اليابان تدخل على خط الوساطة بين واشنطن وطهران

طوكيو تسير في طريق متوازن حفاظا على الأمن الأميركي والنفط الإيراني

ذكرت صحيفة "ماينيشي شيمبون" اليابانية، الأحد، أن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي سيلتقي المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، للقيام بوساطة بين واشنطن وطهران.

ودخلت اليابان على خط الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران بشكل مفاجئ خلال زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لطوكيو الأسبوع الماضي، وأعلن رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" عزمه زيارة طهران لإجراء محادثات مع الرئيس الإيراني حسن روحاني في يونيو (حزيران) الحالي، وستكون أول زيارة لرئيس وزراء ياباني لإيران منذ أكثر من 40 عاما، رغم ما يربط البلدين من علاقات تجارية قوية لاسيما على صعيد مشتريات الطاقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان عدد من الدول بينها العراق وعمان وسويسرا وغيرها من الشركاء الأوروبيين سعت إلى التهدئة بين واشنطن وطهران مع تصاعد الحرب الكلامية بين البلدين إلى مستوى بعث تحذيرات بالحرب في أنحاء العالم، لكن التدخل الياباني جاء لافتا بشكل كبير، بالنظر إلى ما شهدته منطقة الشرق الأوسط من حروب وتوترات عديدة دون أن نلحظ مبادرة واحدة من الساموراي، وهو ما يثير تساؤل رئيسي؛ لماذا هذه المرة نشهد تحرك طوكيو نحو كبح جماح الحرب المحتملة؟.

زيارة لم تقر بعد

وزارة الخارجية اليابانية في طوكيو قالت لـ"إندبندنت عربية"، "إن اليابان حريصة بشدة ومصرة على المساهمة في تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة، وأن الشركاء اليابانيين يرغبون في تحقيق ذلك عبر مواصلة العمل من خلال الحوار، وهو السبيل الأضمن والأفضل"، وأضافت "نعتزم المساهمة في السلام والاستقرار الإقليميين، باستخدام علاقاتنا الودية التقليدية مع إيران". لكن الخارجية اليابانية أشارت إلى "أن موعد الزيارة لم يقر بعد"، دون أن تدلي بمزيد من التفاصيل. وكان من المقرر لآبي أن يزور إيران الصيف الماضي، لكن بعد إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي JCPOA، ألغيت الزيارة التي كانت ستعقد بعد شهرين فقط من الانسحاب الأميركي من الاتفاق.

وكانت طوكيو قد دعمت الاتفاق النووي، الذي عقدته القوى الدولية مع إيران في يوليو (تموز) 2015، وبموجبه تم إنهاء العقوبات من جانب الولايات المتحدة وأوروبا ضد إيران في مقابل فرض قيود على أنشطة تطوير الأسلحة النووية في الشرق الأوسط. وعندما قررت الحكومة الأميركية، في مايو (أيار) من العام الماضي، الانسحاب من الاتفاق، كان موقف اليابان يتسق مع الدول الأوروبية الداعم للاتفاق.

طوكيو بين حجري الرحى

ولم يتوقف التواصل بين طوكيو وطهران تاريخيا في أوقات التوترات المتزايدة مع الولايات المتحدة؛ فحتى في ذروة أزمة الرهائن الإيرانية في الفترة 1979-1980، واصلت اليابان شراء النفط الإيراني وهو ما استنكرته واشنطن وقتها.

وبحسب ورقة بحثية لمعهد الشرق الأوسط الأميركي للأبحاث السياسية، "فإنه في العقود التي تلت الثورة الإسلامية 1979، لم تتقيد اليابان تماماً بمطالب واشنطن بعزل إيران والتخلص من النفط الإيراني. وفي حين أن اليابان كانت تتمتع دائماً بإمكانية الوصول إلى مصادر بديلة للإمداد، فإن سعر النفط الخام الإيراني الأرخص يعتبر جذاباً للشركات اليابانية". وبحسب أحدث إحصاءات حول صناعة الطاقة عالميا، "استوردت اليابان ما قيمته 3.5 مليار دولار من النفط الإيراني في عام 2017، مما جعل إيران سادس أكبر مصدر لها في ذلك العام".

