Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكايات "حجازي"... أحوال مصر بالكاريكاتير

معرض فني في القاهرة يرصد أبرز أعمال الفنان الشهير منذ 15 عاماً

لوحة الفنان رضا خليل من وحي أعمال حجازي ويظهر جالساً مع الشيخ إمام (معرض حكايات حجازي)

ملخص

بمناسبة مرور 15 عاماً على رحيل فنان الكاريكاتير حجازي الذي يُعد من أيقونات فن الكاريكاتير المصري يقام معرض لأعماله التي عكست تحولات عدة شهدها المجتمع المصري منذ بدايات ظهور أعماله في الصحافة نهاية الخمسينيات وحتى رحيله، وإضافة إلى الكاريكاتير فإن تجربته الرسم للأطفال لا تقل أهمية وتشكل جزءاً من ذكريات أجيال من الوطن العربي كله.

تجربة فنية فريدة قدّمها حجازي الذي يمثل إحدى علامات فن الكاريكاتير في مصر من خلال مدرسته الفنية ذات العلامة المميزة التي يستطيع الناس تمييزها من دون حتى النظر إلى التوقيع، فأسلوبه الفني المتفرد وخطوطه التي تحمل شخصية فنية خاصة لا تزال حاضرة حتى بعد مرور 15 عاماً على رحيل صاحبها الذي تحل ذكراه هذا الشهر، وبهذه المناسبة يقام معرض فنيّ لاستعادة أعماله، يضم مجموعة من الرسوم التي قدمها خلال فترات مختلفة من مسيرته.

ولد أحمد إبراهيم حجازي في الـ13 من مايو (أيار) عام 1936، وأمضى فترة طفولته في مدينة طنطا (شمالي القاهرة)، حيث تلقى تعليمه المدرسي، ثم انتقل إلى القاهرة، ليبدأ مسيرته الفنية، وفي أواخر الخمسينيات نشرت رسومه في مجلة "روز اليوسف"، ولاحقاً في مجلة "صباح الخير"، ولاقت نجاحاً كبيراً، وفضلاً عن أسلوبه الفني المميز كان دائماً في أعماله ينحاز إلى الفقراء والبسطاء والمهمشين، يشعر بهم ويناقش همومهم، وكان دائماً صوتاً لهم وهم أبطال رسومه، واهتم برصد الواقع الاجتماعي والتعبير عنه، ومحاولة البحث عن الأسباب والنتائج وطرح الأسئلة بريشته وأسلوبه البسيط المتميز الذي يصل إلى كل أطياف المجتمع.

 

شخصيات حجازي على مدى تاريخه كانت انعكاساً للمواطن المصري البسيط، وبعضها أصبح أيقونات مثل لوحته "الموناليزا المصرية" التي قدّم فيها الفلاحة المصرية بزيّها التقليدي ومنديل رأسها ومن خلفها النيل والأهرامات. ويمكن النظر إلى رسوم حجازي على أنها التعبير البصري والفني عن واقع المجتمع المصري، وحالياً بعد مرور أكثر من نصف قرن عليها أصبحت تمثل نوعاً من أنواع التأريخ للواقع الاجتماعي والسياسي عبر رؤية حجازي وأفكاره التي حاول أن يعكسها من خلال أعماله التي توافقت أو اختلفت بحسب الوضع الذي كان سائداً، باعتبار أن المجتمع المصري شهد كثيراً من التغيرات أثناء هذه الحقبة.

حجازي... الرسمة مصرية

إلى حد كبير تلاقت أفكار حجازي مع التوجه الذي كان سائداً في الخمسينيات خلال عهد عبدالناصر مع الدعوات إلى العدالة الاجتماعية والمفاهيم التي انتشرت وقتها، بينما اختلفت مع حقبة السبعينيات إذ تغير  المشهد مع سياسات الانفتاح الاقتصادي التي شهدت أوجها في هذه الفترة وما تبعها وتأثيراتها في المواطن المصري، مروراً بحقبة الثمانينيات وما سادها من أحداث وتغيرات، فكانت أعمال حجازي دائماً تهدف إلى التعبير عن المواطن البسيط، وتضع على عاتقها أن تكون صوتاً له يجعله يشعر بأن هناك من يعبّر عن معاناته، وكان يأمل أن تكون جرس إنذار للمسؤولين ومتخذي القرار، لعلها تكون وسيلة تنبههم للواقع الذي يعيشه الناس والأزمات التي تلاحقهم.

 

وعبّر حجازي عن الأزمات الاقتصادية ومشكلات اجتماعية متعددة، وعكس قضايا النساء وهمومهن في رسومه على مدى عقود، ولم ينفصل عن الأزمات السياسية الكبرى التي كان لها حضور في أعماله سواء المحلية أو العالمية، باعتبارها هماً إنسانياً غالباً ما يمتد أثره إلى عموم الناس بصور مختلفة.

المعرض الحالي المقام في "غاليري خان المغربي" تحت عنوان "حجازي.. حكايات لا تنتهي" يضم لوحات من أعمال الفنان الراحل جرى جمعها من مصادر متعددة، جزء منها من أسرته وجزء آخر من مقتنيات أصدقائه وبعضها من متحف الكاريكاتير في الفيوم ومن صحيفة "العربي"، وتُعد من آخر الأعمال التي نشرت له.

يقول فنان الكاريكاتير سمير عبدالغني، منسق المعرض، "نحاول استعادة تاريخ أحد أهم رسامي الكاريكاتير في مصر، ويمكن أن نقول عنه إنه من أيقونات الكاريكاتير ليس في مصر فقط بمدرسته الفنية الفريدة، حجازي آتٍ من مدينة طنطا من قلب المجتمع المصري حيث نشأ وتعامل مع المجتمع وانعكس هذا بصورة كبيرة على فنه، فشخصياته التي نراها في رسومه هي لأفراد نشأ بينهم ولسيدات مصريات بسيطات ولأطفال صغار بأحلامهم، ولهذا حتى الآن نشعر بأنه يمثلنا ونرى أنفسنا من خلال شخصياته، لأنها آتية من قلب المجتمع والناس وموجهة إليهم، فحجازي كان يأتي بأفكاره من داخله ولم يسعَ أبداً إلى تقليد أحد أو التوجه نحو مدارس فنية لا تمثلنا، فبعض رسامي الكاريكاتير خلال عصر حجازي وبعده تأثروا بشدة بالمدارس الغربية، لكن حجازي في رسومه وأفكاره كان مصرياً حتى النخاع".

 

يضيف عبدالغني، "عندما نتأمل رسوم حجازي في حقبة الستينيات وحتى الثمانينيات نجد أنها لا تزال تعبر عن المشكلات نفسها وتصلح للنشر اليوم وكأنها تعبر عن الحاضر لا عن زمن مضى، فلم يكُن يرسم الكاريكاتير بغرض الفكاهة أو الضحك، لكنه كان يعبر عن المشكلة ليراها المسؤول ويعرف أبعادها ويشاهدها المواطن، فيجد أن هناك من يعبر عنه، لكنه كان كثيراً ما يشعر بالإحباط عندما يكتشف أن لا جدوى وأن المشكلات لا تُحل والواقع لا يتغير، فرسومه كانت تُعد أسئلة تبحث عن إجابات تدفعنا للتحرك إلى الأمام والبحث عن حلول".

ويتابع منسق المعرض، "حجازي كان موسوعي الثقافة وعلى وعي كبير بالقضايا المهمة في مصر وفي العالم، مما يظهر بصورة كبيرة من خلال رسومه التي على رغم بساطة خطوطها، فإنها تحمل قضايا فكرية كبيرة، مما نُعده السهل الممتنع، كما أن عمله في مجلتي (صباح الخير) و(روز اليوسف) اللتين كانتا من الأشهر والأكثر تأثيراً أتاح له التواصل مع كبار الكتاب والمثقفين".

حجازي وعالم الأطفال

لم تقتصر تجربة حجازي على رسوم الكاريكاتير، لكنّ فصلاً مهماً منها كان في تجربته الرسم للأطفال، فرسم شخصياته الشهيرة "تنابلة الصبيان" في مجلة "سمير"، وكان مؤثراً في مجلة "ماجد" منذ بداياتها، إذ قدم شخصيات مثل "ذكية الذكية" و"فضولي" الذي يختفي بين صفحات المجلة ليبحث عنه الأطفال خلال تصفحها ولا يزالون يبحثون عنه حتى اليوم، كذلك عمل حجازي في مجلة "ميكي" لفترة مع بداية ظهورها في مصر خلال الستينيات من القرن الماضي.

