Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مراحل تطور الخطاب والسلوك الإرهابي في الساحل الأفريقي

تحولت هذه الجماعات من أطراف متمردة إلى جهات فاعلة تطمح لتقديم نفسها كبدائل محلية توفر "الحماية" وتفرض "النظام" وتملأ الفراغ الإداري والأمني

انتهجت "بوكو حرام" خطاباً متشدداً رافضاً للتعليم الغربي برمته (اندبندنت عربية)

ملخص

شهد تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" منذ ظهوره عام 2015 تحولات لافتة في خطابه وسلوكه، تعكس استجابته لتغيرات البيئة الأمنية والاجتماعية والسياسية في منطقة الساحل.

تبنت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" استراتيجية مزدوجة تجمع بين التغلغل المحلي والتمدد الإقليمي، بهدف تحقيق حضور مستدام وشرعية "اجتماعية"، متميزة بذلك عن تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" ذي الطابع الصدامي الحاد.

في منطقة الساحل الأفريقي، برزت الجماعات الإرهابية المسلحة كقوى أمر واقع تسعى إلى فرض نفوذها، لا فقط من خلال السلاح، بل عبر خطاب اجتماعي- سياسي يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والسلطة. فخلال الأعوام الأخيرة، تحولت هذه الجماعات من أطراف متمردة إلى جهات فاعلة تطمح لتقديم نفسها كبدائل محلية، توفر "الحماية" وتفرض "النظام" وتملأ الفراغ الإداري والأمني الذي خلفته الدولة.

هذا التحول في طبيعة الخطاب والممارسة لم يكن معزولاً عن السياق الإقليمي. فقد أسهمت الانقلابات العسكرية المتكررة وتراجع الثقة الشعبية في الحكومات والانفصال التدريجي للقوى الغربية عن الشأن المحلي، في خلق بيئة خصبة لنمو هذه الجماعات وتعزيز سردياتها. فلم تعد تعتمد فقط على مفاهيم الصراع أو استخدام القوة، بل بدأت تنسج خطاباً جديداً يخاطب الحاجات اليومية للسكان المحليين، مستنداً إلى مفردات "العدالة" و"الكرامة" و"المظلومية التاريخية" وتقديم بدائل خدماتية في بعض المناطق النائية.

من جهة أخرى، طورت هذه الجماعات وسائلها الاتصالية، فبدأت باستخدام اللغات المحلية واعتماد خطابات موجهة للقبائل والفئات المهمشة وتوظيف الوسائط الإعلامية الحديثة، مثل مقاطع الفيديو المصورة بلغة السكان المحليين ورسائل ميدانية توجه للسكان، تبرز صوراً لمقاتلين وهم يوزعون الطعام، أو يوفرون الأمن في مناطق تشهد توتراً طويل الأمد. كذلك فإن بعض التنظيمات، مثل ما يُعرف بـ"تنظيم الصحراء الكبرى" و"نصرة الإسلام والمسلمين"، أصبحت تعتمد نهجاً أكثر مرونة في التعامل مع السكان، متجنبة الصدام المباشر ومحاولة بناء شرعية تدريجية مستندة إلى تقديم خدمات محلية وتنظيم العلاقات المجتمعية.

هذه التحولات تشير إلى انتقال واضح من مرحلة المواجهة المباشرة إلى مرحلة التمركز المجتمعي، حيث تسعى الجماعات إلى لعب دور شبيه بالسلطات المحلية، عبر فرض رسوم وتسوية نزاعات وتنظيم الأسواق، مما يعزز حضورها ويمنحها غطاء اجتماعياً يعقد جهود مكافحتها. ومن هذا المنطلق، فإن تطور خطاب هذه الجماعات لا يكشف فقط عن تحولاتها الداخلية، بل يعكس أيضاً تعثر الدولة الحديثة في أداء وظائفها الأساسية، ويدعو لإعادة التفكير في أدوات الاستقرار الإقليمي.

تبدل الاستراتيجيات

شهدت جماعة "بوكو حرام" منذ تأسيسها عام 2002 تطوراً لافتاً في خطابها وسلوكها، بحيث يمكن قراءة هذه التحولات باعتبارها مرآة لتغير البيئة السياسية والاجتماعية والأمنية في منطقة الساحل وشمال نيجيريا، وانعكاساً لتبدل استراتيجيات الجماعات الإرهابية في مواجهة الدولة وتوظيف الدين والعنف لتحقيق مكاسب سياسية وميدانية.

