Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مع تزايد خطر "داعش – خراسان"... ما بدائل أميركا لمواجهته؟

فشلت جهود واشنطن في إيجاد مكان قريب يمكّنها من ملاحقة الإرهابيين في أفغانستان

يعتقد المحللون أن الوجود الأفغاني لـ "داعش" ربما يمثل التهديد الأجنبي الأكثر قوة بالنسبة إلى أميركا (أ ف ب)

فيما كان أعضاء الكونغرس الأميركي يواصلون المساءلة والتدقيق حول ما إذا كانت إدارة الرئيس جو بايدن اتخذت القرار الصحيح بالانسحاب الكامل من أفغانستان وإنهاء أطول حرب في تاريخ البلاد، فوجئ الجميع بجرس إنذار أطلقه كولين كال، وكيل وزارة الدفاع الأميركية للشؤون السياسية بأن تنظيم "داعش – خراسان" في أفغانستان على بعد 6 إلى 12 شهراً من تهديد الولايات المتحدة في الداخل أو الخارج، وهي أقصر فترة زمنية يطلقها مسؤول في البنتاغون حول هذا التهديد، فما الخطر الذي يمثله "داعش – خراسان"؟ ولماذا عجزت واشنطن عن ملاحقته؟ وكيف يمكن لها أن تواجه هذه المعضلة؟

تقدير كئيب

في يوليو (تموز) الماضي، حذّر جون غودفري، القائم بأعمال المبعوث الأميركي الخاص إلى التحالف الدولي لهزيمة "داعش"، أن هذا التنظيم الإرهابي لا يزال يمثل تهديداً خطيراً للولايات المتحدة وحلفائها حول العالم، وأنه يتفق مع المسؤولين العسكريين على أن هذه المجموعة يمكن أن تعيد بناء قدراتها في غضون عامين، لكن هذا التقييم كان قبل الانسحاب النهائي للقوات الأميركية وانهيار قوات الأمن الوطني الأفغانية في أغسطس (آب)، ما أدى إلى سيطرة حركة "طالبان" على البلاد، ويبدو أن هذه التقديرات كانت متفائلة إلى حد بعيد، إذ تسلّط التهديدات التي يشكلها تنظيما "داعش" و"القاعدة"، الضوء من جديد على حالة عدم اليقين التي تحيط بالمخاطر الإرهابية المستقبلية انطلاقاً من أفغانستان.

وبحسب أحدث معلومات أجهزة الاستخبارات الأميركية، قدّم كولين كال وهو أحد كبار المسؤولين المدنيين في البنتاغون تقييماً كئيباً في جلسة استماع أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ حين أوضح أن "داعش –خراسان"، يُمكن أن يطور قدراته لشن هجمات خارجية في غضون 6 إلى 12 شهراً، بينما يمكن لتنظيم "القاعدة" الذي يحتفظ بملاذات آمنة في أفغانستان الآن تحت سيطرة حليفته "طالبان"، أن يتمتع بهذه القدرة في غضون عام أو عامين.

ويظهر هذا التقييم الكئيب مخاوف خبراء الأمن القومي الناشئة من أفغانستان بعد عقدين من الحرب والانسحاب الفوضوي للقوات الأميركية في 30 أغسطس الماضي، فعلى الرغم من تعهدات إدارة بايدن بإبقاء حال اليقظة والمتابعة على رأس أولويات مواجهة التهديدات الإرهابية، فإن الولايات المتحدة لم تقُم بعد بتحديد استراتيجية واضحة لملاحقة العناصر الإرهابية المتبقية داخل البلاد.

