ملخص
تعتمد الجماعات المتطرفة سياسة التجويع لإظهار أنها يمكن أن تكون بديلاً محتملاً للسلطات العاجزة عن توفير الأمن والغذاء لمواطنيها.
كما أن عمليات محاصرة المدن تمكن هذه التنظيمات من تحقيق أهداف مزدوجة مثل جعل السكان يمتنعون عن أي تعاون مع قوى الأمن والجيش الوطنيين وأيضاً استعراض قوتها أمام الدول المركزية التي أصبحت هشة أكثر من أي وقت مضى.
يثير لجوء الجماعات الإرهابية في أفريقيا المتواتر إلى استخدام الجوع أداة لتضييق الخناق على المدنيين، مخاوف من تداعيات ذلك، خصوصاً أن الأمر بات شائعاً في دول مثل الصومال ومالي ونيجيريا وبوركينا فاسو.
ومن بين الجماعات التي لجأت إلى فرض حصار على المدنيين ومنع وصول إمدادات الغذاء إليهم، جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم "القاعدة" الإرهابي التي طوقت مدناً تاريخية مثل تمبكتو وأجبرت عشرات آلاف المدنيين على النزوح.
كما أن "حركة الشباب" الصومالية التي خاضت جولات قتال عنيفة مع قوى الأمن والجيش، رسخت نفوذها في مناطق تعاني انعدام الأمن الغذائي على غرار جنوب البلاد، وأيضاً في مناطق نيجيرية مثل ولاية بورنو، في خطوة كرست ضغوطاً على السكان المحليين الذين اشتكوا من منع هذه الحركة شأنها في ذلك شأن "بوكو حرام"، وصول إمدادات الغذاء إليهم.
طريقتان
الحركات المتطرفة التي اكتسبت هجماتها أخيراً زخماً غير مسبوق، تحاول إظهار عدم قدرة الحكومات المحلية على حماية السكان، من خلال تطويق مدن بأكملها ومنع وصول الغذاء إليها.
وقال الباحث السياسي المهتم بالشؤون الأفريقية أحمد محفوظ إن "الجماعات العنيفة مثل ’نصرة الإسلام والمسلمين‘ وتنظيم ‘داعش‘ تقوم بالفعل باستخدام الغذاء كسلاح ضد المدنيين في دول الساحل مثل مالي وبوركينا فاسو والنيجر، وهذا واضح من خلال إحدى الطريقتين كمسار تتبعه هذه الجماعات ضد المدنيين للبلدان الثلاثة". وأوضح محفوظ في حديث إلى "اندبندنت عربية" أن "الطريقة الأولى تتمثل في استهداف السكان ضمن المثلث الحدودي بين دول الساحل الأفريقي، حيث يعتمد هؤلاء السكان بصورة رئيسة على تربية الحيوانات والمواشي والإبل باعتبارهم من البدو الرحّل". وتابع أن "هؤلاء امتهنوا هذا القطاع الذي كان مزدهراً بصورة كبيرة، وباعتبار أن الجماعات المسلحة لها سيطرة تكاد تكون مطلقة على المنطقة حاولت فرض سياسة الإتاوات كغرامات والزكاة، لكن مع مرور الوقت أصبحت تلك الجماعات أقرب إلى الاستحواذ على كل ما يملكه السكان، مما أجبرهم على الفرار والرحيل".
ولفت محفوظ إلى أن "الطريقة الثانية تتمثل في حرق الشاحنات التجارية في الدول الثلاث الآنف ذكرها، فهذه الدول هي حبيسة لا تمتلك سواحل، ومن الطبيعي أن تعتمد على حاجاتها الغذائية بالاستيراد، وتعتمد في ذلك على وسائل النقل البرية من شاحنات وقطارات للوصول بها إلى البلدان تلك، ومن ناحية ثانية تقوم شاحنات النقل بدور مهم في التجارة البينية لهذه البلدان". وأضاف أن "هذه الجماعات تهاجم الطرق الرئيسة وتصادر الشاحنات التجارية المحملة بمختلف المواد الغذائية والمتجهة لداخل الدول، وتحرق هذه الشاحنات بكل ما حملت من بضائع، وهذه سياسة ممنهجة تتبعها هذه الجماعات انعكست سلباً على سلسلة توفير المنتجات الغذائية، مما أدى بالطبع إلى رفع الأسعار لتلك المنتجات إن كانت موجودة".
