Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الخوارزميات" حيلة المدونين للمشاركة في القتال بين إسرائيل وفلسطين

تنافس الصواريخ وتصارع التفجيرات ومعبر آمن من حظر إدارة منصات السوشيال ميديا

حظر بعض المنشورات على التواصل الاجتماعي يجبر المدونين على تجاوزه بـ"الخوارزميات"  (أ ف ب)

التغريد والتدوين والتصوير ومقاطع الفيديو لم تعد أدوات "العيال" على الشبكة العنكبوتية. وحتى لو كانت، فإن، القائمين على مواقع التواصل الاجتماعي يرصدون السقطة واللقطة، ويتربصون بهذا، ويحظرون ذاك، ويراجعون كل كلمة وتعبير وتصوير حتى انقلب الحال صراعاً من الكر والفر بين المنصات والمستخدمين.

ملايين المستخدمين لمنصات التواصل الاجتماعي يضخون على مدار الساعة كماً مذهلاً من المحتوى المقروء والمرئي حتى تحول جانب معتبر من الحلقة الأحدث من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي إلى عنكبوتي بحت.

أدرينالين الصراع

الصراع العنكبوتي مشتعل. والأطراف عديدة. شباب فلسطينيون وإسرائيليون يتراشقون، مستخدمون من مختلف الأعمار كل يغني على ليلاه سواء كانت فلسطينية أو إسرائيلية، مرتزقة ومنتفعون وميليشيات موجهة ومعهم مسؤولون ومتخذو قرار ومتحدثون رسميون والجميع ضربه أدرينالين الصراع الذي يضرب في كل مكان. "تيك توك" ينضح باحتقانات ومواجهات تكاد تنسكب خارج الشاشات. وبدلاً من مقاطع لفتيات يرقصن، وشباب يستعرضون مواهبهم الساخرة، أصبح "تيك توك" منصة لمشاركة الأخبار وكذلك التراشق بها. مقاطع "تيك توك" أصبحت تهيمن عليها صواريخ يقولون إنها انطلقت من غزة فوق إسرائيل، وانفجارات يقولون إنها أصابت غزة من قبل إسرائيل.

وبين الفلسطينيين والإسرائيليين ملايين المقاطع والتغريدات والتدوينات التي تتواتر على مدار الساعة. وفي كل ساعة يمتلئ الأثير بـ"المعلومات" التي يأتي بها المستخدمون والمستخدمات ومعه الآراء والمواقف والمطالبات الموجهة للعالم بالتدخل السريع سواء لإنهاء العنف الإسرائيلي وإعادة الحق لأصحابه الفلسطينيين أو إنهاء العنف الفلسطيني وإعادة الحق لأصحابه الإسرائيليين.

حرب الحقوق

وبعيداً من حرب الحقوق الدائرة رحاها واتهامات العنف الزائد المتبادل، فإن التواصل الاجتماعي تحول إلى منصات "أخبار عاجلة" مستمرة من دون شرط التحقق من الصدقية أو حتى تاريخ حدوثها. مبنى يتم تفجيره، أطفال يبكون، نساء ينتحبن ووميض الصواريخ الجاري إطلاقها من مكان إلى مكان تظلل الجميع. وخلف الشاشات يقبع ملايين المستخدمين سواء على "فيسبوك" أو "تويتر" أو "إنستغرام" أو "تيك توك". تتسارع دقات قلوبهم وأنفاسهم وهم يدققون في ملامح المآسي الإنسانية قبل أن يتمكنوا من التحقق من صدقية الصورة أو حقيقة الكلمة أو مَن الذي بدأ بالاعتداء؟ أو من قتل بداعٍ أو من دونه؟

من دون سابق إنذار، أصبحت منصات التواصل الاجتماعي أداة في أيادي الجميع. وبعدما تم استقبالها استقبال الفاتحين قبل عقد من الزمان حين كانت أحد أبرز أدوات ما يسمى بـ"أحداث الربيع العربي" لنشر ما يجري في العديد من شوارع مدن عربية من تظاهرات ومطالبات بالتغيير، أصبحت هذه الآونة أداة تستخدم من قبل الأطراف المتصارعة والحكومات والمواطنين العاديين وكذلك الميليشيات العنكبوتية باختلاف انتماءاتها. وربما هذا ما دفع قطاعات من المستخدمين الحاليين إلى الاعتراض على موجات الحجب والحظر والمنع التي تمارسها الشركات المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، التي يتركز ضحاياها بشكل واضح في صفوف الفلسطينيين.

غضب عارم

غضب عارم بين الفلسطينيين والمناصرين لهم جراء ما تتخذه منصات التواصل الاجتماعي من إجراءات لحظر محتوى يرد على صفحاتهم يتعلق بالصراع الدائر، حيث حذف متكرر للمحتوى وحظر لحسابات كثيرين. ووصل الأمر أحياناً إلى حظر عدد من الوسوم التي تحول كلمات مثل "القدس" أو "الأقصى"، إضافة إلى إزالة محتوى يتعلق بما يجري في غزة تستخدم فيه كلمات معينة تدل على اعتبار الفلسطينيين الجانب المجني عليه.

المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة اتهم منصات التواصل الاجتماعي بـ"ملاحقة المحتوى الفلسطيني". وركز في انتقاده على "فيسبوك" و"تويتر" و"إنستغرام"، متهماً إياها في بيان صادر قبل أيام بـ"حذف المحتوى الفلسطيني وحظر عشرات الحسابات الفلسطينية على خلفية نشاطها في تغطية أحداث انتفاضة القدس وغضبة أهالي حي الشيخ جراح".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تواطؤ الشركات

واعتبر البيان هذه الإجراءات دليلاً على تواطؤ إدارات شركات هذه المنصات مع السلطات الإسرائيلية في ملاحقة المحتوى الفلسطيني، وفي الوقت نفسه غض الطرف عن "محتوى الاحتلال (الإسرائيلي) المليء بالتحريض والكراهية والعنصرية". وندد البيان بتلك الإجراءات التي وصفها بالـ"مخالفة لكل المواثيق والأعراف الدولية التي توجب احترام حرية الرأي والتعبير".

منصات التواصل الاجتماعي تؤكد دائماً أن احترام حرية الرأي والتعبير من دون تعد على رأس أولوياتها. لذلك فقد سارع كل من "إنستغرام" و"تويتر" إلى إصدار بيانات تؤكد فيها أن السبب في إزالة محتوى بعينه في هذا الشأن يعود إلى "أخطاء تقنية". إنها الخوارزميات سابقة التجهيز، التي جعلت من كلمات مثل "القدس" و"الأقصى" مصدر خطر ينبغي حظره. بمعنى آخر، إنها الآليات المبرمجة والمعدة مسبقاً، التي تتعامل من دون تدخل بشري لإزالة كلمات أو تدوينات أو صور بأكلمها خوفاً من أن يكون المحتوى خارقاً لقواعد الاستخدام.

التحديث الآلي السبب

وقبل أيام، أعلنت "إنستغرام" أن تحديثاً آلياً تسبب في إخفاء محتوى تمت مشاركته مرات عدة من قبل مستخدمين، وأن هذا الاختفاء طال محتوى العديد من المستخدمين الذين كتبوا أو تشاركوا تدوينات عن "الشيخ جراح" وفي كولومبيا ومجتمعات السكان الأصليين في أميركا وكندا. وأكدت المنصة أن هذا الاختفاء للمحتوى جعل العديد من المستخدمين في كولومبيا والقدس الشرقية ومجتمعات السكان الأصليين في أميركا وكندا يعتقدون أن إخفاء المحتوى مقصود به قمع أصواتهم وقصصهم، مشيرة إلى أن هذا لم يكن مقصوداً أبداً. فالمسألة لا تعدو كونها خوارزميات.

خوارزميات قاتلة

لكن من الخوارزميات ما قتل بسبب الانحياز حتى وإن كان آلياً، لكن تظل المحددات بشرية الصنع. في ورقة عنوانها "هل يمكن للخوارزميات إنقاذنا من الخطأ البشري؟" (2019)  قالت "منظمة مراقبة حقوق الإنسان" (هيومن رايتس ووتش) أن الكثيرين يهللون لزيادة الاعتماد على البيانات الضخمة والخوارزميات لدعم عملية صنع القرار البشرية التنبؤية أو حتى الحلول محلها، إذ قد تستخرج أدوات التعلم الآلي الأنماط من البيانات الضخمة التي لا يستطيع العقل البشري استيعابها وتتعلم منها. لكن الورقة حذرت من أن تكون كلفة هذه القدرة الحاسوبية الفائقة باهظة في المستقبل، إذ قد تتسبّب في فقدان الإيمان بقدرة البشر على معرفة الحقيقة وتحديد المسؤولية عن القرارات السيئة.

ولفتت الورقة الانتباه إلى مشكلة أخرى ألا وهي النزعة السياسية البديهية، التي تعني مطالبة الخبراء التقنيين المتخصصين في وسائل التواصل الاجتماعي بـإصلاح مشكلات مثل الأخبار المزيفة أو خطاب الكراهية. وأشارت إلى أن الشركات تعمل بحسب النقرات والأرباح النقدية، لا التوازن الدقيق بين تعزيز حرية التعبير وحماية حقوق الآخرين. وحذرت الورقة من أن هذه الشركات قد تستخدم الخوارزميات وليس الخبراء الحقوقيين لتحديد حقوق البشر.

