Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التطرف يقسم بريطانيا ويجب رفع راية الأمل لا الكراهية

لم تعد جرائم الكراهية ضد الجماعات الدينية حوادث معزولة، بل أصبحت نمطاً متصاعداً وباتت بريطانيا اليوم أمام خيار واضح: إما مواجهة التطرف، أو السماح للخوف بأن يتحول إلى الوضع الطبيعي الجديد

تحت ستار "حرية التعبير" و"التراث البريطاني" حاولت مظاهرات اليمين صياغة هوية وطنية إقصائية (وكالة الأناضول)

ملخص

تحوّل عام 2025 إلى عام صعود غير مسبوق للكراهية والتطرف في بريطانيا، مع هجمات على مساجد وكنس وتآكل في شعور الأمان، غذته أزمات غزة والهجرة وخطاب اليمين المتطرّف. والرهان في 2026 هو قلب المسار عبر تعريف حازم للعداء للمسلمين، وإصلاح التعليم، وضبط الفضاء الرقمي، وتعزيز التماسك المجتمعي، ومواجهة التطرف بلا مواربة لإنقاذ فكرة بريطانيا التعددية.

ألقى التطرف الأيديولوجي والكراهية بظلال ثقيلة على بريطانيا عام 2025، فاختبرت المجتمعات، واهتزت المؤسسات، وبات من الضروري المضي نحو تحرك حاسم في العام التالي. وفرض العام الماضي مواجهة حقيقة غير مريحة، إذ بلغ العداء للمسلمين ومعاداة السامية مستويات مقلقة، لا تهدد الأقليات وحدها، بل تضرب في الصميم فكرة بريطانيا بوصفها دولة تعددية وديمقراطية.

في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، كان مصلون في مسجد بيسهايفن في إيست ساسكس تجمعوا لأداء صلاة العشاء عندما هاجم مخربون المسجد وأضرموا النار فيه في وقت كان شخصان لا يزالان في الداخل. وبين يوليو (تموز) وأكتوبر الماضيين، سجلت مؤسسة الأمن الإسلامي البريطاني ما لا يقل عن 27 هجوماً على المساجد في جميع أنحاء البلاد. ولم تكُن هذه هجمات على المباني وحسب، بل كانت اعتداء على شعور الأمان والانتماء الذي تعتمد عليه المجتمعات المسلمة لتعيش بحرية.

وقبل ذلك بأيام قليلة فقط، وخلال عيد الغفران (يوم كيبور)، وهو أقدس يوم في التقويم اليهودي، أودى هجوم معادٍ للسامية استهدف كنيس هيتون بارك في مدينة مانشستر بحياة شخصين. ولم تكُن هذه الفظائع مجرد حوادث معزولة، إذ تظهر بيانات وزارة الداخلية أن جرائم الكراهية الدينية بلغت مستويات قياسية بحلول مارس (آذار) الماضي، في وقت ارتفعت الحوادث التي تستهدف المسلمين بنسبة 19 في المئة.

ومن نيوكاسل إلى واتفورد، باتت عائلات مسلمة اليوم تضطر إلى موازنة قرارات يومية يعدها كثر من المسلمات: هل يستطيع الأطفال الذهاب إلى المسجد بأمان؟ هل يجلب الحجاب إساءة أو اعتداء؟ هل ينبغي لإرسال طلب وظيفة أن يخفى فيه اسم ذو دلالة إسلامية واضحة؟ وتواجه الأقليات الأخرى حسابات مشابهة. فعندما يجبر الناس على إخفاء هويتهم، تتآكل الحرية نفسها.

وتتشابك السرديات العالمية والمحلية على نحو خطر. فأزمة غزة التي اتسمت بسقوط أعداد هائلة من المدنيين وبعرقلة وصول المساعدات الإنسانية، ودانتها الأمم المتحدة واللجنة الدولية للصليب الأحمر، أعادت إحياء صدمات عميقة لدى كل من المسلمين واليهود. وعلى رغم أن هذه الأحداث تقع على بعد آلاف الأميال، فإن ارتداداتها مزقت العلاقات هنا في الداخل وخلقت مناخاً متساهلاً مع خطاب الكراهية ضد المجموعتين. وفي كثير من الأحيان، تحول الخلاف السياسي المشروع إلى غطاء لإلقاء اللوم الجماعي.

وشكلت الهجرة بدورها بؤرة توتر إضافية. فمنذ أبريل (نيسان) عام 2025، استهدفت احتجاجات واعتصامات معادية للمهاجرين الفنادق التي تؤوي طالبي اللجوء. وجاءت اللحظة الأكثر إثارة للقلق مع مسيرة "وحدوا المملكة" في لندن خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، بقيادة الناشط اليميني المتطرف تومي روبنسون. وتحت ستار "حرية التعبير" و"التراث البريطاني"، ردد المشاركون هتافات من قبيل "أعيدوهم من حيث أتوا"، واستخدموا رموزاً مسيحية - أعلام القديس جورج، وصلباناً خشبية، وحتى أداء صلوات علنية - لصياغة هوية وطنية إقصائية.

هذا الاستيلاء الانتهازي على المسيحية، الممتزج برهاب الأجانب وكراهية الإسلام، تجاوز حدود الاحتجاج ليطعن في النسيج الأخلاقي لمجتمعنا. وردّ قادة دينيون بشجاعة، مجددين التأكيد على خطاب ديني يقوم على المحبة والترحيب، غير أن القيادة الأخلاقية من جانب الكنيسة يجب أن تقترن بعزم مماثل في الأوساط السياسية وفي المجتمع المدني.

لقد حذرت منظمة "الأمل لا الكراهية" Hope Not Hate منذ زمن من اقتراب هذه اللحظة. وتظهر مراقبتها لشبكات اليمين المتطرف كيف تستخدم المعلومات المضللة عبر الإنترنت، وسرديات "الحرب الثقافية"، ومخاوف القلق الاقتصادي كأدوات للتحريض على التطرف ودفع مواطنين عاديين إلى مسارات راديكالية. والأهم أن عمل المنظمة يثبت أيضاً أن التطرف ليس قدراً محتوماً: فعندما تتلقى المجتمعات الدعم وتُفند الخرافات وتصان القيم الديمقراطية، يمكن كبح الكراهية وإجبارها على التراجع.

فما الذي يجب أن يتغير كي ينجح عام 2026 حيث أخفق عام 2025؟

أولاً، تحتاج بريطانيا إلى تعريف واضح ومتين للعداء ضد المسلمين، وإلى استراتيجية وطنية شاملة للتصدي له – فضلاً عن الجهود القائمة لمواجهة معاداة السامية وسائر أنواع الكراهية. إن زيادة التمويل لتأمين دور العبادة والمؤسسات المجتمعية ليست امتيازاً، بل هي ضمان أساس لحرية الدين.

ثانياً، يجب على التعليم أن يواجه التعصب من جذوره. فإصلاح المناهج وإطلاق حملات توعية عامة وتوفير قيادة سياسية ترفض الكراهية بلا مواربة، كلها أمور لا غنى عنها. أما الصمت أو التردد، فلا يؤديان إلا إلى تشجيع المتطرفين ومنحهم مزيداً من الجرأة.

ثالثاً، يتطلب الفضاء الرقمي تنظيماً أكثر صرامة. فالخوارزميات التي تضخم الغضب وتنزع الإنسانية عن الآخرين تحتاج إلى رقابة حقيقية، ويجب أيضاً مساءلة المنصات عندما يترك خطاب الكراهية للانتشار بلا رادع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رابعاً، لا يمكن أن يكون التماسك المجتمعي موسمياً أو شكلياً. فمبادرات مثل حوارات "مؤسسة لايت" بين المجتمعات التي تجمع أشخاصاً من خلفيات سياسية ودينية مختلفة لمناقشة قضايا الهجرة واللاجئين وخطاب الكراهية - تثبت أن الحوار الصريح قادر على الحفاظ على التعاطف حتى في ظل خلافات عميقة. وهذه المبادرات التي نأمل توسيعها على المستوى الوطني، تستحق دعماً مستداماً لا موقتاً.

خامساً، يجب مواجهة التطرف الأيديولوجي - سواء كان إسلاموياً أو قومياً - بدقة وحزم من قبل من يتولون مواقع السلطة والتأثير. وينبغي للاستراتيجيات المعتمدة أن تميز بوضوح بين الأيديولوجيات المتطرفة والمجتمعات الدينية التي تسعى تلك الأيديولوجيات إلى استغلالها. وكما هي حال سائر المكونات المجتمعية، على المسلمين البريطانيين أيضاً أن يواجهوا الممارسات الثقافية المتخلفة داخل صفوفهم - لا إرضاءً لمنتقدين شعبويين، بل التزاماً بالمعايير الأخلاقية التي يفرضها كل من الدين والقانون.

ثمة ما يدعو إلى التفاؤل. فبحوث مؤسسة "بريتش فيوتشر" تظهر أن غالبية البريطانيين يريدون سياسة هجرة عادلة ومنظمة، ويرفضون الخطاب الانقسامي. ويبين برنامجنا "لنتحدث معاً" أن الحوار قادر على ردم الهوات، كاشفاً عن رغبة عامة في حلول عملية بدلاً من الاستقطاب. هذه الغالبية الصامتة موجودة - ويجب تمكينها.

وعند النظر إلى عام 2025، تجد بريطانيا نفسها أمام خيار مصيري. هل نسمح للتفسيرات المشوهة التي يسوقها المتطرفون باسم الدين والهوية بأن تحدد من نكون؟ هل يصبح الخوف لدى المسلمين واليهود واللاجئين أمراً مألوفاً ومقبولاً؟ أم نعيد تأكيد سردية وطنية جامعة، تقوم على قيم مشتركة وكرامة متساوية للجميع؟

الكراهية لا تتوقف عند هدف واحد. فهي تتغذى على الانقسام وتنتشر بلا هوادة. ولهذا يجب أن يكون ردنا حاسماً بالقدر نفسه: تمسك صارم بحرية المعتقد وتضامن لا لبس فيه مع الأقليات ومواجهة حازمة للكراهية بكل أنواعها.

ففي كل مرة يضطر فيها بريطاني إلى إخفاء هويته، تخسر بريطانيا جزءاً من نفسها. لا يزال هناك متسع للأمل — لكن الأمل من دون فعل يذبل. وإذا كنا جادين في شأن البلد الذي نريد أن نكونه، فيجب أن يكون عام 2026 هو العام الذي نقلب فيه المعادلة ونغير الاتجاه.

 

الإمام قاري عاصم هو الرئيس المشارك لـ"شبكة المسلمين البريطانيين"، وعضو مجلس أمناء في كل من "مؤسسة لايت" و"هوب نوت هايت" و"بريتش فيوتشر".

© The Independent

المزيد من آراء