ملخص
أكد أفراد حرس المنشآت النفطية، في بيان لهم، أن مطالبهم تستند إلى قرارات رسمية وأحكام قضائية تؤكد حقوقهم، مشيرين إلى القرار رقم (186) لعام 2007، وقرار رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج عام 2019، إلى جانب حكم صادر عن القضاء الأعلى عام 2023.
تحول حرس المنشآت النفطية إلى ورقة ضغط في ليبيا حالت دون استمرار تدفق الإمدادات النفطية، إذ عمد هذا الجهاز إلى إغلاق خط الشحن النفطي الرئيس (الحمادة – الزاوية)، الثلاثاء الماضي، مما أدى إلى وقف عمليات الإنتاج بحقل الحمادة والطهارة ومحطة (أن سي 5).
وحذرت المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا من الإغلاقات النفطية المتتالية في وقت وصفته بـ"الحساس"، باعتبار أن العالم يشهد خلاله ارتفاعاً ملحوظاً في أسعار النفط.
وقالت المؤسسة في بيان صادر لها قبل أيام إن الإغلاق أدى إلى ارتفاع مفاجئ في الضغط عند نقطة حقل الطهارة في خطوط الإنتاج، مما تسبب في توقف عمليات الإنتاج والتشغيل بالكامل في كل من حقل الحمادة (أن سي 8) وحقل الطهارة (أن سي 4) والمحطة (أن سي 5).
واستنكرت هذه الأعمال التي تضر بالاقتصاد الوطني وتلحق الأضرار الجسيمة بمشغلات الحقول النفطية، وتزيد من تعميق الأزمات التي يعانيها القطاع النفطي، محذرة من أنها قد تضطر إلى إعلان حال القوة القاهرة في ظل استمرار إغلاق هذا الصمام، أو تعرض أي من الحقول الأخرى إلى عملية إغلاق قسري مماثلة.
وأوضحت أن هذا العمل سيضر حتماً بسمعة ليبيا عالمياً كمزود مستقر للطاقة في العالم، ويهدد استقرار إيفاء الدولة بالتزاماتها في سداد رواتب الموظفين.
بدوره، أكد أفراد حرس المنشآت النفطية، في بيان لهم، أن مطالبهم تستند إلى قرارات رسمية وأحكام قضائية تؤكد حقوقهم، مشيرين إلى القرار رقم (186) لعام 2007، وقرار رئيس حكومة الوفاق الوطني فايز السراج عام 2019، إلى جانب حكم صادر عن القضاء الأعلى عام 2023.
وحمل حرس المنشآت المؤسسة الوطنية للنفط المسؤولية في استمرار معاناتهم، موضحين أن تجاهل مطالبهم أدى إلى تفاقم أوضاعهم المعيشية. وطالبوها بالعمل على ضمان صرف مستحقاتهم وتنفيذ حقوقهم كاملة، مؤكدين استمرارهم في المطالبة بحقوقهم بالطرق المشروعة.
وأعلن فرع الجنوب الغربي لحرس المنشآت النفطية خفض الإنتاج جزئياً لمدة أسبوع في حقول أخرى مثل الشرارة والفيل والوفاء مع التهديد بالإغلاق الكلي.
كلفة الإغلاقات
وتجاوزت كلفة الإغلاقات النفطية لعام 2020 مبالغ تقدر بـ9.1 مليار دولار إثر 226 يوماً من إيقاف للإنتاج والتصدير في حين بلغت الخسائر المالية لإغلاق عام 2022 أكثر من 3.5 مليار دولار نتيجة إعلان حال القوة القاهرة في عدة موانئ وحقول.
وناهز إغلاق أزمة أغسطس (آب) 2024 أكثر من 120 مليون دولار خلال الأيام الأولى فقط من إيقاف الإنتاج وفق إحصاءات المؤسسة الوطنية للنفط. وتسببت الإغلاقات الممتدة بين عامي 2013 و2016 في خسائر قدرت بـ5 مليارات دولار خلال فترة إغلاق عدد من الحقول والموانئ شرق البلاد.
وفشلت ليبيا في تحييد ورقة النفط على التجاذبات السياسية والأمنية والقبلية لتجد نفسها مجبرة على التلويح بإعلان القوة القاهرة لحماية الإنتاج النفطي، وجميعها تطورات كشفت عن تحول حراس النفط من قوة لحماية الإنتاج إلى ورقة لتعطيله.
القوة القاهرة
أمام ذلك يبرز تساؤل ملح، ما الذي يعنيه تواتر استخدام النفط في الصراع على النفوذ بالنسبة إلى الاقتصاد الليبي وإلى ثقة المستثمرين الأجانب في قطاع يحتاج استقراراً مؤسسياً وشفافية؟
تقول المحللة في شؤون النفط والغاز نجوى البشتي إن الأزمة النفطية الحالية في ليبيا لا تزال قابلة للاحتواء، موضحة إمكانية تفادي إعلان حال القوة القاهرة والذي يعني اعتراف المؤسسة الوطنية للنفط رسمياً بأن ظرفاً استثنائياً خارجاً عن إرادتها منعها من تنفيذ بعض التزاماتها التعاقدية، مثل الإنتاج أو التصدير، وما قد يترتب عليها من أضرار تلحق بالمؤسسة الوطنية للنفط، لا سيما على مستوى قدرتها على الإيفاء بالتزاماتها التعاقدية.
وتوضح أن ليبيا لا تريد العودة إلى مرحلة الإغلاقات النفطية التي سبق أن تسببت في أضرار بالغة للاقتصاد الليبي، خصوصاً خلال الفترة الممتدة بين عامي 2013 و2020 التي شهدت عدة إغلاقات للحقول والموانئ النفطية، بسبب احتجاجات حرس المنشآت النفطية والقبائل.