 

وشخصيات حجازي المميزة التي قدمها إلى الأطفال في عدد من المجلات مثلت النافذة الأولى التي أطلّ منها كثير من الأطفال في العالم العربي على عالم الفن، فما بين مجلة "سمير" المصرية و"ماجد" الخليجية اجتمع أطفال العالم العربي حول شخصيات أحبوها وتركت فيهم أثراً كبيراً.

وعن تجربة حجازي في الرسم للأطفال، يقول عبدالغني "مع الأعوام ومع حالات متعددة من الإحباط تعرض لها حجازي، قرر أن يتوقف عن رسوم الكاريكاتير، واتجه للرسم للأطفال ليبث لهم قيم الحرية والعدالة وحب التعلم التي كان يحاول دائماً أن يبثها ضمن أعماله الكاريكاتيرية، فكانت شخصياته المقدمة إلى الأطفال تدفع نحو تبني قيم معينة أو التحرر من أفكار وسلوكيات سلبية، فمثلاً من شخصياته الأشهر للأطفال (تنابلة الصبيان) التي رسمها لمجلة (سمير)، وهي شخصيات يدعو من خلالها بأسلوبه المميز إلى التحرر من الكسل والدعوة إلى الاجتهاد والعمل بصورة غير مباشرة يصل إلى الأطفال بسهولة ويدفعهم إلى فعل معين، وهكذا في باقي شخصياته التي قدمها للأطفال فهي تحمل أفكاره نفسها التي كان يسعى إلى تقديمها للكبار، لكن بصورة سهلة وسلسة للصغار".

 

ويردف عبدالغني أن "حجازي كان مؤمناً بما يقدمه، وكان الرسم متعته الشخصية، كان هدفه الأساس أن تصل أفكاره إلى الناس وتجد صدى لديهم، ومثل هذه المعارض حالياً لها أهمية كبيرة، إذ إنها فضلاً عن قيمتها الفنية، تعرف الأجيال الجديدة إلى فنانين تركوا أثراً وبصمة في مجالات متنوعة وأثروا الساحة الفنية المصرية بأعمال تزداد قيمتها وأهميتها مع الزمن".

حكاية حجازي لم تنتهِ

ولم يقتصر المعرض على أعمال حجازي، إنما قدمت مجموعة من الفنانين أعمالاً استلهموها من وحي تجربته الفنية كتحية للفنان الراحل وتقديراً لأعماله، من بينهم محمد عبلة وسعيد بدوي وعمرو سليم وأدهم شاكر وإنجي محمود وآمال سمير، وجاءت الأعمال التي قُدمت متنوعة فاستلهم بعضهم من شخصيات حجازي التي رسمها على مدى مسيرته، وقدّمه بعضهم الآخر في سياق معين يعبّر عن عالمه، وجمعت بعض الأعمال تكوينات متنوعة من أعماله وقدمتها في سياق مترابط.

 

ومن بين الفنانين المشاركين في المعرض الذين قدموا أعمالاً من وحي الراحل حجازي الفنان رضا خليل الذي يوضح "منذ طفولتي كانت أسرتي حريصة على متابعة مجلة (صباح الخير) التي كانت تنشر فيها أعمال حجازي، فنشأت على متابعته وأثّر في تكويني الفني لاحقاً، وكانت تدهشني خفة دمه وطلاقته وأسلوبه الذي يمكن اعتباره السهل الممتنع، فهو يعبّر عن الفكرة بأسهل الخطوط الممكنة على رغم أن أفكاره شديدة العمق، كما أن وجوه شخصيات حجازي التي نشاهدها في أعماله نشعر بأنهم أشخاص نعرفهم ونراهم حولنا ويعبرون عنا".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف خليل، "عندما جاءت فكرة أن نرسم عملاً من وحي أعمال حجازي تجنبت أن أقدم تصوراً جديداً لشخصيات حجازي المعروفة أو شيئاً مستنسخاً من أعماله، فحاولت تقديم عمل مرتبط بعصر حجازي ورموزه، فرسمت لوحة تجمعه مع الشيخ إمام، باعتبار أن كلاً منهما عبّر عن هموم ذلك العصر لكن بطريقة مختلفة، فحجازي عبر بالريشة وإمام بصوته وفنه، وسابقاً حدث تقاطع بينهما إذ رسم حجازي من وحي أعمال للشيخ إمام منتقداً القطط السمان، وهو تعبير ظهر خلال السبعينيات ليعبّر عن وضع كان سائداً حينها، كما أن كلاً منهما آتٍ من وسط الناس وهما من أبناء الشعب البسيط الذي عبّرا عنه بفنهما".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة