ملخص
إنني كمصري عربي أعتز كثيراً ببروز دور السعودية وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، ولا أجد غضاضة في أن الشعب المصري يسعد بذلك الدور ويطمئن ويرى أن فيه فائدة كبرى قادمة، بدليل أن ما حدث أدى إلى تحرير الشعب السوري ورفع العقوبات عنه، ولذا لا يتوهم أحد أن الخلافات بين الدول العربية هي خلافات أصيلة فهذا غير صحيح على الإطلاق إنما هي مشكلات مرحلية أو أزمات ثقة عابرة، والواقع في النهاية أننا أمة عربية واحدة تريد العدل والإنصاف لقضتيها الأولى، وهي القضية الفلسطينية التي طال العهد بها وكثرت التضحيات من أجلها ولانزال على عهدنا الذي كنا فيه ندير الصراع ولكن لم نتمكن من اختراق الطريق للوصول لتسوية عادلة طالما سعينا إليها بل وحاربنا من أجلها.
يلح علي كثيراً خاطر المقارنة بين العقل الشرقي في جانب والتفكير الغربي في جانب آخر، وأشعر كثيراً أن الفروق الحضارية والاختلافات الثقافية تلعب دوراً كبيراً في إحداث الهوة بين الجانبين، وبعد احتكاك طويل فرضته علي مسيرة حياتي اتصالاً وانقطاعاً بالمصادر الغربية المعاصرة المختلفة أشعر أن التباين بين الأسلوبين الشمالي الغربي والجنوبي الشرقي على امتداد خريطة العالم المعاصر يعد مسؤولاً إلى حد كبير عن سوء الفهم المتبادل وغياب الدقة المطلوبة، بل وإلى شيوع خطاب الكراهية بين الجانبين أحياناً.
عندما أستمع إلى بعض تصريحات رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو أشعر أنه يفتقر إلى الحجة ويبتعد من الحقيقة ويبدو الأمر لي ولكثر كما لو كان استهلاكاً وقتياً وحديثاً مرحلياً، أو محاولة للتضليل والتمويه وطمس الحقائق والتهام الحقوق الطبيعية لشعوب قديمة في إطار حدود ثابتة معروفة عبر القرون، بل إنني أشعر أحياناً أن تصريحات الغربيين فيها نوع من التسكين وتثبيت أطراف لحساب أطراف أخرى، بل يبدو لي الأمر بأنه محاولة خبيثة لطمس الحقائق وتشويه التاريخ وكسب الوقت، وهو أمر نشعر به في مناسبات كثيرة ونقرأه خلف تصريحات عديدة وندرك أن هناك محاولات جادة لتغيير العالم المعاصر بصورة يتم فيها إجهاض الحقوق لبعض الشعوب وإهدار مقدرات عدد من الدول.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن الإرهاب الملثم الذي يتخفى في غلالة شعارات مكررة وعبارات مضللة يبدو هو الفيصل في كثير مما نرى، فهناك شعوب ينظر إليها العالم الغربي من خلال أطماع تاريخية وأغراض موروثة تتطلع إلى السيطرة على كل ما يمكن أن تصل إليه أو تستحوذ عليه، فالكذب لدى العالم الغربي محكم ودقيق والإساءة قد تكون مستترة أحياناً لكنها موجودة وفعالة، فهو يدرك نقاط ضعف الشرقيين والتزاماتهم الأخلاقية والدينية ويلعب على ذلك بكل ما أوتي من دهاء وحصافة، فالصياغة الرسمية للخطابات السياسية من جانبه تكون ملتوية غير واضحة تقبل التأويل واختلاف التفسير.
لننظر إلى القرار 242 والغموض الذي يكتنف صياغته في أن تكون الكلمة هي "أراض" أي جزء مما جرى احتلاله أو "الأراضي" أي كل ما جرى احتلاله تماماً، بل إنه حتى في نقاط ترمب الأخيرة في حديثه عن التهجير تستبعده بالمعنى القسري ولكنها تترك الباب مفتوحاً لحدوثه طواعية بحكم استحالة الحياة في غزة في وضعها المأسوي الحالي، وإذا ترك بعض سكانها أرضهم وخرجوا منها فذلك يعد تهجيراً طوعياً لا يد لإسرائيل أو الولايات المتحدة الأميركية فيه، وهنا تأتي الخديعة الكبرى عندما تعلن إسرائيل فتح معبر رفح وذلك لكي تلزم مصر على الجانب الآخر بفتحه من جانبها فيتكدس بالتالي مئات الألوف على حدود مصر لتوريطها في الصراع بصورة تدريجية مدروسة وخبيثة تلتف به إسرائيل على الحقيقة، وتطبق القواعد الغربية في التفكير والتعبير ونبتلع الطعم ما لم نكشف الحقيقة وندرك جميع الأبعاد التي تقف وراء مثل هذا الالتفاف الذي درجت عليه العقلية الإسرائيلية، مدعومة بزخم غربي قد يتباكى على أهل غزة في الصباح ولكنه يدبر ضدهم ما تريده إسرائيل في المساء، بل ويذهب المستشار الألماني الجديد إلى القدس في هذه الظروف داعماً لإسرائيل على حساب الحقوق الفلسطينية، بينما الأصل في المسألة اليهودية هو تصرفات النازي ضدهم في الحرب العالمية الثانية، ولكن على الفلسطينيين أن يدفعوا الفاتورة مزدوجة في الحالتين، وهو أمر يدركه كل الذين عاصروا تاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي وأساليب التضليل ومحاولات تذكية الفتنة لإحداث ردود فعل تريدها إسرائيل وتدفع لها، فهم يستفيدون طوال الوقت من أخطائنا ويتحركون على رغم جمودنا ويعبثون خلال الوقت نفسه بكل مقدراتنا، ولنا هنا أن نطرح الملاحظات الآتية:
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أولاً: إن الدول العربية حالياً يجب عليها أن تتكاتف على نحو غير مسبوق لمواجهة المخططات اللئيمة التي تستهدف دول المنطقة العربية واحدة تلو الأخرى، ولنتذكر قصة الثور الذي قال (أكلت يوم أكل الثور الأبيض) فإسرائيل لا تفكر إلا في إسرائيل، وتسعى لإضعاف دول الجوار جميعاً على حساب غنائم تحصل عليها أو فوائد تخرج بها، ولذلك فإنني أنزعج أحياناً لروح التنافس الظاهري بين الدول العربية وأود أن أقول للجميع إن كل إنجاز في أحدها هو إنجاز للدول العربية كلها، وإن كل انتصار تحققه دولة عربية هو انتصار لكل العرب جميعاً، ولا يجب أن نتصور أبداً أن التنافس يمكن أن يؤدي إلى ما يفيد طرفاً بعينه، فنحن جميعاً في قارب واحد وهم يلعبون على الاختلافات بيننا وإذكاء روح التنافس الخبيث الذي يمكنهم أن يحققوا به كل ما يريدون، إنه صراع عقول في المقام الأول وصدام بين الأفكار بل وهو أيضاً خلاصة لنزعات العصر وتجارب الشرق والغرب والحربين العالميتين الأولى والثانية.
ثانياً: إنني كمصري عربي أعتز كثيراً ببروز دور السعودية وولي عهدها الأمير محمد بن سلمان، ولا أجد غضاضة في أن الشعب المصري يسعد بذلك الدور ويطمئن ويرى أن فيه فائدة كبرى قادمة بدليل أن ما حدث أدى إلى تحرير الشعب السوري ورفع العقوبات عنه، ولذا لا يتوهم أحد أن الخلافات بين الدول العربية هي خلافات أصيلة فهذا غير صحيح على الإطلاق إنما هي مشكلات مرحلية أو أزمات ثقة عابرة، والواقع في النهاية أننا أمة عربية واحدة تريد العدل والإنصاف لقضيتها الأولى، وهي القضية الفلسطينية التي طال العهد بها وكثرت التضحيات من أجلها ولا نزال على عهدنا الذي كنا فيه ندير الصراع، ولكن لم نتمكن من اختراق الطريق للوصول لتسوية عادلة طالما سعينا إليها بل وحاربنا من أجلها.
ثالثاً: إنني لا أطالب أبداً بالتناطح بالرأس مع القوة الأميركية ولا أسعى لتوسيع هوة الخلاف مع أميركا بل إيجاد مداخل ذكية للتعامل مع الرئيس الأميركي الحالي الذي يبدو شخصية صعبة ليس لها كتالوج ولها مداخل مختلفة ولكنه في النهاية يقدم صالح إسرائيل على أية مصالح عربية أخرى، ومن يتصور غير ذلك فهو واهم. إنني أرى المشهد من بعد وأدرك أبعاده فما حدث في المنطقة العربية خلال الأشهر الأخيرة خصوصاً بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هو أمر يدعو إلى الأسف لأننا لم نحسن إدارة الصراع وتركنا لغيرنا أسباب إدانتنا والعدوان على شعبنا وقتل أطفالنا وإسرائيل هي الرابح الناجح أخيراً ولو إلى حين.
رابعاً: إن إذكاء النعرات داخل الأمة العربية الواحدة هو الشر بعينه، فعرب الخليج هم أنفسهم عرب المشرق وعرب مصر هم أيضاً تحت نفس الغطاء مهما كانت التأويلات والتفسيرات ومهما ظهرت تخريجات لا مبرر لها أو تفسيرات معينة، فكلنا في نهاية اليوم نجلس على مائدة واحدة منذ أن خرج الأمويون من الجزيرة العربية إلى دمشق، تأسيساً للدولة العربية المركزية التي عرفت الازدهار والانكسار وعرفت التقدم والتقهقر وانتهى بنا المطاف إلى العدوان السافر الذي تقوده الدولة اليهودية اليوم ضدنا وضد أفكارنا ومبادئنا بل وضد معتقداتنا، فهم يتسربلون بأي غطاء متاح وليكن التلويح بديانات أهل الكتاب من أبناء إبراهيم ولكن النية ليست خالصة والهدف ليس صادقاً إنما هو مزيج من التحالفات المرحلية من أجل التطبيع الكامل مع إسرائيل ونسيان القضية الفلسطينية، ولكن لحسن الحظ فإنه لا خلاف بيننا كعرب على فضح إسرائيل وجرائمها العدوانية، وأننا نتفق كعرب أيضاً على الرغبة في التسوية العادلة والسلام الدائم، فمرحباً بالتعايش المشترك على أسس من الشفافية الحقيقية والسعي الصادق نحو السلام من أجل تحجيم نوازع الشر لدى حكام إسرائيل من دعاة اليمين المتطرف وصانعي خطاب الكراهية!