 

 

حقوق البشر محل نزاع

حقوق البشر محل نزاع افتراضي حامي الوطيس بين مختلف الأطراف هذه الأيام. وبعيداً من الخوارزميات المنحازة وتجدد الاتهامات الموجهة لمنصات التواصل الاجتماعي بالانحياز مع الإسرائيليين ضد الفلسطنيين في الفصل الأحدث من المواجهات، تتصاعد حدة المواجهات على الأثير العنكبوتي. والمسالة لم تعد حكراً على الفلسطينيين والمناصرين لهم من جهة والإسرائيليين والداعمين لهم من جهة أخرى، بل امتدت لتصل إلى تراشقات داخلية عدة نقلت الصراع إلى مستوى جديد، أو ربما كشفت الستار عن محتوى حديث.

ليست قضيتي

"فلسطين ليست قضيتي" وسم انتشر كالنار في الهشيم لبضع ساعات. وعلى الرغم من أن الوسم صدر قبل سنوات في ظرف مختلف تماماً، إلا أن أحدهم أعاد إحياءه واستخدمه العشرات لتأليب المستخدمين العرب على بعضهم البعض. فتارة يتم نسب الوسم إلى مصر والمصريين، فيتشجع البعض ممن يرى أن زمن دعم الفرق الفلسطينية الخاسرة قد انتهى وعلى مصر أن تنتبه لنفسها حيث "لا ينوب المخلص إلى تقطيع ملابسه" (أي أن من يتطوع لفض النزاعات غالباً لا يخرج إلا بعد تمزيق ملابسه) ويتبنون الوسم. وهنا تشتعل المواجهات الافتراضية حيث يلقون معارضة من قبل مصريين آخرين يؤمنون بحتمية تدخل مصر لدعم فلسطين وتحرير القدس، وآخرين غير مصريين ممن يعتبرون مصر المسؤول الأوحد عن إنقاذ فلسطين، وهلم جرا.

الجانب الإسرائيلي كعادته يتعامل بكثافة شديدة مع مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يعزف المسؤولون الرسميون والمستخدمون العاديون وكأنهم في أوركسترا الدفاع الهارموني حيث صور المواطنين الإسرائيليين المذعورين من صواريخ "حماس"، والأطفال الإسرائيليين الأبرياء الذين لا يفهمون سبب تركهم لبيوتهم ليلاً، والصواريخ تضيء السماء من دون هوادة معرضة الجميع  للخطر.

صواريخ وأخبار

الجميع معرض للأخبار الكاذبة من دون استثناء. هذا ما يعيد الفصل الدائرة رحاه من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي تأكيده عبر منصات التواصل الاجتماعي. الكم المذهل من "الأخبار" و"المعلومات" ومقاطع الفيديو التي تحوي صواريخ وانفجارات وقتلى وجنازات ومباني مهدمة وسيارات مهشمة يحوي كماً غير معلوم من الأكاذيب والأخبار المضللة والقديمة. وهنا تتداخل الحقيقة مع الوهم فيلتبس كلاهما، والخبر مع الزيف، فيضيع كلاهما.

كل من الفيديو الذي أورده المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي للإعلام العربي عوفير غندلمان على حسابه على "تويتر" حيث صاروخ أطلقته "حماس" على منطقة مأهولة بالسكان وما كتبه في تغريدة من أن ثلث صواريخ "حماس" سقط في غزة وقتل الفلسطينيين غير صحيح.

وبعدما تم تداول المقطع والتغريدة ملايين المرات، تم الكشف عن أنه يعود إلى عام 2018 في درعا السورية. إنه مثال ضمن آلاف الأمثلة لملايين الأخبار والفيديوهات الكاذبة المتداولة وغيرها من الأخبار الحقيقية لكن المنسوبة للمكان والتوقيت الخاطئين.

طوفان الأخبار الكاذبة

وإذا كانت خوارزميات منصات التواصل الاجتماعي أدت إلى حجب وإخفاء كم كبير من محتوى مستخدمين فلسطينيين، فإن الخوارزميات نفسها تقف عاجزة أمام طوفان الأخبار المفبركة والكاذبة وغير الدقيقة.

