ملخص
يُعد العرض الأوكراني تنازلاً كبيراً، لكنه لا يضمن تجاوب موسكو التي ترفض أي حلول لا تشمل سيطرتها الكاملة على الدونباس واستبعاد "الناتو" والضمانات الغربية،وبينما تضغط واشنطن من أجل تسوية تتضمن تنازلات مؤلمة، تتمسك كييف بوقف القتال عند خطوطه الحالية وحل القضايا الخلافية عبر الدبلوماسية.
في تطور لافت في المفاوضات الجارية في شأن إنهاء حرب أوكرانيا، كشف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن استعداد بلاده التخلي عن طموحها في الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) مقابل ضمانات أمنية غربية مشابهة للمادة الخامسة من ميثاق "الناتو" التي تنص على الحماية المتبادلة لأي عضو يتعرض للهجوم، وذلك كجزء من اتفاق سلام لإنهاء الحرب مع روسيا.
وقال زيلينسكي للصحافيين، أثناء توجهه لزيارة برلين الأحد للقاء المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف "نحن نتحدث عن ضمانات أمنية ثنائية بين أوكرانيا والولايات المتحدة، أي ضمانات مشابهة للمادة الخامسة… وكذلك ضمانات أمنية من شركائنا الأوروبيين ومن دول أخرى مثل كندا واليابان وغيرهما، وهذا بالفعل يمثل تنازلاً من جانبنا".
عرض الرئيس الأوكراني التخلي عن عضوية "الناتو" يمثل تحولاً كبيراً في صراع نشأ بالأساس بسبب إصرار كييف على الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي كضمانة في مواجهة روسيا، وقبل شهرين من انطلاق الحرب التي تقترب من عامها الرابع، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين واضحاً في حديثه لحلفاء الأطلسي عندما التقي في قمة افتراضية مع الرئيس الأميركي جو بايدن، آنذاك، في ديسمبر (كانون الأول) 2021، الذي ندد خلال اللقاء بتنامي "القدرات العسكرية" لحلف شمال الأطلسي (الناتو) على الحدود الروسية، وطالب بـ"ضمانات" بعدم توسيع الحلف شرقاً.
وتصاعدت الخلافات بين روسيا والغرب في شأن توسع "الناتو" في فترة ما بعد الحرب الباردة منذ أن فتح الحلف آفاق منح العضوية لجورجيا وأوكرانيا في عام 2008، ومن ثم كانت حرب روسيا القصيرة عام 2008 مع جورجيا وضم بوتين شبه جزيرة القرم عام 2014 ودعمه الانفصاليين في شرق أوكرانيا خطوات جادة لإظهار استعداده للتدخل العسكري لإحباط هذه الأهداف، حتى عندما أشار "الناتو" إلى أن العضوية أمر بعيد المنال.
عقارب الساعة لا تعود إلى الوراء
وقال زيلينسكي إن عرض التخلي عن الانضمام إلى "الناتو" مقابل ضمانات أمنية يمثل تنازلاً، وسط مقاومة بعض الحلفاء الغربيين طموح أوكرانيا في الانضمام إلى الحلف،ومع ذلك فإن التخلي عن طموح مدرج في الدستور الأوكراني باعتباره هدفاً استراتيجياً للبلاد، لا يمثل البطاقة التي يمكنه من خلالها إقناع موسكو بوقف الحرب، إذ ما زالت مسألة انسحاب روسيا من القرم والدونباس، فضلاً عن الضمانات الأمنية، موضع خلاف.
وتصر كييف على أن تكون الضمانات الأمنية جزءاً من صفقة السلام بدلاً من عضوية "الناتو"، لكن يمثل هذا نقطة شائكة في المفاوضات مع موسكو، التي ترفض السماح لحلفاء أوكرانيا بالمشاركة في أي قوة حفظ سلام في البلاد.
وعندما طُلب من المتحدث باسم الرئيس الروسي ديمتري بيسكوف التعليق على تخلي كييف عن طموحاتها في "الناتو"، وما الضمانات الأمنية التي يمكن أن تقبلها روسيا في صفقة سلام محتملة، قال "هذه القضية هي واحدة من الركائز الأساسية، وبالطبع تتطلب نقاشاً خاصاً في سياق جميع القضايا الأخرى، لكن هذا بالضبط ما تتكون منه عملية التفاوض، التي أود تأكيدها مرة أخرى، نحن لا نريد الانخراط في دبلوماسية الصراخ عبر مكبرات الصوت".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم تخلي أوكرانيا علناً عن طموحها في الانضمام إلى "الناتو" كانت فرص انضمامها إلى الحلف ضئيلة جداً، فقد رفضت دول عدة الفكرة، بما في ذلك سلوفاكيا والمجر المواليتان لموسكو، وحتى حلفاء أوكرانيا داخل "الناتو" كانوا قلقين من استفزاز روسيا خارج حدود أوكرانيا.
الدونباس
وقام ويتكوف، وصهره جاريد كوشنر، بالضغط على أوكرانيا لقبول تنازلات مؤلمة، بما في ذلك التنازل عن أراضٍ على الخطوط الأمامية لروسيا، قبل المحادثات مع زيلينسكي وحلفاء أوكرانيا الأوروبيين حول خطة البيت الأبيض لإنهاء غزو روسيا، لكن كلا الطرفين يرفض اقتراح ترمب بسحب جميع القوات من منطقة دونباس لإنشاء "منطقة اقتصادية حرة" في أجزاء من شرق أوكرانيا تحت سيطرة كييف حالياً، وكان الاقتراح يتطلب من أوكرانيا الانسحاب من "حزام القلاع" من المدن التي لم تتمكن قوات موسكو من السيطرة عليها خلال أكثر من 11 عاماً من الحرب.
وقال زيلينسكي في تصريحاته للصحافيين إنه "لا يعتبر هذا عادلاً"، وأضاف "إذا انسحبت القوات الأوكرانية من 5 إلى 10 كيلومترات، على سبيل المثال، فلماذا لا تنسحب القوات الروسية أيضاً إلى عمق الأراضي المحتلة بالمسافة نفسها؟ هذا سؤال لا يوجد له جواب بعد، لكنه حساس جداً ومثار جدل كبير"، مضيفاً أن "الخيار العادل والوحيد الممكن" لتحقيق سلام حقيقي هو "أن يتوقف الطرفان عند مواقعهما الحالية، ثم يحاولان حل كل القضايا الأوسع من خلال الدبلوماسية".
وتعارض روسيا إقامة منطقة منزوعة السلاح، ففي تصريحات متلفزة الأسبوع الماضي قال مستشار السياسة الخارجية لفلاديمير بوتين، يوري أوشاكوف، إن روسيا ستقبل فقط السيطرة الكاملة على منطقة دونباس، وأضاف أن روسيا لم تناقش أي سيناريو من شأنه أن يشمل تجميد الخطوط الأمامية الحالية، ورفض أوشاكوف اقتراحات زيلينسكي السابقة بأن أوكرانيا قد تستعيد السيطرة على شبه جزيرة القرم، أو الانضمام إلى "الناتو"، وقال إن كلا المقترحين "لن يحدث بنسبة مليون في المئة".