Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليليت فهمي تناقش قضايا النسوية بعين قصصية

"صائد الثعالب" مجموعة تميل الى الواقعية الغرائبية وأدب ما بعد الحداثة

الرسامة المصرية هبة امين في لوحة أنثوية (صفحة الرسامة على فيسبوك)

من منطقة أقرب إلى العوالم الهيسترية المفككة المعالم، أشبه برؤى مبدعي ما بعد الحداثة في الغرب، وعبارات المتصوفة الغائمة المفتوحة على الدلات في الشرق، تأتي غالبية قصص مجموعة الكاتبة المصرية ليليت فهمي "صائد الثعالب" (الهيئة المصرية العامة للكتاب). هي مجموعة أشبه بالفن التجريدي تشير إلى معنى من دون تحديده، فقط بتلميح غير مباشر، وعائمة في الهواء وأحداثها التي لا تقف على جغرافيا محددة، مفتوحة على تأويلات شتى.

تحتوي المجموعة على 11 قصة يسبق كل منها نص أقرب إلى قصيدة النثر. ويظهر في قصتها الأولى "عودة أبدية" الحس النسوي الذي يسيطر على كثير من قصص المجموعة، وتحكي فيها عبر مشاهد منفصلة عن لقاء يجمع بين حبيبين سابقين، يجلسان في مقهى شعبي ويتحاشيان ذكر الأسباب التي أدت إلى انقطاع علاقتهما كل هذه المدة من الزمن.

تلفت الساردة إلى خوف الرجل الشرقي من الزواج من امرأة ذكية، وكان هذا الأمر هو السبب في ابتعاده من حبيبته السابقة، معتبراً أن مثل هذا الذكاء الذي تمتلكه يهدد سلطته الذكورية التي يتعمد فرضها عليها، والتعليق بشكل أبوي وساخر على تصرفاتها، مثل محبتها لعصير الليمون الذي يعتبره مشروباً طفولياً، كما يسخر من الساعة التي تحملها مذكراً إياها بخطاب عن بورجوازية الساعة وعدمية الوقت. ويلقي اللوم على دعوات النساء الزائفة للحرية، فالنساء يرغبن في الحرية لكن لا يردن دفع الثمن، وبعضهن يردن الطلاق وفي الوقت ذاته لا يردن البعد من الأموال التي ينفقها الأزواج عليهن. لا ترسم هذه القصة كبقية المجموعة تفاصيل واضحة عن الشخصيات التي تدور حولها الأحداث، ولا تحدد المكان أو الزمان، مما يجعلها أقرب إلى نماذج عامة لا تغنيها المؤلفة بما يجعلها متفردة، فقصة "عودة أبدية" جاءت كنموذج عام يكشف عن تصرفات نمطية لمثقفين يزعمون أنهم يدافعون عن حقوق المرأة، ويلقون الخطابات الرنانة حول رفض البرجوازية والرأسمالية بينما تأتي تصرفاتهم مناقضة لذلك.

وترصد الكاتبة في قصتها تلك العوالم المحيطة بالمكان في شكل مشاهد منفصلة تقطع تدفق الحدث الرئيس، مثل وصفها لطفلة تبيع الصحف عند مدخل المقهى، وتشتهي اللحم المشوي الذي يباع في محل مجاور، كما تصف امرأة عجوزاً تحتسي البيرة ثم تطلب من الساردة سيجارة، وتصف رجلين يراقبان بطلة القصة في مشهد دال على انتهاك الخصوصية.

عالم الصعلكة

تدور قصة "صائد الثعالب" في هذا الجو الغائم غير المكتمل الملامح عن علاقة جمعت ما بين شخصين مصادفة. علاقة بين شرطي يخفي هويته الحقيقية ويدعي أنه صحافي، وشخص آخر غامض تعددت وظائفه فهو نحات ومؤرخ قادر على اللغة المصرية القديمة، مفتش تموين، صائد ثعالب، وصاحب مكتبة تضم وثائق مهمة عن تاريخ مصر، وفي الختام هو مجرم هارب من العدالة متهم بقتل مسؤولين حكوميين، فهذه العلاقة وإن بدت بين رجلين إلا أنها في سردها، كأنها بين امرأة ورجل، حيث المحبة والتسكع والصعلكة في الشوارع، ولوعة الاشتياق التي يفرضها غياب المحب عن محبوبه.

تتمتع شخصية "صائد" بتنوع كبير لا يجتمع عادة في شخص واحد، فالصائد نحات قضى عمره في نحت تمثال واحد، وهو ما يحيل إلى قصة "بغماليون"، النحات الإغريقي الذي نحت تمثالاً لامرأة ودعا إلهة الحب أن تنفخ الروح فيها.