بدأت "بوكو حرام" كحركة دعوية تتبنى خطاباً متشدداً يرفض الحداثة الغربية والتعليم الرسمي باعتبارهما أدوات استعمار ثقافي. وتمحور خطابها المبكر حول فكرة "تطهير المجتمع" من الفساد والنفوذ الغربي، واعتبرت الدولة النيجيرية "كافرة" وجب قتالها. كان هذا الخطاب انعزالياً في مضمونه، ذا طابع محلي يركز على الهوية الدينية والتكفيرية، لكنه لم يكن مسلحاً في مراحله الأولى.

مع مقتل زعيمها المؤسس محمد يوسف في 2009، دخلت الجماعة مرحلة جديدة أكثر عنفاً تحت قيادة أبو بكر شيكاو، الذي تبنى خطاباً أكثر دموية، مدعوماً بممارسات ميدانية وحشية شملت التفجيرات والخطف وذبح المدنيين. ظهرت تحولات في الخطاب من التبشير والرفض إلى التهديد والانتقام، وبدأت الجماعة تهاجم المدارس والكنائس ومراكز الدولة بشكل متسلسل، ما عكس انتقالاً من الخطاب الأيديولوجي إلى خطاب القوة والردع.

في عام 2015، أعلنت "بوكو حرام" مبايعتها "تنظيم "داعش"، وغيرت اسمها إلى "ولاية غرب أفريقيا"، ما مثل تحولاً نوعياً في بنيتها الخطابية والسلوكية. بدأ الخطاب يتبنى مفردات "الخلافة" و"الجهاد العالمي"، وأصبح أكثر انسجاماً مع الأجندة العابرة للحدود، في حين توسعت عملياتها إلى داخل النيجر وتشاد والكاميرون. تبنت الجماعة خطاباً موجهاً للخارج يعكس تطلعها للاعتراف بها كفرع إقليمي في شبكة "داعش".

مع تزايد الضربات الأمنية والانقسامات الداخلية، ولا سيما بعد مقتل شيكاو في 2021، عادت الجماعة إلى تكتيكات أكثر مرونة، مع انتشار الفصائل الموالية لـ "داعش ولاية غرب أفريقيا". اتجه الخطاب إلى مزيج من العنف والدعوة، مستهدفاً كسب السكان المحليين عبر تقديم الأمن والخدمات وتخفيف حدة الصدام المباشر مع المجتمعات القبلية، بما يعكس تكيفاً عملياً مع المعطيات الميدانية.

شهد موقف "بوكو حرام" من التعليم، لا سيما تعليم البنات، تحولات لافتة لكنها لا تمثل تراجعاً جوهرياً عن المبدأ، بل تكيفاً براغماتياً مع البيئة المحلية والانقسامات داخل التنظيم. فبينما ظل الفصيل المرتبط بشيكاو محافظاً على الخطاب المتشدد الرافض للتعليم الغربي برمته، معتبراً تعليم البنات انحرافاً عن الشريعة وسبباً رئيساً في فساد المجتمع، وهو ما تجلى في عمليات اختطاف الطالبات كما حدث في شيبوك عام 2014، تبنت بعض الفصائل المنشقة، خصوصاً فرع "ولاية غرب أفريقيا" التابع لـ"داعش"، خطاباً أكثر انفتاحاً نسبياً في هذه المسألة.

عمليات نوعية

شهد تنظيم "داعش الصحراء الكبرى" منذ ظهوره عام 2015 تحولات لافتة في خطابه وسلوكه، تعكس استجابته لتغيرات البيئة الأمنية والاجتماعية والسياسية في منطقة الساحل، وتحديداً في مثلث الحدود بين مالي والنيجر وبوركينا فاسو. وقد تميز التنظيم بأسلوب مختلف عن فروع "داعش" التقليدية، من حيث مرونته في التموضع وتركيزه على البعد المحلي ضمن مشروع عابر للحدود.

تأسس التنظيم بقيادة عدنان أبو وليد الصحراوي، إثر انشقاقه عن حركة "المرابطون" بقيادة مختار بلمختار، حيث أعلن الولاء للبغدادي عام 2015. في خطابه التأسيسي، تبنى التنظيم مفردات "داعش" الكلاسيكية مثل "الحاكمية" و"الخلافة" و"الردة" و"التكفير"، لكنه ركز بصورة خاصة على قتال "المرتدين" من جيوش المنطقة والميليشيات المتحالفة معها، أكثر من تركيزه على استهداف الغرب مباشرة. وقد شدد الصحراوي في تسجيلاته الصوتية على أن "قتال الطواغيت في نيامي وباماكو وواغادوغو أولى من مقارعة الكفار الأصليين"، مما يدل على أولوية السيطرة المحلية.

