Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفغانستان وجغرافيتها وحروبها وأنظمتها

من أكثر دول العالم وعورة ومرت عليها احتلالات متعددة

الجغرافيا هي التي تحدد شخصية شعب ما (أ ف ب)

لو أردنا تطبيق النظرية التي تربط بين الجغرافيا الطبيعية وتاريخ الدول أو الممالك والإمبراطوريات، فإن أفغانستان هي الأرض التي توضح كثيراً من مسلمات هذه النظرية أو مندرجاتها. ولو أردنا أن نحدد الكتاب الذي يؤرخ في جزء منه لهذه العلاقة بين الجغرافيا والسياسة ومآلات الدول وشعوبها، فإن كتاب "انتقام الجغرافيا" لمؤلفه روبرت د. كابلان، (ترجمة د. إيهاب عبد الرحيم علي) الصادر عام 2018 عن المجلس الأعلى للثقافة والفنون في الكويت، هو خير مساعد. وكابلان هو كبير الخبراء الجيوسياسيين في معهد ستراتفورد للمعلومات الدولية في الولايات المتحدة الأميركية.

جغرافيا الأرض والشعوب والأنظمة

يرى الباحث ذو التجربة العملية روبرت كابلان، أن "الجغرافيا هي التي تحدد شخصية شعب ما، وتشكل المجتمع الذي يعيش فيها، ولكن الجغرافيا يمكنها أيضاً أن تشكل التاريخ ومصائر الشعوب، بل ويمكن بدراسة الجغرافيا أن نفهم الحروب التي ستقع في المستقبل، وكيف يمكن التصدي لها". ومن بين المناطق الجغرافية التي يتناولها كابلان في كتابه أفغانستان وباكستان، التي وجد من خلال تحليله أن لجبالها دروساً تقدمها للمحللين السياسيين. فتلك الجبال التي وصفها البريطانيون أولاً بأنها "الحدود الشمالية الغربية"، "لم تكن حدوداً بالمعنى المفهوم على مدى التاريخ، ولكنها قلب سلسلة من الجبال الهندية الفارسية، والجبال الهندية الإسلامية، وهي السبب الذي من أجله قامت كل من أفغانستان وباكستان بتشكيل كيان عضوي كامل، يسهم في تقسيمهما إلى دول من خلال جغرافيا غير متجانسة". فأفغانستان من أكثر دول العالم وعورة، بجبالها الوعرة وطبيعة أرضها الصحراوية، وتركيبتها الإثنية التي يشكل البشتون أكبر مجموعاتها العرقية، ترافقها مجموعات الطاجيك والهازار والأيماك والأوزبك والتركمان ومجموعات أخرى صغيرة. وهي بيئة يصعب التعامل معها بسبب عاداتها وتقاليدها وسبل انفتاحها وانغلاقها وعلاقتها بالأرض التي تعيش فوقها.

يوافق عبد الرحمن شلقم وزير خارجية ليبيا ومندوبها السابق لدى الأمم المتحدة كابلان بتوصيفه، في مقالة نشرت في صحيفة "الشرق الأوسط"، في أغسطس (آب)، الماضي حول الموضوع الأفغاني، "بلاد تكونت فيها تضاريس الجغرافيا مع جيولوجيا البشر. الصخور والكهوف ورؤوس الجبال، أجساد للأرض والناس. أفغانستان لها تاريخ كُتب على ألواح الزمن الصخرية بالدم والصراع...".

وبرأيه "أن قدر أفغانستان كان مربوطاً بأقدار الإمبراطوريات التي تدخلها عنوة وبالقوة لحسابات يكتبها صراع القوى الكبيرة، لكن الجغرافيا التي جعلت من البلاد الحبيسة بوابة تُفتح بقوة سلاح القادم المحتل، وتُغلق بقوة الجهاد الذي تُشعله قوة الإسلام، وترغم الحكام الذين يحضرهم المحتل على الهرب إذا قدر لهم النجاة من القتل. كل شيء يغيب عن أفغانستان سوى الصراع الدامي وزحف القوى الخارجية وإن تعددت الأسباب".

هكذا، قُدر إذاً للأفغان أن يعيشوا متوالية لا تنتهي من الصراعات منذ فجر التاريخ مع الساسانيين والفرس والإسكندر المقدوني، وفي ظلال الإسلام الذي دانوا له بولاء لا ينقطع وارتبطوا معه بعُرى لا تنفصم، ثم مع تعاقب الدول عليهم منذ السامانيين والغزنويين والسلاجقة والمغول والغوريين والصفويين والأفشاريين والقاجاريين وممالكهم الداخلية المستقلة، وحتى البريطانيين والسوفيات، ثم أخيراً الأميركيين.

