وأن الملعب قادر على توصيل ما تعجز عنه أعوام من الخطاب الدبلوماسي.

كرة القدم إذاً ليست ترفاً بصرياً ولا مجرد منافسة رياضية، بل هي المختبر الأصدق الذي يكشف الإنسان على حقيقته، بعيداً من كل الأقنعة التي يرتديها في حياته اليومية.

فيها يُحارب ويسالم، يكره ويحب، يحتج ويبكي، ويجد في لحظة واحدة معنى يعجز عن إيجاده في أعوام بأكملها، ولهذا يصعب شرح جاذبيتها لمن لم يشعر بها يوماً، لأن من لم يعش تلك الدقائق الأخيرة فارغاً كالموت ومليئاً كالحياة، لم يفهم بعد شيئاً مهماً عن طبيعة هذا الوجود.

اقرأ المزيد

المزيد من رياضة