Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"تيك توك" يخطف عقول المصريين والترفيه الخفيف يكسب

رئيس الشركة المنتجة للتطبيق استقال ومتعته أن يظل وحيداً حالماً فيما يمكن أن يتحول إلى حقيقة

صرعة "تيك توك" المحمومة طالت الملايين (غيتي)

في الصالون المكيف المغلق الأنيق في النادي الرياضي الشهير بالقاهرة، تتصاعد أصوات غريبة من دون أن يستهجن أو يستنكر أحد. "كلمتي لا ممكن تنزل الأرض أبداً" بصوت الراحل عبد الفتاح القصري تتكرر ثم تذيل بصوت قهقهة نسائية عالية. مقاطع قصيرة من أغنيات بعضها معروف وأخرى مغمور تتردد مرات ثم تتوقف فجأة. إفيهات أفلام، أصوات ارتطام، صراخ بشري، نباح كلاب، صيحة طرزان، أزيز طائرة، "خمسة مواه" بصوت فيفي عبده، "سبع طبقات وأستك" بصوت سعيد صالح، امرأة تصرخ، رجل يغني، أطفال يبكون، كورال يغني بلغة غير مفهومة، والسكون الصاخب يتجدد يومياً على مدى ساعات عمل النادي.

خارج الصالون، ومن مناطق متفرقة وأرجاء غير مرئية، تصدر أصوات شبيهة على مدى الساعة. الغريب أن الأمر لا يبدو غريباً. والأغرب من ذلك أن الأجواء الصوتية نفسها تتكرر في داخل باصات النقل العام وعربات مترو الأنفاق وفي المقاهي، وأحياناً في داخل مصالح العمل وقطاعات الإنتاج ومداخل العمارات وطرقات الشركات. أما داخل البيوت، فحدث ولا حرج. الجميع منكفئ على مصادر هذه الأصوات، ولكن كل عبر شاشته.

هواها "تيك توك"

شاشات المصريين هذه الأيام هواها "تيك توك". صرعة محمومة طالت الملايين. كل من لديه اتصال بشبكة الإنترنت مدفوعة مسبقاً أو عبر باقة مدمجة أو بفضل الافتئات على "الواي فاي" المفتوح في أماكن عدة للرواد قادر على أن يكون عضواً فعالاً أو مشاهداً متابعاً لما يدور على أثير "تيك توك" من دون سابق تدريب أو تجهيز.

وعلى النقيض مما يقال على ألسنة خبراء الإنترنت وجهابذة منصات التواصل الاجتماعي، فإن أرضية "تيك توك" الشعبية في مصر ليست حكراً على أجيال الألفية (1981-1996) أو "زد" (1997-2009) أو "ألفا" (2010- الآن)، بل أثبت المصريون أن "تيك توك" صرعة لدى "جدو" و"تيتة" القادمين من "الجيل الصامت" (1924-1945) و"بابا" و"ماما" و"عمو" و"طنط" من جيلي "الطفرة السكانية" (1946-1964) و"إكس" (أوائل الستينيات إلى أوائل الثمانينيات).

أجيال "جدو" و"تيتة" قادمة

ربما يكمن الفرق الوحيد في الاستخدام هو أن أجيال "جدو" و"تيتة" وما بعدها من جيل الكبار يعمد إلى الإزعاج ولا يلقي بالاً للضوضاء، حيث سماعات الأذن لا تعنيه واللا سلكية لا تستهويه. لذلك تأتي النتيجة فوضى صوتية صاخبة في كل ركن من الأركان غير المتوقعة.

لم يتوقع المهندس المتقاعد محمود خير الدين (78 سنة) أن يحب "البتاع دا" (هذا الشيء) يوماً ما. اليوم أصبح ونيسه وجليسه ورفيقه. يقول، "تحسنت صحتي النفسية والجسدية كثيراً منذ أصبحت أتابع مقاطع هذا (تيك توك). فبعد وفاة زوجتي قبل نحو عام، عشت شهرين أو أكثر من دون أن أترك البيت. أوشك الحزن والوحدة على قتلي. لكن اكتشفت هذا الشيء بالصدفة حين زارني صديق وجعلني أشاهد فيديو مضحكاً. شيئاً فشيئاً، طلبت من ابني أن يحمل التطبيق، وحيث إن باقة الإنترنت الخاصة بي محدودة، فقد أصبحت أداوم على الاستيقاظ مبكراً وارتداء ملابسي والتوجه إلى النادي حيث أمضى طيلة النهار أشاهد المقاطع من دون ملل. ظريف جداً الحقيقة".

الحقيقة بالطبع أن صحة المهندس المتقاعد تحسنت لأنه أصبح أكثر إقبالاً على الحياة وانتظاماً في الخروج والعودة إلى البيت، ثم لأنه بات يتردد على مكان يلتقي فيه بعض أصدقائه ويتابع فيديوهات يجدها ممتعة.

المتعة غير المتوقعة على أثير "تيك توك" تتحدث عن نفسها في شوارع مصر ومواصلاتها العامة وحتى في أماكن العمل. موظف الشباك في البنك يعتذر لعميله الدائم لأنه تأخر ربع دقيقة "آسف أستاذ أحمد زميلنا تامر جعلنا نشاهد مقطع (تيك توك) يهلك من الضحك عن (رئيس نادي الزمالك الأسبق المثير للجدل) مرتضى منصور". ولأن "أستاذ أحمد" أهلاوي متعصب، فقد لمعت عينها وطلب من موظف الشباك أن يشارك المقطع حتى تعم الفائدة.

فوائد مليارية

فوائد "تيك توك" في مصر أصبحت مليارية! في عام 2020 (والأرقام تزيد)، أنجز المصريون 11 مليار مشاهدة في كرة القدم، ومثلها في الدراما، و400 مليون مشاهدة موسيقية على "تيك توك"، بحسب إحصاءات موقع "إكسباند كارت" المتخصص في التسويق الإلكتروني. الأصوات المتناثرة غير المتناغمة العاكسة لاهتمامات المصريين وأيضاً معضلاتهم وسبلهم المتفردة في البحث عن متنفسات لضغوطهم تقول إن "تيك توك" يصعد في سماء مصر بسرعة الصاروخ.

صاروخ المشاهدة

"صاروخ" هي الكلمة الكفيلة بضمان جمهرة ذكورية أمام شاشة عنكبوتية. فالصيحة التي أطلقها أحد الأصدقاء من أصحاب المعاشات في صالون النادي الشهير أعادت إلى أصحاب الركب الواهنة، والروماتيزم الضارب في المفاصل والعظام، والقلوب التي تعاني ضعفاً في الخفق، كفاءتها المفقودة. هرع الجميع ليتابع مع الصديق الصارخ "صاروخ" مجريات الثواني التي تقدمها "صاروخ" ما من غرفة نومها وهي تقلد الراقصة الشهيرة المعتزلة سهير زكي. الضحكات السعيدة والهمهمات الشقية تنضح بمحتوى هذا المقطع من "تيك توك".

خوارزمية كريمة

ولأن خوارزمية "تيك توك" بالغة الذكاء أو بالأحرى "بالغة الكرم" كما يصفها الرجل صاحب اختيار المقطع الصاروخي، فقد أغدقت عليه بعشرات وربما مئات من الصواريخ المقترحة قارئة ما يدور في عقله من أهواء واختيارات.

اختيارات التطبيق المعتمد على فيديوهات بالغة القصر في مدتها وبالغة السهولة في عملها وبالغة المتعة في مردودها وضعت "تيك توك" في مصاف الخمسة الكبار بحسب إحصاءات يناير (كانون الثاني) الماضي. ولا يستبعد أبداً أن يكون "تيك توك" قد حقق قفزة أكبر خلال الأشهر الثمانية الماضية. فبحسب موقع "داتا ريبورتال" المتخصص في إحصاءات وتحليلات استخدامات الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي في العالم، فإن 50 في المئة أي نصف مستخدمي الإنترنت في مصر ممن تتراوح أعمارهم بين 16 و64 سنة استخدموا "تيك توك" في يناير الماضي. وسبق "تيك توك" في القائمة "يوتيوب" و"فيسبوك" و"واتساب" و"إنستغرام" بنسب تتراوح بين 65 و80 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ترفيه خفيف

أغلب هذه النسب المئوية المتصاعدة على أثير "تيك توك" باحثة عن محتوى ترفيهي خفيف وغير معقد ولا يستوجب التعليق المعمق أو السجال الفكري العسير. إنها سمة "تيك توك" التي وضعها مبتكروها وعلى رأسهم رئيس مجلس إدارة شركة "بايت دانس" المالكة "تيك توك" الملياردير الصيني المستقيل من منصبه حديثاً "زانغ يمينغ"، الذي طالما وصف "تيك توك" بأنه نسمة منعشة في عالم التواصل الاجتماعي الغرض منها الترفيه الحقيقي من دون التفافات أو التواءات.

وبعيداً عن أن يمينغ (وقيمة ثروته 35.6 مليار دولار أميركي) استقال من منصبه بعدما أعلن أنه "شخصية تفتقد أدوات ومهارات التواصل الاجتماعي الحقيقي ولم يصنع محتوى (تيك توك) واحد، بل يكتفي ولا يجد متعة إلا في البقاء وحيداً أو متصلاً بالإنترنت أو قارئاً أو حالماً فيما يمكن أن يتحول من حلم إلى حقيقة" بحسب ما قال، فإن عبقرية "تيك توك" تكمن في جعل الجميع يصدق أن باقي البشرية جزء من عمل ما جماعي عظيم مثل حفلة أو فيلم أو فعالية، على الرغم من أن هذا ليس صحيحاً.

مغمورون لكن مشهورون

ابنة الجيران المراهقة تمثل دور العظيمة فاتن حمامة في "الباب المفتوح". ابن خال "ماما" أبدع في أداء فرانك سيناترا في "ماي واي". تقى وتوأمها رقى متخصصتان في أداء دويتوهات زينات صدقي وعبد السلام النابلسي.