في الفترة بين 2017 و2020، تبنى التنظيم عمليات نوعية عالية الدموية، استهدفت مواقع عسكرية في النيجر ومالي، مثل هجوم "تينكوف" و"إيناتس"، حيث قُتل عشرات الجنود وغنم التنظيم أسلحة ثقيلة. اتسم سلوك التنظيم بعنف شديد ضد الجيوش النظامية، مقابل سعيه الحذر لكسب الحاضنة الشعبية من خلال فرض ضرائب "الزكاة" وتطبيق "الحدود" في بعض المناطق الريفية. كما امتنع في مراحل عن مهاجمة بعض القرى، مبرراً ذلك بأن سكانها "لم يعادوا دولة الخلافة"، في دلالة على محاولة صناعة شرعية ميدانية.

بعد مقتل الصحراوي في غارة فرنسية عام 2021، واجه التنظيم تحديات داخلية وخارجية، إلا أنه سرعان ما أعاد بناء قيادته الميدانية، وتبنى خطاباً أقل مركزية وأكثر محلية، يركز على المظالم الإثنية بين الطوارق والفولاني، مستغلاً الخلافات المجتمعية. وظهرت أشرطة فيديو لمقاتلين يخطبون بلغة الفولفولدي، ويدعون السكان "للمبايعة" طوعاً مقابل الحماية. هذا التحول يكشف عن انتقال التنظيم من خطاب عابر للهوية إلى خطاب "مجتمعي مسلح" يستغل الفجوات الإثنية والفراغ الأمني.

على رغم التشابه مع "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بـ"القاعدة"، سعى "داعش الصحراء الكبرى" إلى فرض نفسه كمشروع بديل أكثر "حسماً"، مركزاً على القوة والردع لا التفاوض. وقد أعلن التنظيم في تسجيل صوتي عام 2022 أن "الدين لا يُؤخذ بالمجالس بل بالسيوف"، في تلميح هجومي ضد جماعات سلفية أخرى تتبنى مسار الحوار.

استراتيجية مزدوجة

شهدت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة"، منذ تأسيسها عام 2017، تطوراً ملحوظاً في خطابها وسلوكها ضمن السياق المضطرب لمنطقة الساحل، لا سيما في مالي وبوركينا فاسو والنيجر. ومن خلال قراءة شاملة لممارساتها ومواقفها المعلنة، يتضح أن الجماعة تبنت استراتيجية مزدوجة تجمع بين التغلغل المحلي والتمدد الإقليمي، بهدف تحقيق حضور مستدام وشرعية "اجتماعية"، متميزة بذلك عن تنظيم "داعش في الصحراء الكبرى" ذي الطابع الصدامي الحاد.

تشكلت الجماعة من اندماج خمسة تنظيمات محلية، أبرزها "أنصار الدين" بقيادة إياد أغ غالي المعروف بـ "ثعلب الصحراء" الذي صدرت بحقه مذكرة اعتقال من المحكمة الجنائية الدولية العام الماضي، بشأن الفظائع المزعومة في مدينة تمبكتو المالية في الفترة من 2012 إلى 2013، وهناك أيضاً تنظيم "المرابطون" و"كتائب ماسينا". وقد أعلن إياد، في أول بيان مرئي له، أن الجماعة تهدف إلى "دفع العدو الصليبي المحتل"، في إشارة إلى القوات الفرنسية، و"نصرة الإسلام في بلاد المغرب الإسلامي". منذ البداية، ركز خطابها على مقاومة "الاحتلال" الخارجي وربط نشاطها بقضايا محلية كالتهميش و"الظلم ضد القبائل المسلمة"، ما منحها بعداً اجتماعياً يسهم في كسب الشرعية الشعبية.

بخلاف "داعش"، تجنبت هذه الجماعة التكفير العلني للمجتمعات المحلية، وفضلت خطاب الدعوة والإقناع. وقد ظهر ذلك في تسجيلات دعوية لمقاتليها وهم يخاطبون الفلاحين والرعاة في القرى بلغة محلية (كالفلانية والبمبارية)، يطالبونهم بـ"تطبيق الشريعة طوعاً"، ومتعهدين بالحماية مقابل الطاعة. في بوركينا فاسو، مثلاً، أعلنت الجماعة عن "منع السرقة وفرض العدل" في بعض المناطق، ما أكسبها تأييداً ضمنياً من المجتمعات المهمشة.