وتشير إلى أن القطاع النفطي لم يشهد استقراراً إلا بعد الاتفاق الذي جرى بين الأطراف في الشرق والغرب، والذي نتج منه إعادة تشكيل مجلس الإدارة في عام 2022.
وتتابع البشتي أن إغلاق خط الحمادة حالياً يؤثر في حقول تابعة لشركة الخليج العربي للنفط، وهي الحمادة والطهارة والمحطة (أن سي 5)، منبهة إلى أن امتداد فترة الإغلاق أو إقدام أطراف أخرى في الجنوب على إغلاق خطوط نقل الأنابيب أو الحقول النفطية ستكون له آثار بالغة لن تقتصر على مستوى الإيرادات فحسب، بل ستمتد أيضاً إلى المؤسسة الوطنية للنفط التي تسعى إلى تحسين صورتها وجذب استثمارات جديدة من بينها مساعيها إلى استقطاب مشاركة كبرى مثل الشركات الأميركية.
نزف العملة
وعلاقة بالتداعيات الاقتصادية والمالية التي يمكن أن يؤدي إليها إغلاق خط الحمادة - الزاوية لا سيما على مستوى الضغط على قيمة الدينار الليبي عبر تقليص تدفقات العملة الصعبة واستنزاف الاحتياطات واتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي، يقول المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي خالد الهباوي إن الإغلاق يؤدي إلى انخفاض إيرادات النفط والغاز، بالتالي انخفاض الموارد التي تعتمد عليها الدولة في تمويل الإنفاق العام، بما يشمل الرواتب والدعم ومشاريع الإعمار.
ويحذر من استمرار الإنفاق من دون ترشيد، فقد تظهر فجوة بين الإيرادات والنفقات، مما يزيد الضغوط على السياسة المالية والنقدية، مضيفاً أن الإغلاق يؤدي أيضاً إلى اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويشير المستشار السابق لمصرف ليبيا المركزي في حديث إلى "اندبندنت عربية" إلى أن الأثر لا يبقى محصوراً في سوق الصرف، بل يمتد إلى السلع الغذائية والمستلزمات الطبية والتشغيلية لارتباطها بالاستيراد من الخارج لتصبح المشكلة ليست مجرد قضية إغلاق للنفط، وإنما تتحول إلى مشكلة تضخم في الأسعار بصورة عامة، تنعكس وتؤثر مباشرة في حياة المواطن الليبي اليومية.
ويتابع أن ثبات أو ارتفاع الطلب المحلي على العملة الصعبة، الدولار واليورو، يمكن أن يؤدي إلى تزايد الضغوط على موارد العملة الأجنبية المتاحة لدى مصرف ليبيا المركزي، مما قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار واليورو في السوق السوداء، ويوسع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والموازي.
ويرى أن الأمر سيؤدي لاحقاً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات ويزيد التضخم، منوهاً بأن شدة هذه الآثار تظل مرتبطة بمدة الإغلاق، وحجم الإنتاج المتوقف، وأسعار النفط العالمية، وسياسة مصرف ليبيا المركزي.
سلاح النفط
وحول ما إذا كان إغلاق خط الشحن النفطي الرئيس الحمادة - الزاوية وبقية الحقول المرتبطة به يعكس تصعيداً سياسياً يتجاوز القطاع النفطي وأخطار تحوله مجدداً إلى أداة للضغط والصراع بين القوى الليبية، يؤكد المحلل السياسي حازم الرايس أن إغلاق هذا الخط لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد خلاف يتعلق بمطالب وظيفية أو حقوق، بل إن المشكلة في هذه الحال تتجاوز القطاع النفطي نفسه إلى استخدام النفط كوسيلة للضغط وفرض المطالب، منوهاً إلى أنه نمط سبق أن عرفته ليبيا خلال الأعوام الماضية بصور مختلفة.
ويقول الرايس إنه من المهم التأكيد أن مشروعية أي مطالب لا تمنح أصحابها الحق في تعطيل الإنتاج أو إغلاق الحقول والمنشآت النفطية، مشيراً إلى أن هناك فارقاً شاسعاً بين حق العمال أو بعض المناطق في المطالبة بحقوقهم، وبين استخدام مورد حيوي للاقتصاد الوطني كورقة ضغط وابتزاز.
ويقول المتخصص في الشؤون السياسية إن استدعاء القبائل أو المجموعات المحلية لإغلاق الحقول لتحقيق أهداف سياسية ضيقة أمر سبق وشهدته ليبيا في مراحل سابقة، ويمثل خطراً على استقرار الدولة وعلى قطاع يُفترض أن يبقى بعيداً من التجاذبات والصراعات السياسية.
ويحذر من خطورة هذه الممارسات التي تمس بصورة مباشرة بقوت الليبيين والمالية العامة، في ظل اعتماد الدولة بصورة رئيسة على عائدات النفط كما تلحق أضراراً بالقطاع ومنشآته، وتضعف صورة ليبيا كمصدر مستقر للطاقة.
وينبه الرايس إلى أن الأخطر هو تحول إغلاق النفط إلى سلوك متكرر تستخدمه الأطراف المختلفة لتحقيق مكاسب سياسية أو مالية، مؤكداً أن المطالب يجب أن تعالج عبر المؤسسات والقنوات القانونية لكي يبقى النفط مورداً سيادياً للشعب الليبي، لا ورقة ضغط في الصراع السياسي.