"داعش" يهدد الأكراد الكاكائيين في العراق

أكثر من 50 عائلة لجأت إلى مدينتي أربيل والسليمانية بعد تلقيها تحذيرات وتهديدات

عنصر من قوات البيشمركة الكردية في مدينة كركوك العراقية (أ.ف.ب)

تداول الناشطون ووسائل التواصل الاجتماعي في إقليم كردستان العراق أنباءً عن نزوح العشرات من العائلات الكردية من أبناء الديانة الكاكائية، من منطقة داقوق التي تقع جنوب غربي مدينة كركوك، والعديد من القرى المحيطة بها، التي تقع ضمن المناطق المتنازع عليها بين الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق. إذ ذكرت هذه الأنباء بأن أكثر من 50 عائلة من تلك المناطق لجأت إلى مدينتي أربيل والسليمانية، بعد تلقيها تحذيرات وتهديدات بأن تنظيم "داعش" الإرهابي سيجتاح القرى الكاكائية عما قريب.

أوضاع مقلقة

كانت مناطق الكاكائيين قد تعرضت لعمليات قصف شديدة في أواخر يوليو (تموز) الماضي، بعدما كانت القلاقل الأمنية تقتصر على العمليات الفردية. عملية القصف بالقذائف الصاروخية استهدفت قرية طوبزاوا الكاكائية، واستمرت لأكثر من ساعة كاملة، وأدت إلى تدمير مركز القرية والعديد من البيوت السكنية، بعدما كان المدنيون قد هجوا من القرية.

بعد ذلك الحادث الاستثنائي بيوم واحد، كان هجوم بالمدفعية وصواريخ الهاون يستهدف قرية الافتخار (جفتغار باللغة الكردية)، أوقع ضحية واحدة وأدى إلى جرح أثنين آخرين من المدنيين الكاكائيين. الجهات الأمنية قالت عن تلك الحوادث بأنها عمليات انتقامية من قبل الخلايا النائمة من تنظيم "داعش"، إلا أن تكرارها شكل مؤشراً إلى قوة التنظيم في تلك المناطق.

توقفت تلك العمليات مؤقتاً منذ ذلك الحين، إلى أن عادت بشكل آخر تماماً. فيوم الاثنين، في 12 أغسطس (آب)، تعرضت القرى الكاكائية في قضاء داقوق لهجوم بري مسلح من مقاتلي "داعش"، قالت القوات الأمنية العراقية بأنها تصدت لهم، وأن اثنين من عناصر الشرطة الاتحادية ذهبوا ضحية ذلك الهجوم، الذي لم يتمكن من السيطرة على أي من تلك القرى حتى الآن. إلا أن الجهات الأمنية لم تُشر إلى اعتقال أي من أعضاء التنظيم أو الإشارة إلى الشبكة التي يعملون منها.

الناشط المدني الكاكائي خليل حمه وريا أكد لـ"اندبندنت عربية" بأن حالة من الخوف تسيطر على أبناء الديانة الكاكائية في معظم مناطق داقوق، مذكراً بأن عدم نجاح هجمات "داعش" حتى الآن لا يعني بأن البنية الاجتماعية في تلك المنطقة مطمئنة، فمجرد استمرار الهجمات ووقوع الضحايا بشكل شبه أسبوعي يدفع الكاكائيين للخشية على استقرارهم ومناطقهم وحياتهم.

ويشير وريا إلى أن أكثر من 20 مدنياً لاقوا حتفهم منذ بداية العام الحالي، وأن الهجمات المسلحة وحرق الأراضي والخلايا النائمة تحتاج إلى حلول جذرية حتى يطمئن الكاكائيين، وأن هذه تتطلب تعاوناً وثقة بين الحكومة المركزية ونظيرتها في إقليم كردستان العراق.

ظرف سياسي معقد

تدهورت الأوضاع الأمنية في كامل محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها اعتباراً من خريف 2017، بعدما تمكنت قوات الجيش العراقي وفصائل الحشد الشعبي من إعادة هيمنتها على تلك المناطق، التي كانت تحت سيطرة قوات البيشمركة الكردية طوال سنوات سيطرة "داعش" على وسط وغرب العراق (2014-2017).

بخروج قوات البيشمركة اختل توازن القوى في تلك المناطق المختلطة، لغير مصلحة الأكراد، الذين صارت قواعدهم الاجتماعية من دون أي مؤسسات عسكرية أو أجهزة أمنية تستطيع أن تحفظ أمنهم، بعدما كانت تلك المناطق تدار بالتوافق بين القوى الكردية ونظيرتها المركزية منذ عام 2003.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مصادر قريبة من وزارة البيشمركة الكردية ذكرت لـ"اندبندنت عربية" بأن الوزارة عقدت عشرات الاجتماعات مع وزارة الدفاع العراقية، بغية التوافق لتشكيل قوات عسكرية وأمنية مشتركة لتلك المناطق، إلا أن الطرف العراقي يتنصل من تلك التوافقات كل مرة، ويسعى إلى تعزيز قوة فصائل الحشد الشعبي وشرعنة هيمنتها على تلك المناطق، من دون إيجاد حلول موضوعية حقيقية للواقع الأمني المعقد فيها.

مسؤولون أمنيون أكراد كانوا قد ذكروا لوسائل إعلام محلية بأن العديد من عناصر تنظيم "داعش" السابقين انضموا إلى صفوف فصائل من الحشد الشعبي، مثل قوات بدر وعصائب أهل الحق، خصوصاً في المناطق ذات الغالبية الكردية من محافظتي ديالى وكركوك، مثل جلولاء وكفري وداقوق. وذكر هؤلاء بعض الأسماء التي كانت ذات مراكز قيادية في "داعش"، وغدت فعالة في فصائل الحشد الشعبي، وتقوم بقصف المناطق والقرى الكردية، ذات الغالبية الكاكائية تحديداً، حتى تحدث فزعاً عاماً في المناطق الكردية.

الكاكائيون الخائفون

إضافة إلى الهاجس الأمني، فإن أبناء الأقلية الدينية الكاكائية يملكون خشية مضاعفة من "داعش" والتنظيمات الراديكالية المتطرفة الأخرى، التي تكفرهم وتُحلل قتلهم وسبيهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، مثلما فعلت بأبناء الديانة الأيزيدية في مثل هذا اليوم من صيف عام 2014.

تقول المرويات والدراسات التاريخية والأنثروبولوجية المتخصصة بالأديان القديمة، بأن الكاكائية تعود أصول انبعاثها إلى أكثر من خمسة آلاف عام. ويضيفون بأنها واحدة من فروع الديانة الميثرائية، التي تؤمن بوحدة الخالق ودعوته إلى البشر لتطبيق الطهارة والصدق والتسامح والتضحية.

تقدر أكثر الدراسات موضوعية أعداد الكاكائيين بحوالى 250 ألف نسمة، ينتشرون بكثافة في إيران والعراق وعدد من دول آسيا الوسطى. ثمة طيف من القرى الكاكائية يمتد من أقصى شرق العراق في مناطق حلبجة والسليمانية، وغرباً نحو مناطق طوزخورماتو وخانقين وهورمان وداقوق وحتى سهل نينوى في أقصى شمال غربي مدينة الموصل. وقد كانت العديد من العائلات الكاكائية هاجرت نحو مدينة بغداد منذ قرابة القرن، وسكنت العديد من أحياء المدينة.

تمكن الكاكائيون من حماية أنفسهم ومناطقهم من التحولات السياسية والأمنية التي شهدها العراق طوال العقود الماضية، فلم يشكلوا أي تنظيمات حزبية أو عسكرية خاصة بهم، وكانوا على الدوام يوالون السلطة المهيمنة، كي لا يتعرضوا لحملات تهجير ونفي جماعية، كما فعلت مختلف السلطات العراقية بحق الجماعات والأديان الصغيرة في العراق.

المزيد من العالم العربي