وهناك الطفل عبد الرحمن أحمد، الذي لا يزيد عمره على تسعة أعوام واشتهر على "تيك توك" مع والدته في مقاطع تقليد، أو بالأحرى تحريك الشفاه، مقاطع شهيرة من الأفلام والمسرحيات والذي يحقق ملايين المشاهدات.

وهناك شباب يسخرون من هدف الأهلي الضائع، وفوز الزمالك المتعثر، وسخرية "أم علي" من الرجال المتحرشين، وتقليد شاهندة طريقة كلام النساء في المناطق الشعبية، وتقليد سيدة من المناطق الشعبية شاهندة وأخواتها ساكنات الأبراج العاجية، وملايين غيرهم من المغمورين والمغمورات ممن ترفع غالبيتهم المطلقة راية "لم يسمع عنا أحد".

وهذا مكون عبقري فريد آخر من مكونات "تيك توك". هؤلاء الرجال المتقاعدون في صالون النادي الشهير، وأولئك الركاب المتلاصقون في باص النقل العام الكبير، وهؤلاء المرابطون أمام المطعم المفتئتون على خدمة "واي فاي" مجانية أو الذين يدفعون مبالغ طائلة كي يبقوا متصلين بالإنترنت وتطبيقها المدهش "تيك توك"، جميعهم يمضي ساعات يومية مثبتين أمام شاشاتهم يتابعون أناساً لم يسمعوا عنهم طيلة حياتهم، يقدمون مقاطع فيديو قصيرة لم تطرأ على بال أحدهم.

الالتصاق غير المفهوم

وكما لم يطرأ على بال أحدهم أن يقدم مقاطع فيديو ساخرة أو ضاحكة أو مروجة لمنتج أو مكان أو خدمة، فإنه لم يطرأ على بال أحدهم أن يظل ملتصقاً أمام شاشته متابعاً ما يمكن التنبؤ بمحتواه أو التعرف إلى مصدره. مسألة الخوارزم وطريقة عمله ومدى حنكته ودهائه لا تشغل بال أغلب المنتسبين الجدد لقاعدة مشاهدة "تيك توك" العريضة والآخذة في الزيادة في مصر. لكن هذه الغالبية، بمن فيها قطاع أشبه بالأميين أو الأميين الذي لا يقرأون أو يكتبون، تعتبر "تيك توك" متعة كبيرة.

في سوق الخضراوات والفواكه الشهير في "ميدان الجامع" في شرق القاهرة باعة وبائعات يفترشون الأرصفة يبيعون ويتسامرون بعضهم مع بعض ويتداولون فيما بينهم مقاطع من "تيك توك"، نسبة كبيرة منهم أميون، لكن الغالبية المطلقة تحمل هواتف محمولة بعضها ذكي. يشاهد أحدهم مقطعاً أعحبه على "تيك توك" الذي حمله له الصغير على هاتفه الذكي غير الأصلي، ثم يفاجأ بأن صفاً طويلاً من الفيديوهات التي يتضح من صورها المصفوفة أنها تعد بالدرجة نفسها من المتعة التي حققها المقطع السابق. إنه الخوارزم الحاذق. لكن، "المسألة لا تحتاج علام (علماً)" كما يقول أحد الباعة الذي جلس غارقاً مع صديقه في مقطع "تيك توك" يشاهدانه ويقهقهان كما لم يقهقها من قبل. "كل ما عليك أن تفعله هو أن تنتقي مقطعاً، تشاهده، فتجد أمامك آلاف المقاطع المشابهة".

لكن القهقهات في السوق كثيرة، وكذلك في صالون النادي، وحماماته، وطرقاته، والباصات والمقاهي والبيوت. إنها القوة الضاربة الجديدة في عالم التواصل الاجتماعي، على الرغم من أنها تحديداً لم تعد بتحقيق غاية "التواصل" كغيرها من بنات عمومتها. وعلى الرغم من أن "تيك توك" لم يعد أيضاً بأن يكون ساحة لتفريغ الضغوط أو كما يقولون "فش الغل"، لكن محتواه المختار من قبل قطاعات من المستخدمين يفي بهذا الغرض السامي.

فيديوهات تسخر من "زن" الزوجات (الإصرار أو تكرار الطلب) أو شكهن في الأزواج أو تحولهن بعد سنوات الزواج من أغصان بان إلى أغصان جميز، وأخرى تسخر من تهيؤات الرجل الشرقي بأنه ذو سحر خاص لنساء الغرب، أو تململه من زوجته التي فقدت رشاقتها بينما يجد صعوبة في التفوه بتململه لضخامة كرشه، أو يدعي الاستقامة بينما هاتفه متخم بالاعوجاجات والالتواءات والضلالات، وغيرها. هم يفشون غلهم في هذه المقاطع وهن ينفسن عن حنقهن عليهم بمقاطع شبيهة. مقاطع أخرى تسخر من الأهلي لحساب الزمالك، والعكس. ومقاطع من نوع آخر تشي بموهبة مدفونة في التمثيل بعضها ينبئ بمهارة والآخر يتمنى لو بقيت مدفونة. إنه العالم الموازي الجديد في مصر.