Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حياة شخص ما" عرض مصري يستعيد قصة شارلز ديكنز

 "الهدية العظيمة" تمنع الشاب من الانتحار مسرحياً

مسرح المخرج قصة "الهدية العظيمة" للكاتب الأميركي فيليب ستيرن (الخدمة الإعلامية)

لا أحد يختار نصاً جيداً ليقدمه على المسرح لمجرد أنه نص جيد، ثمة أسباب أخرى لاختيار هذا النص أو ذاك، قد يكون أهمها، فضلاً عن جودته، أنه يتماس مع اللحظة الراهنة، ويعبر عن، أو يخاطب، شريحة كبيرة ممن يتوجه لهم العرض المسرحي.

وربما تكون أولى خطوات نجاح العرض المسرحي، هي التوفيق في اختيار النص، وتتوقف بقية الخطوات على قدرة صناع العرض على صياغة هذا النص مسرحياً عبر التوفيق في اختيار العناصر الأخرى من تمثيل وديكور وإضاءة وغيرها، لنكون في النهاية أمام فرجة مسرحية توازن بين الشكل والمضمون، وتتمتع بقدر عال من الانضباط.

نجح المخرج المصري الشاب محمد رضا في خطوته الأولى، ممسرحاً قصة" الهدية العظيمة" للكاتب الأميركي فيليب فان دورين ستيرن (1900- 1984)، تلك القصة المعتمدة بالأساس على الرواية القصيرة" ترنيمة عيد الميلاد" للكاتب البريطاني تشارلز ديكنز (1812-1870).

لم يعتمد المخرج على القصة فقط، بل اعتمد أيضاً على فيلم "إنها حياة رائعة" المأخوذ عن القصة نفسها، الذي أنتج عام 1946 واعتبر من أعظم 100 فيلم أميركي على الإطلاق، كما صنف كواحد من أكثر الأفلام إلهاماً في كل العصور.

لقد تعددت حالات الانتحار، بخاصة في أوساط الشباب، خلال الفترة الأخيرة، غير مدركين أن هناك "هدية عظيمة" حصلوا عليها، وهي الحياة نفسها، ومن ثم يجب عدم  التفريط فيها، أياً كانت المتاعب التي يتعرض لها الإنسان.

مهمة الإنقاذ

بعيداً من الفيلم، يبدأ العرض المسرحي بمشهد متخيل في الكنيسة، أثناء الصلاة على جثمان شخص يدعى جورج بايلي، ونسمع كلمات إيجابية يرددها عنه أهله ومحبوه، ثم نشاهد جورج هذا يقف على حافة أحد الجسور في وضع الاستعداد للانتحار. وهناك في السماء يشاهده ملاك حارس، فيأمر اثنين من تابعيه بالهبوط على الأرض لإنقاذه، وقبل أن يهبطا يطلعهما على حياة هذا الشخص، حتى يكونا على دراية جيدة به، وبالأعمال العظيمة التي قدمها خلال حياته، ومن ثم يقتنعان بمهمتهما النبيلة، وبعدها يبدأ العرض في سرد حياة جورج.

إن جورج بايلي هذا، رجل أقرب إلى المثالية، يضحي بنفسه من أجل الآخرين، ففي صباه أصيب بالصمم في إحدى أذنيه إثر حادثة سير تعرض لها وهو يحاول إنقاذ شقيقه الأصغر، ذلك الشقيق الذي رفض لاحقاً التضحية من أجل جورج، وفي شبابه وعندما ضحى جورج لأحلامه المتعلقة بالسفر للدراسة خارج البلاد، ليتولى مكان أبيه في شركة القروض والإسكان التي كان يعمل بها، كان بايلي منحازاً للفقراء، رافضاً استغلال رجال الأعمال لهم وإثقالهم بفوائد القروض، ورافضاً كذلك، ترك عمله في الشركة، التي لا تحقق أرباحاً جيدة، في مقابل عمل آخر يدر عليه آلاف الدولارات، لعلمه أن العرض المقدم له كان بغرض إبعاده عن الشركة. هو باختصار شخص يضحي دائماً من أجل الآخرين، وبخاصة الفقراء، مما أدى في النهاية إلى تراكم الديون عليه، وتعرضه للسجن، فلم يجد حلاً، بعد أن ضاقت به سبل الحياة، إلا الانتحار.

يهبط إليه الملاكان الحارسان، ويحاولان إثنائه عن الانتحار، لكنه يشرح لهما المتاعب التي يتعرض لها، وكيف أن تضحياته من أجل الآخرين أوصلته إلى حالته المزرية تلك، ويخبرهما أنه تمنى لو لم يولد أصلاً، وهنا يتلقفها الملاكان ويحققان له أمنيته، ليرى كيف تسير الحياة من دون شخص مثله، ويطلبان منه العودة لقريته ليشاهد ما حدث فيها، وهناك ينكره الجميع، زوجته التي وجدها متزوجة من رجل آخر، وصديقه الذي طرد من دكانه، والحديقة التي تحولت إلى مقبرة، والشركة التي انهارت تماماً، والعمة التي أصابها الجنون وتم إيداعها مستشفى للأمراض العقلية، وأمه الهائمة على وجهها بعد أن ضاع كل شيء. يجد الحياة مقلوبة رأساً على عقب، ويكتشف أن كل ما فعله ذهب مع الريح، وأنه لو كان موجوداً لسارت الأمور إلى الأفضل.

هنا يدرك جورج كم أن الحياة رائعة، وتستحق أن تعاش، على رغم كل ما فيها من متاعب، فهي دائماً ما تحتاج إلى أشخاص مثله، فيطلب من الملاكين إعادته لها مرة أخرى، ليكتشف أن كل الأصدقاء تعاونوا لإخراجه من أزمته المالية، وأن حياة بحلوها ومرها، هي أعظم هدية يمكن أن ينالها الإنسان، وبالتالي فمن العبث أن يفرط فيها.

جاد وهزلي

هكذا في أجواء، يمتزج فيها الواقعي بالفانتازي، فضلاً عما يمكن اعتباره حساً صوفياً، دارت أحداث العرض، الذي قدمه المخرج مع طلاب كلية الآداب بجامعة عين شمس، محققاً فيه تلك المعادلة التي يتوازن فيها ما هو جاد مع ما هو هزلي، لنكون أمام عرض مغامر، يتناول قضية وجودية عميقة بطريقة بسيطة لا تخلو من الكوميديا التي تعمق المعنى ولا تسطحه.

وإذا كان المخرج نجح في خطوته الأولى المتعلقة باختيار النص، فماذا عن العناصر الأخرى؟

لدينا في العرض أماكن متعددة: البيت، والشركة، والحديقة، والجسر، وشوارع القرية ومحالها، وغيرها. نجح المخرج في إيجاد حلول ذكية لإحداث النقلات المكانية بواسطة تحريك بعض قطع الديكور (صممه كيرولس ناجي ومينا ناجي ومحمود محمد) في عمق المسرح منظر واحد ثابت، عبارة عن بوابة مرتفعة قليلاً ولها مدرجات، تستخدم مرة، وبواسطة الإضاءة (صممها محمود كاجو) ككنيسة، وأخرى كمدخل للبيت، أما بقية المناظر، فبواسطة قطعتي ديكور"بانوهان" يحركهما الممثلون، نكون، مع دخول بعض القطع والموتيفات، أمام منظر آخر، ويتم ذلك كله أثناء جريان الأحداث، من دون الحاجة إلى الإعتام، وهي حلول جيدة وذكية، وإن عابها أحياناً قلة خبرة الممثلين وحماستهم الزائدة، مما أدى إلى بعض الارتباكات، وإن كانت عابرة وغير مؤثرة في صورة العرض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختيار الممثلين

العنصر الآخر هو التمثيل، الذي اعتنى به المخرج، بخاصة في الأدوار الرئيسة. ضم العرض عدداً من الممثلين الموهوبين الذين قدموا أداء منضبطاً، وربما كان خلو نص العرض من المونولوغات الطويلة جنبه الوقوع في ارتباكات تنتاب أداء الممثل الهاوي، إذ جاءت الحوارات في أغلبها قصيرة وسريعة، وإن كان استخدام أجهزة الصوت المحمولة أدى إلى قدر من التشويش، نظراً إلى عدم قدرة بعض الممثلين على تنظيم عملية التنفس، وهو أمر يحتاج إلى مزيد من التدريبات التي تكسبهم خبرة التعامل مع "المايك".

لعب أحمد فتحي دور جورج بايلي، وهو ممثل موهوب يمتلك أدواته بشكل جيد، قدم دوره بشكل احترافي، وبجرأة ممثل لديه كثير من الخبرات على رغم حداثة سنه، ومعه كذلك عبدالله محمد وعبدالله الشناوي ومحمد فريد وسما مجدي وكلارا وائل وآية عصام ورضوى أحمد وعبدالرحمن أيمن وزياد عاطف وهمس رفعت ومحمد صلاح.

عنون المخرج عرضه بـ"حياة شخص ما" وهو عنوان موفق ودال، فليس المهم من يكون الشخص، فهو هنا يمثل كل إنسان لديه هذه الروح المعطاءة، والمنحازة إلى كل صاحب حاجة، أياً كان اسمه أو وضعيته، بخاصة أنه لم يقدمه كشخص مفرط في مثاليته، فمثل هذا النوع لا يوجد على الأرض، وإن كانت الحدود الدنيا من المثالية مطلوبة لتصبح الحياة رائعة، أو في الأقل، أخف وطأة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة