ملخص
تجاوز عدد الذين غادروا إسرائيل، للمرة الأولى، عدد اليهود الذين قدموا إليها بهدف الإقامة الدائمة في "أرض الميعاد"، وخلال أعوام الحرب هذه، تراجع أيضاً دعم اليهود المقيمين خارج إسرائيل، أو ما يُعرف بـ "الشتات اليهودي".
"لا تزال لدينا مهمة غير منجزة في إيران. صوتوا لي كي أكمل المهمة".
هذا بتصرف مضمون الرسالة التي يوجهها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الناخبين في الانتخابات المقبلة، ويرى بعض المحللين أن هذه الانتخابات تمثل نوعاً من الاستفتاء على قيادة نتنياهو، فهل سيتمكن الرجل الذي أمضى أطول فترة في رئاسة الوزراء في تاريخ الدولة الإسرائيلية الحديثة من العودة لمنصبه مجدداً، أم أنه سيتعرض لهزيمة تاريخية تضعه في أرشيف التاريخ؟
بعبارة أخرى، هل سيفوز نتنياهو في هذه الانتخابات أم لا؟ والإجابة عن هذا السؤال هي "لا" و"نعم" في آن، فـ "لا" لأن النظام الانتخابي الإسرائيلي صمم بطريقة لا تفرز فائزاً مطلقاً، فنتنياهو لم يحقق في أية انتخابات فوزاً يمنحه الحكم منفرداً، لكنه استطاع دائماً الاحتفاظ بمنصبه، و"نعم" لأن نتنياهو يعد حالياً الشخصية السياسية البارزة الوحيدة في إسرائيل القادرة على تشكيل ائتلاف حكومي، وتكمن براعته في قدرته على التحالف مع الجميع، حتى مع الأحزاب التي تبدو للوهلة الأولى غير مقبولة لدى كُثر.
ويتطلب تشكيل حكومة في إسرائيل الحصول على 61 مقعداً من أصل 120 مقعداً في البرلمان (الكنيست)، وتشير أحدث استطلاعات الرأي إلى أن حزب "الليكود" بزعامة نتنياهو قد يحصل على ما بين 20 و25 مقعداً، ليحافظ بذلك على موقعه بوصفه أكبر كتلة يمينية، ويتمكن من خلال التحالف مع عدد من الأحزاب اليمينية أو اليمينية المتطرفة من بلوغ عتبة المقاعد الـ61.
وبالطبع، لا يمكن لاستطلاعات الرأي والتكهنات أن تحل محل التصويت الفعلي، فقد ألقيت عملة الانتخابات الإسرائيلية في الهواء، ولا يمكن الجزم بالوجه الذي ستستقر عليه.
في الوقت نفسه، لا ينبغي إغفال أن سجل نتنياهو خلال ولايته الحالية لم يكن لامعاً إلى هذا الحد، فهو يتحدث عن مهام غير منجزة في إيران، وبالفعل لم يتمكن من تحقيق هدفه المعلن المتمثل في تغيير النظام في طهران، وإقامة حكومة إيرانية تتوافق مع رغبات إسرائيل، ومع ذلك لا يمكن إنكار نجاحه في جر الولايات المتحدة إلى حرب مباشرة ضد النظام الإيراني، فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، رفض الرؤساء الأميركيون باستمرار مطالب إسرائيل بشن هجوم على إيران، لكن دونالد ترمب غيّر هذا النهج، وأدخل الولايات المتحدة في الحرب إلى جانب إسرائيل ضد إيران.
غير أن هذا النجاح الذي حققه نتنياهو انطوى أيضاً على نتيجة سلبية، إذ انتقلت السيطرة النهائية على الحرب إلى يد ترمب الذي بات قادراً على خفض حدتها أو تصعيدها متى شاء، والنتيجة مهمة غير منجزة في إيران، وبالطبع لا توجد أية ضمانات بأن الرئيس الجمهوري سيكون مستعداً لخوض حرب شاملة مرة أخرى من أجل "إكمال المهمة"، وفق رغبة نتنياهو.
ولا تقتصر مهام نتنياهو غير المنجزة على إيران بل تمتد إلى غزة أيضاً، فقد كان من المفترض أن يقضي على "حماس" بصورة كاملة، لكن الحركة التي تمثل الفرع الفلسطيني لجماعة "الإخوان المسلمين"، لا تزال موجودة في ثلث مساحة قطاع غزة.
ولدى نتنياهو أيضاً مهمة غير منجزة في لبنان، فالجيش الإسرائيلي يسيطر حالياً على ما بين 10 و20 في المئة من الأراضي اللبنانية، لكن الآمال في توقيع اتفاق لوقف الأعمال العدائية، أو حتى إبرام سلام بين البلدين، تتضاءل يوماً بعد يوم.
ويعني احتلال جزء من الأراضي اللبنانية إبقاء قوات عسكرية في حال انتشار طويل الأمد، في وقت يخوض الجيش الإسرائيلي حرباً على جبهات عدة منذ عام 2023، ويواجه حالياً نقصاً في القوى البشرية وتراجعاً في مخزونه من الأسلحة والذخائر.
أما المهمة الأخرى غير المنجزة فتتعلق بسوريا، فقد كان نتنياهو يأمل، من خلال دعم الأقلية الدرزية في السويداء، بإخراج جزء من الأراضي السورية فعلياً من سلطة دمشق، وفي الوقت نفسه توسيع الوجود الإسرائيلي في مرتفعات الجولان، لكن أياً من هذين الطموحين لم يتحقق، فقد فضل الدروز البقاء جزءاً من سوريا، حتى وإن كانت الحكومة الحالية في دمشق واقعة تحت هيمنة مجموعات مسلحة كانت مرفوضة سابقاً.
وكان من المفترض أيضاً أن ينهي نتنياهو أمر الحوثيين في اليمن، تلك الميليشيات الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني التي دخلت حرباً لا علاقة لها باليمن من خلال إطلاق الصواريخ على إسرائيل، ومن أجل إخضاع الحوثيين قرّرت إسرائيل الاعتراف بصوماليلاند، الإقليم الانفصالي عن الصومال، دولة مستقلة، أملاً في الحصول على قاعدة عسكرية هناك لشن هجمات على الحوثيين، غير أن القائمين على إدارة الإقليم، وبعد حصولهم على الاعتراف الإسرائيلي، تراجعوا عن مسألة منح القاعدة العسكرية، وكانت حجتهم أن السماح لإسرائيل بإقامة قاعدة من هذا النوع قد يدفع دولاً عدة إلى الامتناع من الاعتراف باستقلال الإقليم الانفصالي.
وفي الضفة الغربية لنهر الأردن، يواجه مهمة أخرى غير منجزة، فقد وعد نتنياهو باستئناف مفاوضات بناءة مع السلطة الفلسطينية، أو "سلطة الحكم الذاتي" في رام الله، تمهيداً لإجراء انتخابات تتيح لسكان الأراضي المحتلة اختيار قيادتهم، بعد ما يقارب عقداً من الزمن، لكن ما شهدته الضفة الغربية، بدلاً من الانتخابات، كان تصاعد الاحتجاجات ضد الاحتلال، بالتزامن مع مواجهات عنيفة بين سكان المستوطنات اليهودية والفلسطينيين المقيمين في المناطق المحيطة بها، وفي أحد خطاباته الأخيرة، وصف نتنياهو الأوضاع في الضفة الغربية بأنها "حال حرب".
أما على صعيد السياسة الداخلية فلدى نتنياهو أيضاً عدد من المهام غير المنجزة، وأبرزها مشروعه لتغيير النظام القضائي الإسرائيلي وتقليص صلاحيات المحكمة العليا التي تستطيع إبطال بعض التشريعات الصادرة عن الكنيست، ونظراً إلى أن إسرائيل لا تمتلك دستوراً مكتوباً موحداً، فقد أدت المحكمة العليا دوراً مهماً في كبح تجاوزات السلطة التشريعية، ومن شأن تقليص صلاحياتها القانونية أن يعرّض إسرائيل لخطر فرض ديكتاتورية متعددة الأحزاب، ومع ذلك يرى نتنياهو أن هذا التقليص ضرورة حيوية.
وتتمثل مهمة داخلية أخرى غير منجزة في مشروع إلزام الشباب المنتمين إلى الطائفة اليهودية الحريدية بالخدمة في الجيش والأجهزة الأمنية، إذ يشكل الحريديم، الذين يوصفون أحياناً بصورة أراها غير منصفة، بأنهم "يهود متطرفون"، ما بين 10 و12 في المئة من سكان إسرائيل، ويعتبرون المشاركة في العمليات العسكرية أمراً محرماً دينياً.
وفي الوقت نفسه، فإن اقتصار حياتهم على إطار ديني وطائفي شبه مغلق أدى عملياً إلى نشوء اقتصاد موازٍ، يستفيد من ثمار التقدم الاقتصادي الاستثنائي الذي حققته إسرائيل، من دون أن يقدم مقابلاً يذكر، وقبل نحو 10 أعوام، أعلن نتنياهو أن إجراء مراجعة جذرية لأوضاع العرب في إسرائيل يمثل إحدى أولوياته، وفي البداية نشأت آمال بأن يندمج هؤلاء العرب بصورة أوسع داخل المجتمع الإسرائيلي، من خلال عملية تبادل ثقافي وسياسي واقتصادي واسعة النطاق، إذ يشكل العرب الإسرائيليون قرابة 20 في المئة من سكان البلاد البالغ عددهم 10 ملايين نسمة، لكن حصتهم من الاقتصاد الوطني لا تتجاوز اثنين في المئة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وخلال الانتخابات الحالية، نجحت جميع الأحزاب الممثلة للعرب في إسرائيل في خوض المنافسة ضمن تحالف غير مسبوق، أملاً في الحصول على 10 مقاعد في الأقل داخل الكنيست، مما يتيح لها أداء دور حاسم في تحديد النتيجة بين الكتلة "اليمينية" التي يقودها نتنياهو، والكتلة "اليسارية" بقيادة غادي آيزنكوت.
وقبل عقد من الزمن بدا احتمال حصول نتنياهو على دعم العرب الإسرائيليين، ولا سيما الدروز والمسيحيين، أمراً جدياً، إذ كان هؤلاء يعتقدون أن "اليسار" اليهودي لا يقدم سوى وعود لا تتحقق، أما اليوم فإن الغالبية الساحقة من العرب تقف في المعسكر المناهض لنتنياهو، ومن المرجح أن يدلي الناخب الإسرائيلي بصوته بعد تقييم مجمل سياسات نتنياهو، وفي تقديري لن يكون للهجمات الشخصية ضد نتنياهو، بما فيها اتهامات الفساد أو تجاهل المعلومات المتعلقة باحتمال وقوع هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تأثير كبير في خيارات الناخبين.
لكن هناك حقائق لا يمكن تجاهلها، فقد مرت أعوام من الحروب على جبهات عدة من دون أن تحقق انتصاراً حاسماً، بل أدت إلى زيادة الضغط على الموارد الاقتصادية والعسكرية للبلاد إلى مستويات غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه تجاوز عدد الذين غادروا إسرائيل، للمرة الأولى، عدد اليهود الذين قدموا إليها بهدف الإقامة الدائمة في "أرض الميعاد"، وخلال أعوام الحرب هذه تراجع أيضاً دعم اليهود المقيمين خارج إسرائيل، أو ما يُعرف بـ "الشتات اليهودي".
ووفق تقديرات تحظى بقبول واسع، كانت إسرائيل تتلقى سنوياً ما يقارب مليار دولار من الاستثمارات أو المساعدات غير المستردة من يهود الشتات، لكن هذا الرقم سجل انخفاضاً بنحو 50 في المئة خلال عام 2025، والأسوأ من ذلك أن المعارضة لسياسات نتنياهو، وما ترتب عليها من فتور في الارتباط العاطفي بـ "أرض الميعاد"، تصاعدت بين اليهود الأميركيين، ومن مؤشرات هذه الظاهرة الدعم غير المتوقع الذي قدمه يهود نيويورك لانتخاب زهران ممداني، أول عمدة مسلم للمدينة.
وعلى الساحة الدولية، فقدت إسرائيل أيضاً بعض أصدقائها التقليديين، فهولندا التي كانت تعد أكثر دول العالم تعاطفاً مع اليهود، باتت تظهر اليوم بموقف مناهض لإسرائيل، إن لم نقل مناهضاً لليهود، أما العلاقات الإسرائيلية مع أيرلندا وإسبانيا فقد انقطعت عملياً، وفي أميركا اللاتينية طردت كولومبيا الدبلوماسيين الإسرائيليين، وبلغ فتور العلاقات الإسرائيلية مع ألمانيا وفرنسا والبرتغال وعدد من الدول الأفريقية، جنوب الصحراء، ومنها نيجيريا، درجة يمكن وصفها بأنها شتوية.
كانت "اتفاقات أبراهام" التي وضعت الإمارات والبحرين والمغرب ضمن الدول الصديقة لإسرائيل، تُعد نجاحاً كبيراً لترمب، لكن العلاقات الإسرائيلية مع هذه الدول تراجعت اليوم إلى مستويات متدنية للغاية، ولم تتحقق الآمال المعقودة على النمو السريع للتبادل التجاري والعلمي والسياحي، بل على العكس، وكما رأينا خلال حادثة اختطاف الطائرة الأخيرة في دبي، فإن هؤلاء الأصدقاء الجدد قد يتحولون إلى مصدر تهديد جديد للأمن الإسرائيلي.
تواجه إسرائيل اليوم تحديات كبرى، وربما تحتاج إلى إعادة تعريف بعض جوانب حياتها الوطنية، ويستعيد بعض الإسرائيليين بحنين أعواماً كانت فيها مستوطنات "الكيبوتس" ترسخ العلاقة المباشرة بين المواطن والأرض والوطن، وهي مرحلة لم تكن فيها الفوارق الطبقية قد بلغت حدتها الحالية، وكان العمال يشاركون بصورة مباشرة في اتخاذ القرارات السياسية الكبرى، من خلال اتحادهم النقابي الواسع، "الهستدروت".
في تلك الحقبة، لم تكن إسرائيل مجرد دولة، بل كانت تعد مشروعاً يحمل فكرة ومثالاً أعل، ولا شك في أن عقارب الساعة لا يمكن إعادتها للوراء بالحنين أو استحضار الماضي، لكن الحنين قد يذكر بالخطوط التي جعلت إسرائيل تقدم نموذجاً للديمقراطية، والتعلق بالأرض، والحماسة للبناء والتعمير.
لدى إسرائيل اليوم مهام كثيرة غير منجزة، لكن هذه المهام ليست بالضرورة جزءاً من مهام نتنياهو غير المنجزة.
نقلا عن "اندبندنت فارسية"
الآراء الواردة في هذه المقالة تعبر عن رأي الكاتب، ولا تعكس بالضرورة سياسة أو موقف "اندبندنت عربية".