Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما هي القضية الجنوبية في اليمن؟

الإصرار على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء لا يعكس حنيناً بريئاً بقدر ما يكشف عجزاً عن قراءة الحاضر

قوات حكومية منتشرة في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت الساحلية الجنوبية في اليمن (أ ف ب)

ملخص

صون عدالة القضية الجنوبية كخلاصة لا يتحقق باختزالها في كيان أو قيادة، ولا بفرض قرارات أحادية تفتقر إلى التوافق والشرعية، بل بإعادة الاعتبار لها كقضية شعب متعدد الأصوات والتجارب. فالفصل الواعي بين جوهر القضية وسلوك من يتحدث باسمها، والدفع نحو مسار تشاركي حقيقي جامع، يمثلان الضمانة الوحيدة لحمايتها من التآكل أو التوظيف الضيق.

أعتقد أن القضية الجنوبية، بما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية واجتماعية معقدة، تثير أسئلة جوهرية حول طبيعة التمثيل وحدود المشروعية وإمكانات استعادة الماضي في سياق متغير. وبين الدعوات التي تستحضر نماذج سياسية سابقة، ومحاولات فرض تمثيل أحادي للجنوب، تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية تميز بين عدالة القضية بوصفها حقاً جماعياً مشروعاً، والسلوكيات السياسية التي قد تفرغ هذا الحق من مضمونه.

ومن هذا المنطلق، أسعى عبر هذا المقال التحليلي، إلى محاولة تفكيك خطاب احتكار التمثيل، والتنبيه إلى أخطار إعادة إنتاج الإقصاء باسم قضية يفترض أنها قامت أصلاً على رفضه.

دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول: هل يمكن إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء؟ حسناً هناك من يتوهم -دائماً- أن التاريخ يمكن أن يعود إلى نقطة سابقة، لا بوصفه مساراً مفتوحاً على التعلم، بل كحالة جامدة يمكن استدعاؤها بالإرادة وحدها.

وفي جنوب اليمن، يبرز هذا الوهم بوضوح ليس من الآن بل من سنوات عدة فائتة، حيث تستحضر دولة سابقة، وهي هنا جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، دخلت في عام 1990 في وحدة اندماجية مع شمال اليمن، وهي هنا الجمهورية العربية اليمنية، استحضار عنيد وكأن الزمن لم يتحرك، وكأن التجربة لم تنتج دروسها، وكأن المجتمعات لا تتغير ولا تعيد صياغة وعيها مع التحولات.

الإصرار على إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء لا يعكس حنيناً بريئاً بقدر ما يكشف عجزاً عن قراءة الحاضر. فالدولة التي كانت، بكل ما حملته من سياقات وظروف خاصة بها، لم تعد قابلة للاستنساخ، لا لأن الفكرة بالضرورة خاطئة، بل لأن التاريخ في تصوري لا يعيد نفسه إلا بوصفه مأساة جديدة إذا أسيء فهمه. والجنوب اليوم ليس جنوب الأمس، كما أن شروط السياسة لم تعد هي ذاتها.

في هذا السياق، المشار إليه أعلاه، يبدو المجلس الانتقالي الجنوبي وكأنه يسعى لا إلى استعادة الدولة السابقة بل إلى استعادة نموذج الصوت الواحد، الصوت الذي لا يعلو فوق صوته صوت، ذلك النموذج الديكتاتوري الذي يقوم على افتراض أن الحقيقة السياسية يمكن احتكارها، وأن التمثيل ينتزع لا يبنى. وعلى هذا الأساس راح يشيطن كل من هو مختلف ومغاير ليس فقط على أرض الواقع بل وفي مواقع التواصل الاجتماعي.

بيد أن هذا المنطق، حتى لو ارتدى شعارات جديدة، يظل أسيراً لذهنية قديمة أثبتت التجربة استحالة استمرارها في مجتمع تعددي ومتشظي التجربة مثل ما هو حاصل على الأرض في ما يعرف بالجنوب. هل رأيتم تداعيات ما فعله المجلس الانتقالي الجنوبي كسلطة أمر واقع بقوة السلاح؟

لا أحد في اعتقادي، من حيث المبدأ، يملك حق احتكار تمثيل الجنوب أو تقرير مصيره منفرداً. الجنوب ليس تنظيماً، ولا حزباً، ولا كياناً مغلقاً، بل فضاء تاريخي واجتماعي وسياسي واسع ومتشعب، تتداخل فيه الهويات والتجارب والمصالح على نحو متحرك ومتغير. وأي محاولة لاختزاله في قيادة أو مشروع فردي إنما تفقره، وتحول غناه إلى أداة إقصاء لكل مختلف ومغاير.

من هنا أتصور أنه يجب التمييز بوضوح بين القضية الجنوبية بوصفها قضية شعب وتاريخ وهوية، وبين الكيان أو الكيانات التي تدعي احتكار تمثيلها. فالقضية، في جوهرها كتداعيات لحرب 1994 و(انقلاب) 21 سبتمبر (أيلول) 2014 وحرب مارس (آذار) 2015، هي حق جماعي نابع من تراكم المظلومية والتجربة، وليست ملكية خاصة قابلة للتصرف السياسي. واختزالها، وفق ذلك، في خطاب أحادي ديكتاتوري إقصائي كما هو ماثل في سلوك المجلس الانتقالي الجنوبي أكاد أجزم أنه لا يخدم عدالتها، بل في الحقيقة يضعها في مواجهة ذاتها وربما تدميرها.

هذا التمييز من شأنه أن يقودنا إلى فصل ضروري آخر: عدالة القضية من جهة، وسلوكيات بعض القيادات من جهة أخرى. فليس كل من يرفع راية قضية عادلة بالضرورة أميناً عليها. وحين تتحول القضية العادلة إلى رافعة لمصالح شخصية أو أدوات نفوذ، سواء من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي أو غيره من الكيانات، فإنها تفقد بعدها الأخلاقي، وتتحول من مشروع تحرر إلى وسيلة هيمنة.

إن القرارات الانفرادية التي تتخذ باسم الجنوب من قبل المجلس الانتقالي الجنوبي بلا أدنى شك تعكس هذا الخلل بوضوح. فهي لا تستند إلى تفويض شعبي جامع، ولا تنبثق من توافق جنوبي شامل، كما أنها أيضاً تفتقر إلى إطار وطني أو قانوني معترف به. ومثل هذه القرارات، مهما بدت حاسمة، تبقى في حقيقتها هشة لأنها منفصلة عن القاعدة التي يفترض أن تمنحها الشرعية.

فالتمثيل، في جوهره، لا يفرض بقوة السلاح ولا يكرس بالأمر الواقع، بل يكتسب عبر مسار تراكمي من التوافق والشرعية والإجماع الحقيقي. وكل محاولة لتجاوز هذا المسار إنما تنتج سلطة موقتة، لا مشروعاً مستداماً، وتخلق واقعاً قابلاً للانفجار عند أول اختبار جدي.

الأخطر من ذلك أن القرارات الأحادية لا تكتفي بإضعاف شرعية التمثيل، بل تعمق الانقسام الجنوبي ذاته. فهي تفتت الموقف السياسي، وتضعف القدرة التفاوضية للقضية الجنوبية، وتفتح المجال أمام تدخلات وأجندات خارجية تجد في الانقسام فرصة لتعظيم نفوذها على حساب المصلحة الجنوبية.

لاحظوا التالي من فضلكم وتأملوا: الجنوب ليس كتلة صماء، بل يضم مكونات متعددة وأحزاباً عدة وشخصيات وطنية مستقلة لا يمكن إقصاؤها أو تجاوزها من دون ثمن سياسي وأخلاقي. فإقصاء هذه المكونات والأحزاب والشخصيات الوطنية المستقلة لا يناقض فقط منطق التعدد، بل ويعيد إنتاج ذات المركزية التي ثار عليها أبناء المحافظات الجنوبية، وإن اختلفت الشعارات.

إن جوهر القضية الجنوبية يقوم على رفض الإقصاء والهيمنة، لا على استبدالهما بهيمنة جديدة. وأي مشروع سياسي يعيد إنتاج أدوات الإقصاء، حتى لو باسم قضية عادلة، إنما يهدم الأساس الذي يدعي الدفاع عنه، ويحول المظلومية إلى دائرة مغلقة من الصراع الداخلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هذا المنطلق، تكتسب الدعوة إلى مؤتمر جنوبي شامل معناها السياسي العميق. فهي لا تمثل مجرد إجراء تنظيمي، بل تعبير عن نضج تراكمي في الوعي، ومحاولة لحماية القضية من الاختطاف، وإعادة القرار إلى أصحابه الحقيقيين بوصفه شأناً جماعياً لا ملكاً لطرف من دون آخر.

وتأتي استجابة السعودية لطلب رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عقد هذا المؤتمر في الرياض لتمنح هذا المسار بعده الإقليمي وضماناته الواقعية. فاستضافة مؤتمر جنوبي جامع لا توفر فقط مظلة سياسية، بل تحمي المحافظات الجنوبية من الانزلاق إلى صراعات داخلية، وتدفع باتجاه حل عادل ومتوازن يدرك أن مجموع الأصوات المختلفة أكثر صدقاً واستدامة من صوت واحد، مهما علا. فالمملكة، التي راكمت خلال السنوات الماضية حضوراً سياسياً واقتصادياً وتنموياً في المشهد اليمني، تدرك أن الاستقرار، كما أرى، لا يبنى بالقوة ولا بالتمثيل القسري، بل بإعادة فتح المجال العام أمام التوافق، وبمنح القضايا العادلة إطاراً جامعاً يحميها من التحول إلى أدوات صراع أو نفوذ. 

في الواقع على الجنوبيين كافة أن يدركوا أخطار عودة الصوت الواحد الذي لا يعلو صوت فوق صوته.

في نهاية المطاف أتصور أن صون عدالة القضية الجنوبية كخلاصة لا يتحقق باختزالها في كيان أو قيادة، ولا بفرض قرارات أحادية تفتقر إلى التوافق والشرعية، بل بإعادة الاعتبار لها كقضية شعب متعدد الأصوات والتجارب. فالفصل الواعي بين جوهر القضية وسلوك من يتحدث باسمها، والدفع نحو مسار تشاركي حقيقي جامع، يمثلان الضمانة الوحيدة لحمايتها من التآكل أو التوظيف الضيق.

وعليه، فإن أي حل مستدام يمر حتماً عبر الاعتراف بالتعدد والتنوع، ورفض منطق الصوت الواحد اللاغي للآخر المغاير، وترسيخ الشراكة بوصفها الأساس الأخلاقي والسياسي لمستقبل الجنوب، وبما لا يقود إلى تكرار أخطاء الماضي أو إعادة إنتاجها بصور جديدة.

اقرأ المزيد

المزيد من آراء