ملخص
تواجه المملكة المتحدة انتقادات لتراجعها في الإنفاق الدفاعي وعدم طرح الخدمة الوطنية للنقاش، على رغم تصاعد التهديدات الروسية وزيادة إنفاق حلفائها الأوروبيين، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على الحفاظ على دورها القيادي في الناتو وسط ضغوط داخلية وخارجية.
"لوسيموث" Lossiemouth هو اسم ينتمي إلى حقبة أخرى. فالمقر الرئيس لـ"القوات الجوية الملكية" البريطانية الموجود في هذه البلدة شمال اسكتلندا، كان يوماً ما معقلاً أسطورياً لدفاعات المملكة المتحدة و"حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، خلال مرحلة "الحرب الباردة".
ثم فجأة - أو هكذا بدا في الأقل - برز اليوم في صدارة الأخبار بعد أن طواه النسيان، ليشكل خلفية لاحتفال رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ونظيره النرويجي يوناس غار ستور بتوقيع اتفاق ثنائي جديد، يقضي بتنفيذ عمليات مشتركة هدفها تعقب الغواصات الروسية التي تقوم برصد كوابلنا البحرية.
الاحتفال جرى صباح اليوم التالي لحفل العشاء الرسمي الذي أقامه الملك البريطاني تشارلز على شرف الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، والذي تحدث فيه عن عزم كل من المملكة المتحدة وألمانيا على "الوقوف إلى جانب أوكرانيا ودعم أوروبا في مواجهة خطر وقوع مزيد من العدوان الروسي". وإذا كان هناك من شيء واحد يجيده البريطانيون، فهو كيفية الاستعراض.
لكن، في الواقع، شهد العام ونصف العام الماضي من عمر هذه الحكومة تراجع الدفاع الوطني أكثر في سلم الأولويات. فموازنة الشهر الماضي - على رغم أنها حظيت بتغطية إعلامية واسعة ونقاش كبير - خلت تماماً من أية إشارة إلى ملف الدفاع. وعلى رغم ارتفاع جميع أنواع الإنفاق، لم تخصص فيها أية مبالغ إضافية للدفاع، باستثناء الزيادات المحدودة التي سبق التعهد بها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
هذا الوضع يفاقم الفجوة بين سمعة المملكة المتحدة إبان حقبة "الحرب الباردة" كأقوى لاعب عسكري بين الدول الأوروبية - وهي سمعة احتفظت بها إلى حد كبير بسبب قلة التدقيق في التفاصيل - والواقع القائم اليوم.
فالمملكة المتحدة تراجعت في الواقع العام الماضي عن كونها أكبر مساهم أوروبي من حيث القيمة المالية في تمويل "حلف شمال الأطلسي"، لمصلحة ألمانيا، وإن كانت لا تزال تتصدر الإنفاق من حيث النسبة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن الالتزامات الراهنة، إذا ما أُوفي بها، فستتفوق ألمانيا على بريطانيا في هذا المجال أيضاً خلال وقت قريب.
الأمر الأكثر لفتاً للانتباه - وربما الأقل تناولاً في النقاش العام - هو أن المملكة المتحدة نجحت في الإفلات من مطالبة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن يتحمل الأوروبيون نصيباً أكبر من فاتورة الدفاع، وصولاً إلى تخصيص ما يصل إلى خمسة في المئة من ناتجهم المحلي الإجمالي لموازنة "حلف شمال الأطلسي"، على سبيل المثال. وخلال وقت يرفع فيه آخرون، وفي مقدمتهم ألمانيا، مستويات إنفاقهم بصورة حادة، لم تتجاوز بريطانيا هذا العام نسبة 2.3 في المئة. وهي لا تتعهد بأكثر من 2.6 في المئة بحلول عام 2027.
من هنا، يبدو أن هدف تخصيص الدول الأوروبية الأعضاء في "حلف الأطلسي" 3.5 في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، أصبح أقل واقعية من أي وقت مضى. وهذا لا يعكس صورة جيدة لدولة تدعي باستمرار أنها "تقود"، وكان آخر مثال على ذلك "تحالف الراغبين" الذي ما زال غامضاً.
الشعور بالفتور نفسه ينسحب على نتائج مراجعة الإنفاق الدفاعي لهذا العام. فبالنسبة إلى التوصيات الأوسع نطاقاً - التي تشمل تحسين التنسيق بين حاجات الدفاع والصناعة وزيادة الاعتماد على التكنولوجيا، وتبسيط الخدمات العسكرية المنفصلة والتركيز بصورة أكبر على الاستعداد المدني، إلى جانب تعزيز التواصل الفعال مع الجمهور - لم تسمع البلاد سوى قليل أو لا شيء عنها. ولم يكن هناك أيضاً أي تلميح حكومي إلى نوع الإجراءات الطارئة، مثل الخدمة الوطنية التي تطرح خلال الوقت الراهن في كل من فرنسا وألمانيا.
الخطط الراهنة لتطبيق الخدمة الوطنية في ألمانيا تبدو متواضعة، إذ تقتصر فقط على تسجيل الشباب البالغين من العمر 18 سنة، وإجراء الفحوصات الطبية لهم. يُذكر أنه حتى هذه الخطط الأولية لقيت معارضة شديدة، وليس من جانب الشباب فحسب.
مع ذلك يبقى الموضوع مطروحاً كما هي الحال في فرنسا، إذ أثار رئيس أركان الجيش ضجة واسعة عندما نبه إلى وجوب أن تكون البلاد مستعدة لـ"التضحية بأبنائها"، في إشارة إلى ضرورة الاستعداد لتكبد خسائر في الحرب. أما في المملكة المتحدة فلم يذكر أي شيء عن مثل هذه الاحتمالات.
طرحت فكرة الخدمة الوطنية بصورة ما من قبل رئيس الوزراء السابق ريشي سوناك قبل الانتخابات الأخيرة. وتعود أحياناً إلى الواجهة، مدعومة أحياناً بحجة طرحت في السويد، مفادها أن الخدمة الوطنية الإلزامية (ليست بالضرورة عسكرية) يمكن أن تصبح مشروعاً قوياً ومرغوباً لتعزيز التماسك الاجتماعي والعرقي. لكن هذه الفكرة لم تطرح أبداً في أي نقاش حكومي، حتى على سبيل الافتراض.
ومع صمت شبه كامل في المملكة المتحدة في شأن الإنفاق الدفاعي والاستعداد المدني والتجنيد الإجباري – فضلاً عن الإصلاح الشامل لبنية القوات – قد يتوقع أن تكون هناك بعض المخاوف الخافتة لدى الحلفاء في شأن تراجع الالتزام البريطاني.
لكن الواقع ليس كذلك. فأحد التفسيرات التي قدمت لي أن الأولوية القصوى لكل من فرنسا وألمانيا تتمثل في الحفاظ على بقاء ارتباط المملكة المتحدة، التي لا تزال مساهماً رئيساً في منظمة "حلف شمال الأطلسي" والدفاع الأوروبي، بدلاً من المجازفة بخروجها وربما دخولها في علاقة دفاعية أوثق مع الولايات المتحدة. قد يكون هذا صحيحاً، لكن إلى متى يمكن أن تستمر هذه الحالة، خلال وقت تسعى فيه الحكومة الألمانية - على وجه الخصوص - إلى إقناع شعبها المثقل بأعباء شديدة، بضرورة زيادة الإنفاق على موازنة الدفاع؟
هل يحين وقت تبدأ فيه حكومة المملكة المتحدة نقاشاً عاماً حول قضايا الدفاع؟ هذا الأمر يبدو بعيداً حتى الآن، وفي الظروف الراهنة يحمل أخطاراً واضحة. فالمبلغ الإجمالي الذي تخصصه الموازنة المحلية لأوكرانيا على سبيل المثال، يصعب تحديده بدقة، وهو في النهاية خيار سياسي. وكان وزير الدولة البريطاني لشؤون القوات المسلحة ألقى خلال الفترة الأخيرة كلمة أمام معهد "تشاثام هاوس" للأبحاث، تحدث فيها عن الموارد التي تنفقها المملكة المتحدة على أوكرانيا، مشيراً إلى مدى تأثيرها في كلفة المعيشة في البلاد. لكن الاستنتاج الذي بدا أن الوزير كان يقصده، هو تحميل روسيا المسؤولية عن هذه الأعباء.
إلا أن الإنفاق على الدفاع - سواء أدرجت أوكرانيا ضمن تلك الموازنة أم لا - يظل في نهاية المطاف خياراً متاحاً لأية حكومة.
أخيراً، قد يحين يوم - سواء تحت ضغط من الجيران أو استجابة لتساؤلات جمهور أقل خضوعاً - ينتهي فيه هذا الصمت، وهو ما سيشكل تطوراً إيجاباً للديمقراطية في البلاد.
© The Independent