وفي سياق آخر يدعي الصائد أنه جاء من نسل الثعالب التي يصطادها، وأنه يحب العيش في الجبال الموحشة برفقتها ويعتبر الحيوانات البرية أصدقاءه الوحيدين، "هذه الشياطين الملعونة التي أبت أن تدجن، هي أصدقائي الوحيدون، يريدونني جزءاً من عالمهم وأنا أريدهم جزءاً من عالمي والأسرع سيفتك بالآخر". هي علاقة تشبه ما كان بين الشاعر الذي عاش في العصر الجاهلي وبين حيوانات البرية. الصعلوك الشهير الشنفرى الذي وصف الحيوانات في "لاميته" الشهيرة المعروفة بـ "لامية العرب"، والتي يرى فيها أن وحوش البراري هم أصدقاؤه ومخالطتهم أفضل من مخالطة البشر قائلاً، "أقيموا بني أمي صدور مطيكم/ فإني إلى قوم سواكم لأميل/ ولي دونكم أهلون سيد عملس/ وأرقط زهلول وعرفاء جيأل". يتشابه بطل القصة أيضاً مع أبطال الحكايات الشعبية، فهو جنوبي مثل بطل حكاية "ياسين وبهية" ومثل "خط الصعيد" و"أدهم الشرقاوي"، فكلهم عاشوا في منأى عن الناس، ووقفوا في وجه الظلم. وتضيف القصة إلى هذه الشخصية الفريدة بعداً يؤكد اختلافها لجهة قدرتها على قراءة اللغة المصرية القديمة المنقوشة على جدران المعابد.

الليدي ماكبث

ومن عالم المسرح تستحضر المجموعة شخصية الليدي ماكبث في قصة "محاكمة الليدي ماكبث". شخصية حظيت بكثير من التأويلات في الغرب، ويرى بعضهم أنها عبرت عن الصراع بين الذكورة والأنوثة، وأن النساء مثل الرجال في القسوة والطموح في الوصول إلى السلطة حتى على حساب مشاعر الأمومة. ويتشابه مصير بطلة مسرحية شكسبير وبطلة قصة "محاكمة الليدي ماكبث"، فكلتاهما تصابان بالخرف وتموتان انتحاراً، فالسيدة "ديما" ممثلة مسرح تصاب بالخبل وتعيش في حياة غير واقعية تماماً، تعاني من هلاوس سمعية وبصرية إثر صدمة عصبية تعرضت لها، وحيدة ذات سلوكيات غرائبية تزعم أنها قتلت جارتها وتردد مقطعاً من مسرحية شكسبير، "اختفي أيتها البقعة الملعونة".

تتماهى على خشبة المسرح مع الشخصية التي تجسدها وتختار الموت على طريقتها بأن تلقي بنفسها في بئر الخشبة على مرأى ومسمع من الجمهور.

عوالم مضطربة

ومن العقل المضطرب ذاته تأتي قصة "الإله الأسود العجوز" عن طفل سجن في إصلاحية يحاول الطبيب النفسي اكتشاف علته. وفيها تتداخل العوالم الحقيقية مع المتخيلة بصورة مربكة في ذهن هذا الطفل الذي يتحدث عن عالم غير واقعي يتجسد له. وفي قصة "محاولة للهرب" تأتي عبثية السرد من الهذيان الذي يصيب بطلها نتيجة للحمى التي تحتل جسده، فتكون سبباً في عدم منطقية الأحداث التي تبدو كالهلاوس.وفي قصة "رحلة الخروج" تنبع هلامية الأحداث من خلال كابوس غامض التفاصيل حافل بالمتغيرات والتقلبات غير الممنهجة. وفي قصة "تهيأ لي أني رأيت ملاكاً" تتجلى أيضاً عبثية الأحداث في كونها مسرودة على لسان مؤلفة مغرقة في الخيال، وهذه القصة ذات طابع نسوي خالص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تتجلى في قصص المجموعة روح ثائرة متمردة على ما هو سائد، مما ينعكس على سرد المجموعة ككل، وهي جاءت بصورة غير تقليدية مفككة وغير مترابطة المعالم.

وهذه منهجية اختارتها المؤلفة بعناية شديدة لتعبر بها عن أفكارها والقضايا التي تسعى إلى مناقشتها، وتضج المجموعة بالعنف والأحداث الدامية والاستئناس بالطيور والحيوانات التي يتأفف منها البشر مثل البوم والغربان والثعالب والذئاب، إضافة إلى الغرائبية التي تصاحب جل حكايات المجموعة.

المزيد من ثقافة