مآسٍ وصعوبات
ومن الأسباب التي تدفع الجماعات المتطرفة إلى منع دخول الغذاء للمدنيين في الدول الأفريقية التي تشهد اضطرابات متزايدة، سعيها إلى معاقبة هؤلاء على خلفية تعاونهم مع السلطات التي يجري تزويدها بمعلومات حول تحركات الجماعات المسلحة بصورة عامة.
وتعد مدينة ليري المالية الواقعة شمال البلاد، من أهم المدن الأفريقية التي تعاني حصاراً يشنه مسلحو جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" التي يتزعمها إياد آغ غالي منذ أشهر، ولم تفلح السلطات في باماكو بفك هذا الحصار على رغم نداءات السكان بسبب النقص الفادح في إمدادات الغذاء وغير ذلك.
وفي الصومال، تعتمد "حركة الشباب" على الاستراتيجية نفسها، إذ تمكن عمليات محاصرة مدن بأكملها هذه التنظيمات من تحقيق أهداف مزدوجة مثل جعل السكان يمتنعون عن أي تعاون مع قوى الأمن والجيش الوطنيين وأيضاً استعراض قوتها أمام الدول المركزية التي أصبحت هشة أكثر من أي وقت مضى.
وقال نائب رئيس البرلمان الصومالي السابق والباحث السياسي محمد عمر طلحة إن "لجوء الجماعات الإرهابية إلى مثل هذه الأنشطة بات بالفعل يضع مزيداً من الصعوبات والعقبات أمام الجيوش وقوى الأمن المحلية التي تسعى إلى استعادة السيطرة على أراضيها كافة". وأردف طلحة في تصريح خاص أن "مثل هذه الممارسات تعمق مآسي الشعوب الأفريقية المتضررة التي تواجه ظروفاً قاسية وتضع صعوبات مختلفة سياسياً وأمنياً واجتماعياً واقتصادياً أمام دعائم الهيئات الدستورية والسيادة الوطنية بصورة عامة".
بديل محتمل
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأدت هذه الأنشطة إلى مجاعات أودت بحياة الآلاف في دول مثل الصومال ومالي، حيث يضطر السكان إلى النزوح هرباً من الجوع والمعارك الضارية بين الجيوش الوطنية والسكان، مما سبق أن حذرت من تداعياته تقارير دولية عدة.
لكن اللافت أن هناك تحولاً في استخدام ورقة الغذاء من قبل الجماعات المتطرفة، إذ رصد كثر أنها باتت تميل إلى سياسة أكثر ليونة أحياناً من خلال توفير الغذاء للسكان.
واعتبر الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد أوال أن "هذه سياسة ممنهجة أصبحت تعتمد عليها حركات لديها دهاء سياسي مثل ’بوكو حرام‘ و’الشباب‘ إذ تسعى إلى إظهار أنها قد تكون بديلاً محتملاً للسلطات العاجزة عن توفير الأمن والمؤونة". وبيّن أوال في تصريح خاص أن "هذه الجماعات تدرك أنها منبوذة من المجتمعات المحلية، لكنها تحاول استغلال ضعفها وهشاشة الدولة المركزية من أجل استمالة مزيد من الأنصار وأيضاً تعبئة مقاتلين جدد في صفوفها، وهو أمر أعتقد بأنه سيقود إلى مزيد من انعدام الأمن سواء في غرب أفريقيا أو في منطقة القرن الأفريقي أو غيرهما لأن هذه الجماعات تحولت إلى تهديد جدّي لمستقبل القارة السمراء".