وخلال نظام العقوبات الصارم الذي فرضته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على إيران عام 2012 بسبب أنشطتها النووية، خفضت اليابان وارداتها، لكنها لم تنهيها بالكامل. وأتاحت خطة العمل الشاملة المشتركة لعام 2015 (JCPOA) فرصة لليابان لشراء خام إيراني أرخص وتوسيع علاقاتها التجارية مع إيران، والتنافس مع الصين على العروض لتطوير البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك احتمال تصدير تكنولوجيا السكك الحديدية عالية السرعة. ومثل الاتحاد الأوروبي، تأمل اليابان ألا تخسر صفقات تجارية مربحة في إيران لصالح المنافسين الاستراتيجيين مثل الصين.

وترتبط طوكيو بعلاقات قوية مع كلا البلدين، وإذا كانت مصلحتها الأمنية وثيقة وقوية مع الولايات المتحدة فإن علاقاتها التجارية والتاريخية مع إيران لا تقل قوة. وبينما كان نائب الرئيس الأميركي مايك بينس يسخر من إيران خلال قمة وراسو حول أمن الشرق الأوسط فبراير (شباط) الماضي، كان رئيس البرلمان الإيراني علي لاريجاني في طوكيو للقاء آبي. ومن ثــمّ فإن التوترات بين واشنطن وطهران حاليا تضع اليابان بين حجري الرحى، وربما هذا ما يقف وراء مسعاها الدبلوماسي لتهدئة الأجواء.

 

 

الأمن والنفط

وفي حين أشار بعض المحللين إلى "أن اعتماد اليابان على الالتزامات الأمنية الأميركية من شأنه أن يدفع طوكيو إلى التماشي مع إدارة ترمب"، لكن هذه التوقعات "تستند إلى التقليل من الأهمية التي توليها طوكيو لتوسيع استثماراتها في إيران وإلى أي مدى يمكنها الاستغناء عن إمدادات النفط. علاوة على ذلك، تريد اليابان أن تقدم بديلاً عن الصين، التي مكنتها مبادرة الحزام والطريق (المعروفة بطريق الحرير) لتكون صاحبة الاستثمارات الأجنبية المباشرة الأعلى في المنطقة".

وأمام هذه الشواهد يتوقع معهد الشرق الأوسط "أن تسير طوكيو في توازن دقيق. فمن جانب سيحرص "آبي" على العمل لحماية المصالح الاقتصادية اليابانية في إيران، وقد تكون لقاءاته الأخيرة مع مسؤولي إيران علامة على ذلك. وفي الوقت نفسه فإنها تعتمد على المظلة الأمنية التي توفرها الولايات المتحدة، ومن ثم جاءت مساعي آبي للقيام بدور الوسيط بين طهران وواشنطن".

اليابان وسيط محايد

يقول ساشا توبريتش، نائب الرئيس التنفيذي الأول لشبكة القيادة عبر الأطلسي والزميل السابق لدى مركز العلاقات العابرة للأطلسي بجامعة جونز هوبكنز في واشنطن، "إن اليابان بالطبع لديها وجهة نظر محايدة مما يمنحها ميزة في نزع فتيل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران، بالإضافة إلى ما تتمتع به من المصداقية الدولية، التي يحتاجها من يقوم بدور الوساطة، لذا فإن عرضها جاء في الوقت المناسب وكان من المثير للتفاؤل أن كلا من واشنطن وطهران رحبتا بالوساطة".

وأضاف الباحث الأميركي "إنه ربما يكون الرئيس الأميركي نفسه هو من سعى لطلب الوساطة اليابانية، وقد يكون الجانب الإيراني بسبب أهمية النفط الإيراني في أسواقهم. وفي كل الأحوال، فإنه إذا ما تمكنت اليابان، باعتبارها دولة كبيرة تحظى باحترام من جميع الأطراف، من المساعدة في نزع فتيل الخلافات وهيأت الظروف لكلا البلدين للجلوس والتفاوض فسيكون نجاحا عظيما لأنه أي صراع، سواء كان محدودا أم لا، لن يكون طيبا للشرق الأوسط".

المزيد من سياسة