محاولات فاشلة

وبدلاً من ذلك، حاولت إدارة بايدن من دون جدوى على مدى أشهر عدة، تأمين قواعد قريبة لنشر طائرات الدرون المسلحة وقوات مكافحة الإرهاب للتحرك بسرعة عند الضرورة داخل أفغانستان وخارجها، ذلك البلد القاري الذي لا يطل على سواحل، وذلك ضمن نهج الإدارة الأميركية بتوجيه ضربات من أماكن بعيدة، أُطلق عليه "سياسة عبر الأفق"، التي تعتمد على المعلومات الاستخبارية التي يجري جمعها بشكل كبير عبر الاستطلاعات المحمولة جواً، ومراقبة الاتصالات الهاتفية واللاسلكية التي يجري التقاطها، وغيرها من المعلومات التي تُجمع وتُحلل بانتظام.

فقد سعت واشنطن إلى إيجاد موطئ قدم لها في عدد من القواعد القريبة في دول مجاورة لأفغانستان مثل أوزبكستان وطاجيكستان، وزارت ويندي تشيرمان، نائب وزير الخارجية عاصمة أوزبكستان في وقت سابق من هذا الشهر، لبحث إمكانية الحصول على امتيازات أميركية، لكن فكرة الوجود العسكري الأميركي في أي من الدولتين السوفياتيتين السابقتين، لاقت معارضة شديدة من روسيا وحلفائها في حكومتي الدولتين.

خيارات محدودة

ومع عدم وجود خيار آخر، تحلق طائرات الدرون الأميركية من منطقة الخليج العربي، بشكل أساسي عبر قاعدة الظفرة الجوية في الإمارات العربية المتحدة، وهي مهمة تستغرق من 6 إلى 8 ساعات من الطيران كي تدور حول إيران وعبر باكستان قبل أن تصل في النهاية إلى الأراضي الأفغانية، لتنفذ المهمات المنوطة بها قبل أن تعود أدراجها مرة أخرى في الرحلة الطويلة ذاتها إلى قواعدها، وهو ما يجعل هذه الاستراتيجية متعثرة بسبب طول المسافات والإرهاق الذي تسببه للعسكريين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلاوة على ذلك، فإن تحليق طلعات جوية أميركية فوق باكستان التي ترتبط بعلاقات شائكة مع الولايات المتحدة في الوقت الحالي بسبب تحالف أميركا مع خصمتها اللدود الهند، يظل مرهوناً بموافقة إسلام آباد، التي تسعى حالياً إلى إبرام مذكرة تفاهم ذات طابع رسمي مع واشنطن بغرض الحصول على شيء مقابل الخدمات التي تقدمها، ولا يزال من غير الواضح مدى تعاون باكستان مع الولايات المتحدة وعدم العمل سراً لتقويض مهماتها.

ولرصد تهديدات "داعش – خراسان" و"القاعدة" في أفغانستان، اعترف قبل أسابيع عدة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، وكذلك رئيس القيادة المركزية الأميركية الجنرال كينيث ماكنزي، بأنها مهمة صعبة، وأنهم يبذلون جهوداً لمكافحة الإرهاب من الخليج، كما أثار أعضاء مجلس الشيوخ خلال جلسة استماعهم إلى شهادات مسؤولي البنتاغون، مخاوف من أن تقييمات أجهزة الاستخبارات ستكون أضعف من دون وجود القوات الأميركية على الأرض في أفغانستان.

ومنذ الانسحاب، ضرب المحللون والمشرعون وغيرهم من النقاد مثالاً على الأخطاء التي تقع بها طائرات الدرون، بالهجوم الخاطئ الذي شنّته طائرة درون أميركية في الأيام الأخيرة من انسحاب الولايات المتحدة والذي قتل بطريق الخطأ عامل إغاثة ومدنيين آخرين، ما يُظهر القيود الجديدة المفروضة على قدرات مكافحة الإرهاب الحالية.

أكبر تهديد

ويعتقد المحللون في الولايات المتحدة بأن الوجود الأفغاني لتنظيم "داعش" ربما يمثل التهديد الأجنبي الأكثر قوة بالنسبة إلى أميركا، حيث يشير كولين كلارك، الباحث في شركة "صوفان غروب" وهي شركة خاصة تقدم خدمات استخبارية، إلى أن تنظيم "داعش- خراسان" هو الأكثر قدرة على تدبير مؤامرة يمكن أن تشكل تهديداً حقيقياً للوطن الأميركي، بينما تتمتع الجماعات الأخرى التابعة لـ"داعش"، بما في ذلك في منطقة غرب أفريقيا ووسطها، بقدر من الزخم لكنها تركز بشكل أكبر على القضايا المحلية.