"اجتياح بري إسرائيلي وشيك لغزة" "قتلة فلسطينيون يطرقون أبواب الأسر الإسرائيلية" "المسجد الأقصى يحترق وجنود إسرائيليون يرقصون ابتهاجاً" "عمليات دهس وطعن وشيكة في تل أبيب ينفذها فلسطينيون"، والأخبار الكاذبة تنافس الأحداث المتسارعة على الأرض وكأنها تهدف إلى المزيد من الإشعال والعنف وحدة المواجهة. حتى الفيديو المتداول لسيارات ترفع العلم الفلسطيني في أحد أحياء شمال لندن والمعروفة بتركز السكان اليهود، التي يرد فيها صوت ينادي بقتل اليهود واغتصاب الفتيات اليهوديات يجري تناوله وتداوله من دون هوادة مع إما إضافة مطالبات بالمثل للعرب والمسلمين أو تأييد ما ورد في المقطع. تداول المقطع لم يقتصر على المجموعتين المتصارعتين: المستخدمين الفلسطينيين والإسرائيليين، بل امتد للسياسيين وكبار المسؤولين في شركات منصات التواصل الاجتماعي مستوجباً التدخل السياسي والعنكبوتي.

شريك عنكبوتي

شركات منصات التواصل الاجتماعي أصبحت شريكاً وطرفاً ضالعاً في الصراع. "فيسبوك" قالت إنها تتواصل مع مسؤولين فلسطينيين وإسرائيليين لـ"بحث خطاب الكراهية والتحريض على العنف" المتصاعد في الصراع الحالي. وتشير تقارير صحافية إلى أن لقاءً بين مسؤولين في "تيك توك" ووزير الدفاع والقائم بأعمال وزير العدل الإسرائيلي بيني غانتس انعقد عبر "زووم" لمناقشة تداول الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة والتهديدات على المنصة.  

وتجدر الإشارة إلى أن منظمات عدة داعمة لإسرائيل حاولت الضغط على إدارة "فيسبوك" قبل أشهر لتغيير سياسة معايير المجتمع الخاصة به واعتبار كلمة "صهيوني" مرادفة لـ"يهودي" ومن ثم إضافتها للفئات المحمية ضمن سياسة خطاب الكراهية الخاصة به.

من جهة أخرى، طالب وزير الدفاع والقائم بأعمال وزير العدل الإسرائيلي بيني غانتس مديري "فيسبوك" و"تيك توك" بإزالة المحتوى الذي يحرض على العنف أو ينشر معلومات مضللة. كما طالبهما بإزالة المحتوى الذي يحرض على العنف أو الإرهاب بشكل استباقي.

المربع صفر

وبشكل استباقي، تعيد هذه المطالبات الجميع إلى المربع صفر. فما يراه طرف إرهاباً وعنفاً هو حق مشروع للدفاع عن النفس بالنسبة لطرف آخر. وما يعتبره أحد المتصارعين فعلاً يعتبره الآخر رد فعل. وهنا تقف الخوارزميات حائرة.

حيرة الخوارزميات لا تعرقل المستخدمين من الطرفين المتصارعين. فقد بات الجميع محنكاً في قواعد التحايل على الخوارزميات حيث كتابة حرف بدلاً من حرف أو استخدام علامة رقمية بدلاً من أحد الحروف في الكلمات التي تعتبرها منصات التواصل الاجتماعي حاضة على الكراهية أو مناهضة لقواعد الاستخدام.

وإذا كان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي لا يخرق قواعد الاستخدام بتغريداته الشهيرة، فإن كثيرين يؤمنون بأنه يخرق قواعد المنطق والتاريخ وأحياناً الجغرافيا. في إحدى أحدث تغريداته يقول، "من قلب إسرائيل النابضة حياة وصلابة وتصميماً على دحر الإرهاب، من منارة الشرق أقول: شعب إسرائيل حي". قبلها بأيام قليلة رد أدرعي على تغريدة للفنانة اللبنانية هيفاء وهبي بما أغضب ملايين العرب. فقد كتبت وهبي متضامنة مع غزة وأهلها، "ما يحصل في غزة جريمة في حق الإنسانية، الله يحمي فلسطين الحبيبة وأهلها". فما كان من أدرعي إلا أن رد عليها سريعاً: "صدقت هيفاء وهبي بقولها أن ما يحصل في عزة جريمة. ما يحصل في غزة جريمة بحق الأبرياء الذين يستخدمون كدروع بشرية من قبل الإرهابيين وعلى رأسهم حماس". وهنا تأجج الأثير بين غضب عربي وتأييد إسرائيلي ومعاودة تغريد وتدوين باستخدام أساليب مراوغة الخوارزميات وتضليل لجان المراجعة إن وجدت.