تاريخ مختصر مفيد

بحسب الموسوعة العربية ومعظم الموسوعات في العالم، يمكن إرجاع التاريخ المكتوب للأرض التي تشكل في الوقت الحاضر أفغانستان إلى حوالى 500 قبل الميلاد، عندما كانت المنطقة تحت حكم الإمبراطورية الأخمينية. ثم كان للغزوات العربية والإسلامية تأثيراً كبيراً على ثقافة أفغانستان، بعدما كانت الفترة السابقة عليها تشكلها الديانات الزرادشتية والمقدونية والبوذية والهندوسية.

دولة أفغانستان الحديثة أسسها أحمد شاه دوراني في أواخر القرن الـ19، الذي تعاقبت أسرته على الحكم حتى محمد ظاهر شاه، آخر ملوك أفغانستان عام 1973. وخلال هذه الفترة، شهدت أفغانستان حروباً متتالية، كان أولها الحرب الصفوية-الأفغانية، ثم الحروب الإنجليزية- الأفغانية، التي استمرت 82 عاماً انتهت بهزائم مدوية لبريطانيا. في نوفمبر (تشرين الثاني) 1933، نُصب محمد ظاهر شاه ملكاً على أفغانستان بعد اغتيال والده، وفي عهده الذي استمر 40 عاماً، شهدت البلاد تطوراً في جميع المجالات، فبنى المدارس والمطارات وشق الطرق، وأصدر دستوراً يضمن الحريات السياسية والصحافية. وعندما كان الملك في رحلة للعلاج، قام ابن عمه محمد داود الذي كان رئيساً للوزراء بانقلاب ناجح سارع على إثره للتقارب مع الاتحاد السوفياتي، وتعاون مع الشيوعيين الأفغان بعد أن رفضت الولايات المتحدة تقديم المساعدات العسكرية والمالية له. 

في 27 ديسمبر (كانون الأول) 1979، قام 700 بينهم 54 عميل "كي جي بي" من القوات الخاصة من مجموعة "ألفا وزينيث"، مرتدين اللباس الأفغاني الموحد باحتلال الأبنية الحكومية والعسكرية والإذاعية الرئيسة في العاصمة كابول. وتم الانتهاء من العملية في صباح 28 ديسمبر. وأعلنت القيادة العسكرية في ترميز على راديو كابول، أنه جرى تحرير أفغانستان من حكم الرئيس حفظ الله أمين.

ووفقاً للمكتب السياسي السوفياتي، كان السوفيات يطبقون معاهدة الصداقة، التعاون وحسن الجوار لعام 1978 التي وقعها الرئيس السابق نور محمد تاراكي.

بشكل عام، رفض رئيس الاتحاد السوفياتي ليونيد بريجنيف 18 طلباً رسمياً للمساعدة العسكرية من الحكومة الأفغانية قبل الأمر بالتدخل السوفياتي الفعلي في أفغانستان. وبشكل قانوني، لم تكن العملية احتلالاً، وادعى الاتحاد السوفياتي أن التسمية كانت نتيجة للدعاية الأميركية المضادة.

الحرب الأهلية المتناسلة

منذ رحيل الجيش الأحمر السوفياتي عام 1989، انطلقت الحروب الداخلية في البلاد التي لم تنته حتى اليوم. 

في 24 نيسان (أبريل) 1992، تم توقيع اتفاق عرف باسم اتفاق بيشاور من قبل أحزاب الاتحاد الإسلامي السبعة، وحزب الوحدة الشيعي والحركة الإسلامية "محسني"، وتم الاتفاق على تشكيل حكومة مؤقتة لمدة شهرين وعلى رأسها صبغة الله مجددي، ثم يتبعه لمدة أربعة أشهر برهان الدين رباني. ولكن الحزب الإسلامي بقيادة قلب الدين حكمتيار، الذي كان موالياً لباكستان رفض الاتفاقية على الرغم من توقيعه عليها. فهاجم كابول وانهارت الاتفاقية، وبقي رباني في رئاسة الدولة. 

عادت الأحزاب المتناحرة لتجتمع في 7 مارس (آذار) 1993 في إسلام أباد في باكستان بعد معارك طاحنة في كابول، وتم توقيع اتفاقية عرفت باتفاقية إسلام أباد، وشاركت فيها السعودية وباكستان، ونصت على أن لرباني رئاسة الدولة لمدة 18 شهراً، وحكمتيار يتولى رئاسة الوزراء، وأن يتم إيقاف إطلاق النار. ولكن الاتفاقية لم تنفذ.

في نوفمبر 1994، بدأت حركة "طالبان" بالظهور، وخلال عامين سيطرت على معظم مناطق أفغانستان ودخلت كابول عام 1996 وأعلنت نفسها الحاكمة للبلاد بإزاحة رباني وحكمتيار، واستمرت سيطرتها حتى بدأت القوات الأميركية بضرب قواتها في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2001، وذلك بسبب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) من العام نفسه. 