في مرحلة لاحقة، تبنت الجماعة سلوكاً سياسياً محسوباً. ففي مالي، حاولت فتح قنوات تواصل غير مباشرة مع السلطات الانتقالية، وعُقدت وساطات محلية في بعض المناطق لوقف القتال موقتاً، ما يشير إلى استعداد لتقاسم النفوذ. كما تجنبت الجماعة في الغالب الهجوم المباشر على المدارس والأسواق، بخلاف "داعش"، وركزت على فرض نظام ديني محلي يوازي مؤسسات الدولة ويضبط العلاقات المجتمعية، وهو ما سمته "الإمارة الرشيدة".

منذ 2021، ومع تراجع نفوذ الدولة في مناطق عدة، بدأت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بتطبيق نماذج حكم ميداني عبر "محاكم شرعية" وفرض "الزكاة" وتجنيد شباب القبائل ضمن ما يُعرف بـ"الشرطة الإسلامية". وفي بعض المناطق الحدودية، كوسط مالي، أصبحت الجماعة اللاعب الأساسي في إدارة النزاعات القبلية، وأدارت حتى مفاوضات صلح بين قبائل متنازعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مستوى التأثير

يكشف تتبع تطور الخطاب والسلوك لدى الجماعات المسلحة في الساحل الأفريقي عن مسار بالغ الدقة والخطورة، لا يرتكز فقط على العنف الصريح، بل على قدرة هذه الجماعات على التكيف مع البيئة المحلية واستغلال فراغ الدولة وتحوير خطابها وفقاً لمتغيرات اجتماعية وسياسية دقيقة. هذه التحولات لا تعني بالضرورة أن الجماعات قد تخلت عن أهدافها الأصلية، بل تشير إلى مرحلة انتقالية في استراتيجيتها، تتسم بقدر أكبر من البراغماتية والمرونة من دون أن تمس جوهر مشروعها في تقويض الدولة الوطنية وإعادة هندسة العلاقات الاجتماعية والسياسية وفق تصوراتها الخاصة.

لقد أصبح واضحاً أن هذه التنظيمات لا تسعى فقط إلى فرض السيطرة بالقوة، بل تعمل على ترسيخ وجودها عبر آليات محلية، تارة عبر خطاب يتبنى مفاهيم العدالة والحماية، وتارة أخرى عبر تقديم بدائل "خدماتية" في الصحة والتعليم وحل النزاعات. ويبدو أن الهدف الحقيقي من هذا التكيف ليس بناء نموذج حكم مستقر أو شامل، بل إطالة أمد الفوضى المنظمة، وتثبيت حضورها كفاعل موازن أو حتى بديل عن الدولة، ضمن هندسة جديدة للسلطة في فضاءات مفككة.

أما على مستوى التأثير، فإن هذه الاستراتيجيات تحدث تصدعات عميقة في النسيج الاجتماعي، إذ تعيد تشكيل الولاءات القبلية والإثنية، وتدفع المجتمعات المحلية إلى خيارات قسرية، إما التعايش مع الجماعات المسلحة أو مواجهة العنف والفراغ. في المقابل، تجد الحكومات نفسها أمام خصم لا يقاتل فقط بالسلاح، بل بالخطاب والوظيفة الاجتماعية، مما يربك استراتيجيات الردع التقليدية ويضعف فرص استعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

المستقبل لا يحمل في طياته مساراً واحداً. فإما أن تنجح هذه الجماعات في ترسيخ نموذجها الهجين، القائم على القوة والخدمة، مستفيدة من ضعف الدولة وتراجع الاهتمام الدولي، أو أن تنشأ مقاومة محلية تدفع نحو استعادة الفضاء العام من يد الفاعلين المسلحين. لكن المؤكد أن ما تطمح إليه هذه الجماعات ليس التغيير الإيجابي، بل إعادة تعريف السلطة والسيادة في الساحل، على نحو يتحدى كل ما رسخته الدولة الحديثة منذ استقلال تلك البلدان. وإذا لم تُواجه هذه التحولات بأدوات تتجاوز المقاربات الأمنية، فإن المستقبل القريب قد يشهد ترسخاً لمشهد "اللادولة" بصورة دائمة، يتجاوز خطر الإرهاب نحو تقويض كامل لفكرة الدولة نفسها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير