ملخص
بين مطرقة الغزو الأميركي الخاطف لاعتقال مادورو وسندان شبح الفوضى العراقية، يواجه الفنزويليون مستقبلاً مجهولاً؛ حيث يفرض ترمب سطوته بالتهديد العسكري والوعود النفطية، تاركاً البلاد في فراغ سياسي خطير تتحكم في أطرافه العصابات المسلحة وتغيب عنه أي رؤية حقيقية للاستقرار أو الديمقراطية.
تقترب مجموعتان مختلفتان من الأشخاص من الزائر الأجنبي، وهو أميركي يتوجه نحو الجسر الذي يربط كولومبيا بفنزويلا.
"لا تحِد عن الطريق نحو اليسار أو اليمين، لا خوف عليك وأنت على الجسر، لكن لا تدخل هذه الشوارع على اليسار أو اليمين. فهي تحت سيطرة عصابات ترين دي أراغوا التي إما ستسرقك أو تقتلك"، تقول شابة وهي تمسح قطرات المطر الخفيف عن عينيها.
بعد ذلك، يخرج سائق سيارة أجرة شاب من سيارته ليشرح "يمكنك عبور الجسر كي ترى الجانب الفنزويلي لكنها ليست فكرة سديدة".
ويضيف "فلا الجيش الكولومبي ولا القوات الفنزويلية سيأتون لنجدتك إن أُصبت بطلق ناري في المنطقة الرمادية، والعصابات تسيطر على كل ما تحت الجسر".
هذا هو العالم الذي يعتقد دونالد ترمب وبيت هيغسيث وماركو روبيو أنهم قادرون على إدارته، بل وإدارته عن بُعد أيضاً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
جرت تنحية نيكولاس مادورو عن منصبه كرئيس لفنزويلا خلال عطلة نهاية الأسبوع. وبينما كان يُقتاد معصوب العينين ومقيداً بالسلاسل، كأنه معتقل في غوانتانامو، من السفينة الحربية إلى المروحية ومن سجن نيويورك إلى قاعة المحكمة، انشغل ترمب بوضع خطط للبلد الذي حكمه.
كان الغزو الذي أمر به الرئيس الأميركي محدود النطاق ودقيقاً. فقد أطاح بحكومة قال إنها كانت تمارس "الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات" وتسببت في مقتل مئات الآلاف من الأميركيين بسبب الجرعات الزائدة من المخدرات والعنف.
لكن الحكومة بقيت على حالها. وتُرك الفنزويليون في حالة من عدم اليقين.
تقول سيلفي، وهي خبيرة تجميل تعبر الحدود إلى كولومبيا لشراء مستلزمات لصالونها في فنزويلا "أراد جميع الناس رؤية نهاية مادورو. لكن ليس بهذه الطريقة. فقد يقع بلدي في براثن الفوضى. ونحن لا نريد أن ينتهي بنا المطاف مثل العراق".
لا يزال نظام مادورو موجوداً، ولذلك لا تريد سيلفي الكشف عن هويتها.
وبالقرب منها يعبر إيمانويل الجسر ويساوره شعور القلق نفسه، ولا يريد أن يسترق أحد السمع إليه. إنه يتحفظ في كلامه لأنه ما عاد يعرف من يحكم بلده بعد الآن ويقول "أنا أؤيد الحكومة".
الحكومة الحالية؟
ويجيب "الحكومة الشرعية"، قبل أن يسير مبتعداً.
منذ أن ورث مادورو السلطة من هوغو تشافيز، الرجل القوي الاشتراكي الراحل في فنزويلا، فر ما يقرب من 8 ملايين شخص من الفقر والاضطرابات السياسية. وانتهى المطاف بـ7 ملايين منهم في أميركا الجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي.
وفي نظر معظم الفنزويليين ومنتقدي حكومة مادورو، أي معظم الدول الغربية، فقد مادورو شرعيته عندما زوّر نتائج انتخابات عام 2024 حارماً إدموندو غونزاليس أوروتيا الفوز.
غير أن ترمب قال إنه لا يعتقد أن شريكة غونزاليس في السياسة، ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام لعام 2025 وزعيمة المعارضة المعترف بها دولياً، تحظى بدعم كبير في فنزويلا، ولذلك سيتولى زمام الأمور من خلال النظام الحكومي الحالي.
ولمدة 48 ساعة، سادت حالة من الفراغ في كاراكاس. وبعد وقت قصير من اختطاف مادورو، خرجت نائبة الرئيس الفنزويلي ديلسي رودريغيز لتعلن أنها لن تتولى السلطة، ودعت إلى قيام مقاومة وطنية ضد الاستعمار الأميركي.
لكن ترمب لم يتأخر في الكشف عن نهجه الدبلوماسي تجاه ما يعتبره المجال الحيوي لأميركا، وهي رؤية تستحضر أساليب تعود إلى القرن الثامن عشر. فقد أوضح أن أعضاء الحكومة الفنزويلية المتبقين، إذا لم يذعنوا للأمر الواقع، فإنهم يعرّضون أنفسهم لخطر الاستهداف. وقال محذراً "إن لم يلتزموا، فستكون هناك ضربة ثانية".
وفي رسالة مباشرة إلى رودريغيز، وهي تكنوقراطية اشتراكية يُنسب إليها الفضل في استقرار اقتصاد البلاد، أضاف "ما أقوله فقط إنها قد تجد نفسها في وضع أسوأ حتى من مادورو".
وقد أصاب تهديده الهدف. فبحلول صباح يوم الإثنين الماضي، كتبت رودريغيز منشوراً على وسائل التواصل الاجتماعي تتراجع فيه عن موقفها المتحدي، "رسالة من فنزويلا إلى العالم وإلى الولايات المتحدة، مفادها أن فنزويلا تعيد تأكيد التزامها بالسلام والتعايش السلمي. يتطلع بلدنا إلى العيش من دون تهديدات خارجية، في بيئة من الاحترام والتعاون الدولي. نحن نؤمن بأن السلام العالمي يتحقق أولاً بضمان السلام داخل كل دولة".
وتعد إشارتها إلى السلام الداخلي واضحة. إنها تطلب من المعارضة ألا تثور ضد حكومتها. وهذه هي الحكومة التي يقول ترمب عنها إنها تتاجر بالمخدرات وتنشر الإرهاب.
في المقابل، يُطلب من فنزويلا فتح اقتصادها، الذي تضرر بشدة جراء العقوبات الاقتصادية التي فرضها ترمب على البلاد خلال ولايته الأولى. وستحصل الشركات الأميركية على النفط والبنية التحتية الوطنية وفرص لا متناهية لكسب المال إذا تعاونت كاراكاس مع واشنطن.
لكن لا وجود لخطة شاملة للاقتصاد. ولا خطة لمستقبل فنزويلا السياسي. ولا أي خطة لتحقيق الاستقرار في بلد يستضيف رغماً عنه منظمات شبه عسكرية متورطة في تجارة المخدرات، ومهربي ذهب غير شرعيين، فضلاً عن ملايين من الناس العاديين المتعطشين للتغيير الديمقراطي.
في هذه الأثناء، صعّد ترمب تهديداته ضد المكسيك وكولومبيا وكوبا وأعاد التأكيد على مطالبته بضم الولايات المتحدة لغرينلاند التي تشكل جزءاً من الدنمارك، الدولة العضو في حلف الناتو.
قبل سنوات، نبّه وزير الخارجية الأميركي كولن باول جورج بوش الابن إلى أن غزو بلد مثل العراق يعني الدخول في منطق محلات البيع "ما تكسره عليك دفع ثمنه".
أما في فنزويلا، وفي محيطها الإقليمي، فيتساءل كثيرون عما إذا كان ترمب يتدخل بهدف فرض سيطرة طويلة الأمد، أم أنه يتصرف بلا خطة، مكتفياً بإحداث الفوضى والدمار في كل ما يقع في طريقه.
© The Independent