تشكلت الحركة عام 1994 وتألفت من مقاتلين سابقين في المقاومة الأفغانية، الذين حاربوا القوات السوفياتية في الثمانينيات، وكانت الحركة مدعومة من وكالة الاستخبارات المركزية ضد القوات السوفياتية سراً في ذلك الحين. ويشاع أن اسم "طالبان" يعني "طلاب المدارس الدينية" في أفغانستان وباكستان. 

كان كل من أحمد شاه مسعود عن الجبهة المتحدة ودولة أفغانستان الإسلامية، والملا محمد عمر عن "طالبان"، وأسامة بن لادن مع أيمن الظواهري عن "القاعدة"، القادة الرئيسين في الحرب القائمة في أفغانستان. بالطبع، مع تدخل خارجي من كل الجهات القريبة والبعيدة لدعم هذا الطرف أو ذاك. 

في 9 سبتمبر 2001، قبل يومين من الهجمات في الولايات المتحدة، اغتيل مسعود في ولاية تخار في أفغانستان من قبل عملاء يشتبه في انتمائهم إلى "القاعدة". سمي في العام التالي "بطلاً وطنياً" بأمر من الرئيس الأفغاني حامد كرزاي. وبات يوم مقتله عطلة رسمية في أفغانستان، وهو الذي كان يتحضر لحكم أفغانستان بعد انهيار حركة "طالبان" تحت الضربات الأميركية. ولكن كالعادة في أفغانستان تبدو الهزائم المقبلة مرتبطة بالانتصارات، ويتم تحضيرها معاً في ما لو اتبعنا "نظرية المؤامرة" في تفسير الأحداث. 

حرب أفغانستان الأميركية

تحت عنوان محاربة الإرهاب بعد هجمات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك  التي تبنتها "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، تم إسقاط حكم "طالبان" بالتعاون بين قوات حلف الناتو والقائد الأفغاني الشمالي أحمد شاه مسعود المتوطن في وادي بنجشير مع جماعته المعارضة لحكم "طالبان". وكان من المفترض أن يبدأ زمن أفغاني جديد بعد انتخاب حامد كرزاي رئيساً لأفغانستان. كان الجميع يعتقد أن حكم "طالبان" سقط بلا عودة، وأن المساعدات الدولية والدعم العسكري الأميركي سيؤديان إلى قيام دولة أفغانية ديمقراطية وغير فاسدة وتنحو نحو النمو. وتم أول تسليم سلمي للسلطة بعد انتخابات ديمقراطية بإشراف دولي بين حامد كرازي وأشرف غني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أنشأ مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة "قوات المساعدة الدولية لإرساء الأمن في أفغانستان"، لمعاونة السلطة الجديدة على تأمين كابول.. 

شاركت في الحرب قوات من 43 دولة، وكان أغلبها من دول الناتو. وكان من القوات الأميركية قسم واحد تحت قيادة الناتو، وأما البقية فظلت تحت القيادة الأميركية المباشرة. وجاءت الحرب على شكل عمليتين، الأولى شنتها الولايات المتحدة، وكان نطاقها الجزء الشرقي والجزء الجنوبي من أفغانستان والحدود الأفغانية مع باكستان.

العملية الثانية، بدأت في ديسمبر2001، شنتها قوات المساعدة الدولية "إيساف". أنشئت هذه القوات بقرار من مجلس أمن الأمم المتحدة. ونطاقها الجغرافي العاصمة الأفغانية كابول والمناطق المحيطة بها. بحلول 23 يوليو (تموز) 2009 كان لقوات "إيساف" قرابة 64500 جندي من 42 دولة مختلفة مع إمدادات مستمرة من الناتو، مركز قيادة هذه العملية.

"طالبان" وترمب والعودة

منذ الإطاحة بها بعد الحرب الأميركية، قادت حركة "طالبان" هجمات متتالية ضد قوات التحالف والحكومة الأفغانية. واتخذ الصراع شكلاً أشبه بحرب العصابات.

في عام 2017، طالبت حركة "طالبان" الرئيس الأميركي المنتخب حديثاً دونالد ترمب بسحب قواته من أفغانستان.

في عام 2018، بدأت الولايات المتحدة التفاوض مباشرة على معاهدة سلام مع "طالبان"، من دون إشراك الحكومة الأفغانية المنتخبة. بدأت محادثات السلام الأفغانية بين الحكومة و"طالبان" في سبتمبر 2020.

وبعد سنوات من المفاوضات، وقعت "طالبان" وإدارة ترمب اتفاق سلام في عام 2020، ووافقت واشنطن على سحب القوات وإطلاق سراح نحو 5000 سجين من "طالبان"، فيما وافقت "طالبان" على اتخاذ خطوات لمنع أي جماعة أو فرد، بما في ذلك "القاعدة"، من استخدام أفغانستان لتهديد أمن الولايات المتحدة أو حلفائها.

ثم أعلن الرئيس جو بايدن انسحاب الجيوش الأميركية من أفغانستان، وقبل اكتماله بدأت "طالبان" سيطرتها الكاملة على المدن الأفغانية، حتى تشكيلها حكومة بقيادتها.