ويقول بيل روجيو، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، الذي وضع خريطة مفصلة للتهديدات الإرهابية في أفغانستان وحولها، إن جميع فروع "القاعدة" و"داعش" لديها القدرة على تخطيط الهجمات وتنفيذها، لكن "القاعدة" في وضع أفضل بكثير مع ملاذها الآمن داخل أفغانستان، في حين أن "داعش –خراسان" يقاتل من أجل البقاء ضد "طالبان" و"القاعدة".

ولم يستبعد سيث جي جونز، المتخصص في شؤون أفغانستان بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن أن يشن "داعش- خراسان" هجمات على الولايات المتحدة، بخاصة أن رحيل الكوماندوز الأفغان ورحيل الجيش الأميركي، سيمنحه مجالاً لالتقاط الأنفاس. وعلى الرغم من انخفاض الترتيب العام للتنظيم في الأعوام الأخيرة، فإنه احتفظ بخلايا من المقاتلين السريين الذين نفذوا هجمات إرهابية.

خطر "داعش" المتزايد

وعلى الرغم من أن تنظيم "داعش – خراسان" لم يشن هجمات ضد الولايات المتحدة، فإنه مسؤول عن ما لا يقل عن 250 اشتباكاً مع القوات الأميركية في الخارج بين 2017 و2018، وفقاً لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، كما كان التنظيم مسؤولاً عن نحو 100 هجوم ضد مدنيين أفغان وباكستانيين.

وقتل أحد عناصره أكثر من 100 أفغاني و13 جندياً أميركياً في مطار كابول خلال المراحل الأخيرة من الانسحاب الأميركي في أغسطس، بينما يواصل شن حملة من الهجمات الانتحارية في جميع أنحاء أفغانستان، مستهدفاً المجتمع الشيعي في البلاد، حيث فجّر عناصر التنظيم مسجداً في كابول وجنازة لـ"طالبان" وبعد أيام قليلة، نفذوا هجوماً آخر على مسجد شيعي في شمال البلاد فقتلوا وأصابوا العشرات، وفي مايو الماضي، هاجمت الجماعة مستشفى للولادة في كابول، مما أسفر عن مقتل 24 شخصاً، من بينهم أطفال وأمهات، كما أعلنت مسؤوليتها عن الهجمات على مراكز الانتخابات وقوات الأمن خلال الانتخابات البرلمانية الأفغانية.

قيادة أكثر تطرفاً

وإلى جانب وجود أهداف لدى "داعش" لإقامة خلافة إسلامية في وسط آسيا وجنوبها، يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن إلى أن تطلعات التنظيم تشمل أيضاً رفع رايته فوق القدس والبيت الأبيض، في إشارة إلى هزيمة إسرائيل والولايات المتحدة، كما دعت الجماعة إلى شن هجمات منفردة ضد أميركا أيضاً.

وأوضح مسؤولو مكافحة الإرهاب التابعون للأمم المتحدة في تقرير صدر في يونيو (حزيران) الماضي أن تنظيم "داعش" نفذ 77 هجوماً في أفغانستان في الأشهر الأربعة الأولى من هذا العام، ارتفاعاً من 21 هجوماً في الفترة ذاتها من عام 2020، من بينها ضربة ضد جامعة كابول في نوفمبر (تشرين الثاني)، ووابل صاروخي على مطار كابول بعد شهر، وتفجير مدرسة في العاصمة أسفر عن مقتل 80 تلميذاً في مايو.

وخلُص تقرير الأمم المتحدة إلى أنه منذ يونيو 2020، وتحت قيادة زعيم جديد طموح وأكثر تطرفاً هو شهاب المهاجر، فإن "داعش-خراسان" لا يزال ناشطاً وخطيراً، ويسعى إلى ضم مقاتلي "طالبان" الساخطين والمتشددين الآخرين.

ما هو "داعش- خراسان"؟

تشكّل التنظيم عام 2015 كفرع من "داعش" في سوريا والعراق، واكتسب اسمه من المنطقة التي تشمل أفغانستان وباكستان، وكان مسؤولاً عن سقوط آلاف القتلى منذ تشكيله. ويقدر محللو مكافحة الإرهاب قوته الآن بنحو 1500-2000 مقاتل، لكن هذا العدد ربما يرتفع قريباً عبر تجنيده عناصر جديدة.

ويقول محللون إن "داعش –خراسان" لم يكُن يوماً قوة رئيسة في أفغانستان، ناهيك عن العالم، وانخفضت صفوف التنظيم إلى نصف مستويات الذروة التي بلغتها عام 2016 قبل أن تسببت الضربات الجوية الأميركية وغارات الكوماندوز الأفغانية في خسائر فادحة لها.

ويشكل هذا التهديد المتجدد ضغوطاً صعبة على  بايدن الذي استند في قراره المثير للجدل بإنهاء الوجود العسكري الأميركي في أفغانستان بعد 20 عاماً، إلى النجاح الواضح في شل تنظيم "القاعدة" بعد أن نفّذ هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، حين شنّ حرباً بهجوم عبر طائرات مدنية للمرة الأولى على واشنطن ونيويورك، كما يتزامن الإنذار بخطر "داعش" و"القاعدة" مع تراجع معدلات تأييد الرئيس الأميركي وبدء مكاتب المفتشين العامين في وزارات الدفاع والأمن الداخلي والصحة والخدمات الإنسانية مراجعات مستقلة لتحديد ما إذا كانت إدارته وضعت خططاً للانسحاب من أفغانستان ونفذتها بشكل مناسب.

كيفية المواجهة

على الرغم من اعتراف كبار القادة العسكريين في البنتاغون بأن جمع المعلومات الاستخبارية من خلال نهج "عبر الأفق"، أو من خارج أفغانستان، هو الآن أكثر صعوبة من دون قوات أميركية هناك، فإن ذلك ليس مستحيلاً من وجهة نظرهم، نتيجة توافر الإمكانات اللازمة للتدخل وتعطيل الشبكات الإرهابية في أفغانستان إذا لزم الأمر.

ويوضح وكيل وزارة الدفاع أن الولايات المتحدة تنشر أجهزة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع فوق أفغانستان كل يوم، وهناك أيضاً الوسائل التقنية الوطنية، إضافة إلى مشاركة المعلومات الاستخبارية مع شركاء أميركا الإقليميين والشركاء الآخرين. ومع ذلك، فإن التحدي سيتواصل وسوف يسعى الأميركيون إلى التصدي لهذا التحدي مع تنمية القدرات على مواجهته.

ويضيف وكيل وزارة الدفاع الأميركية أن الولايات المتحدة أكثر استعداداً بكثير مما كانت عليه قبل 20 عاماً، ويمكن أن تكون "طالبان" أيضاً أكثر نشاطاً في إبقاء الجماعات المسلحة الأخرى تحت السيطرة، لأن الحركة قلقة من أن تكون أفغانستان نقطة انطلاق لهجمات "القاعدة" الخارجية بما من الممكن أن يجلب انتقاماً دولياً إذا حدث ذلك.

وفي حين يعتقد المسؤولون في واشنطن أن خطر شن هجوم إرهابي أجنبي على الولايات المتحدة هو في أدنى مستوياته منذ عام 2001، إلا أنهم يدركون أن الحرب كما يعرفها الناس لم تستمر، لكن التهديد الإرهابي مستمر، وينبغي الاستعداد له.

المزيد من تقارير