ملخص
المصريون، شأنهم شأن شعوب الأرض، بحثوا عن آلاف الكلمات وشاهدوا ملايين الفيديوهات ودخلوا في مليارات التعليقات وإعادة التشارك والتشابك، ومن ثم مزيد من البحث والتعليق على مواضيع تعكس توليفة منتقاة من أمور كرة القدم ومعاركها وأسرار أهل الفن وتداخلات السياسة وفظائع الحروب والصراعات ومسلسلات رمضان وتلاوات القرآن وإطلالات الفنانات وفتاوى متعقلة وأخرى أقرب ما تكون إلى الجنون.
تقول الأسطورة إن الناس يستخدمون محركات البحث ويجولون على منصات الـ"سوشيال ميديا" لأسباب عدة، تبدأ بالبحث عن إجابة لسؤال، قد يكون ما الحذاء الأنسب للمشي لمسافات طويلة؟ أو كيف يبدو الله؟، وتمر بمعرفة مزيد عن مرض أو عرض أو تربية أليف أو تخلص من زوجة أو كسب ود المدير، وتمر كذلك بالرغبة في التواصل، فالبحث عن أصدقاء المدرسة أو أحباء الماضي أو أشخاص تجمعهم هواية ما، وأيضاً لأسباب ترفيهية وتثقيفية وتعليمية، سواء كانت متابعة محتوى كوميدي أو فني، أو الإغراق في آخر جنسي، أو اكتساب مزيد عن الدين والمعاملات والعبادات، وتبقى مرحلة "تنتهي" قوساً مفتوحاً، ما دام أن المحركات تعمل والمنصات متاحة.
الأسطورة النظرية
إنها الأسطورة النظرية المرتكزة على أدبيات محركات البحث باعتبارها أدوات توفر إمكان الوصول السريع والشامل إلى المعلومات عبر الإنترنت، والأهداف المنصوص عليها في "مانيفستو" الـ"سوشيال ميديا"، ولو كان غير مكتوب، فربط الناس بعضهم ببعض وتمكينهم من تبادل المعلومات والأفكار والمحتوى، مما يتيح بناء مجتمعات افتراضية والحصول على الدعم المطلوب، ويمنح الجميع فرصاً متساوية في التعبير عن الذات والتعلم وتحقيق أهداف تجارية مثل التسويق وتوظيف الأفراد وتكوين شبكات مهنية واسعة.
ويمضي الشق النظري الذي لا يخلو من علم نافع وتنقيب لازم في ما يلفت انتباه مستخدمي الشبكة العنكبوتية، واستخداماتهم ليقدم مادة خصبة ثرية حول الأعراف الثقافية في الدول والمجتمعات ومستويات المعرفة الرقمية وبيئاتها السياسية وتركيباتها الفكرية وأوضاعها الاقتصادية وعاداتها الاجتماعية، مع إشارات على استحياء إلى ما يعكسه نشاط كل شعب أو مجتمع على الإنترنت من أولويات فكرية وقيود مجتمعية واستثارات عصبية وعقد نفسية وقيود اجتماعية، والقائمة تطول.
محركات ومؤشرات وعام مضى
عند نهاية كل عام في العصر الرقمي، تخرج محركات البحث وشركات الـ"سوشيال ميديا" بقوائم مفصلة عن أكثر المواضيع بحثاً وأكثر الفيديوهات مشاهدة وأكثر الصور تشاركاً، وغالبيتها تقدم معلومات وبيانات مفصلة عن كل دولة على حدة، حيث من بحث عن ماذا؟ ومن شاهد ماذا؟ مع الإبقاء على باب "لماذا؟" مفتوحاً لمن يرغب في البحث والفهم.
قليل من "سيكو سيكو"
المصريون، شأنهم شأن شعوب الأرض، بحثوا عن آلاف الكلمات وشاهدوا ملايين الفيديوهات ودخلوا في مليارات التعليقات وإعادة التشارك والتشابك، ومن ثم مزيد من البحث والتعليق على مواضيع تعكس توليفة منتقاة من أمور كرة القدم ومعاركها وأسرار أهل الفن وتداخلات السياسة وفظائع الحروب والصراعات ومسلسلات رمضان وتلاوات القرآن وإطلالات الفنانات وفتاوى متعقلة وأخرى أقرب ما تكون إلى الجنون، إضافة إلى أرض نادي الزمالك وشهداء غزة و"فهد البطل" وحرب إيران وإسرائيل وأسعار الذهب، وكذلك حريق سنترال رمسيس وافتتاح المتحف المصري الكبير والرئيس الأميركي دونالد ترمب وقانون الإيجار القديم و"سيكو سيكو" الفيلم والرمز (محتوى جنسي).
ويشمل البحث قطاع غزة و"إش إش" (مسلسل) وفقه المرأة والمقاطعة وممارسة العلاقة الزوجية في رمضان، والذكاء الاصطناعي لإنشاء المشاريع ومشكلة محمد صلاح، ونتيجة الثانوية العامة والأزهر الشريف، وكذلك أدوات تعديل الصور وتحرير الفيديوهات وطريقة عمل "كيكة" التفاح من دون دقيق والتضخم وسعر الفائدة.
من "غوغل" تقنيات الذكاء الاصطناعي ومنها إلى "تيك توك" و"ميتا" (فيسبوك) و"إنستغرام" و"واتساب" و"يوتيوب" وغيرها من أدوات البحث ومنصات الـ"سوشيال ميديا"، أمضى المصريون، كغيرهم من شعوب الأرض، عاماً رقمياً عاكساً للتنوع وكاشفاً عن التعددية ومعبراً عن الاختلافات الجوهرية ومؤشراً على حاجات نفسية وأخرى اقتصادية وثالثة عاطفية، وفي أقوال أخرى جنسية، واهتمامات سياسية وإغراقات كروية، وتعاط مع غزة، ومواقف تجاه إيران ومخاوف من المستقبل مع تمسك بتلابيب الأمل والدين والمستقبل.
بحث واستهلاك وحب استطلاع
تبدو توجهات المصريين البحثية والاستهلاكية والاستطلاعية وحتى العاطفية وكأنها متناقضة، إلا أن 93 مليون مستخدم للإنترنت و90 مليون مستخدم للهاتف المحمول، ونحو نصف الشعب مشارك على الـ"سوشيال ميديا" من بين 108 ملايين مصري، بحسب مستشارة وزير الاتصالات للتنمية المجتمعية الرقمية هدى دحروج، تعني أن التعددية والاختلاف والتنوع المنعكسة في أهواء البحث وتوجهات الاستخدام تحصيل حاصل.
كرة القدم تهيمن
القراءة الشاملة لأبرز التوجهات والكلمات المفتاحية والفيديوهات والمحتوى المصنوع والمتابع تشير إلى توليفة مصرية أصيلة من الاهتمامات قائمة على كرة القدم وكواليسها لا مبارياتها فقط، ودراما رمضان ولا سيما تلك المرتبطة بالمفاهيم الشعبية للرجولة التي ربما لا تخلو من بلطجة حيناً و"جدعنة" أحياناً، وتماهٍ مع صراعات المنطقة وعلى رأسها كل ما يتعلق بفلسطين ولا سيما غزة، والأسعار والتضخم والأوضاع الاقتصادية الضاغطة، وفي الوقت نفسه أخبار الفنانين، وحبذا لو فيديوهات مثيرة للجدل والقيل والقال، وفي القلب منها إطلالات الفنانات، وحبذا لو كانت جريئة.
لكن هذا لا ينفي إغراقاً واستغراقاً في الدين ومواضيعه وفتاواه ومن بينها ما يتعلق بسفائف الأمور وأخرى بالمرأة وفقهها وثالثة في صميم العبادات وقلب المعاملات، مع "توابل" من الفتاوى العجيبة ولا سيما تلك التي تنافس على الصدارة في باب "عجائب وغرائب"، وفي الوقت نفسه اهتمام ثقافي وفكري وموضوعي طاغٍ بـ"دولة التلاوة"، وإن كان لا ينال من مكانة فستان رانيا يوسف الكاشف وكلام ياسمين عبدالعزيز المفاجئ، وفي القلب من كل هذا حلقة "الدحيح" عن عمرو بن العاص، ومقاطع الرقص ولقاءات الشارع الساخرة، وتعليقات المستخدمين على تعليقات غيرهم من المستخدمين على تصريحات مشاهير أو حوادث مثيرة أو أحداث مهمة.
عام رقمي ميلادي
في نهاية كل عام رقمي ميلادي، ترسم المواضيع الأكثر قراءة والكلمات الأكثر بحثاً والفيديوهات الأكثر مشاهدة ملامح جديدة للمصريين، وتكشف عن توجهات جديدة، أو ربما تمسك بأخرى قديمة.
عام 2025 أكد أن كرة القدم تهيمن، والدراما تستحوذ، وافتتاح المتحف المصري الكبير يؤكد أن المصريين كانوا في أمس الحاجة إلى ما يبهجهم ويفرجهم ويعيد قدراً من الاعتزاز والثقة لنفوسهم، والاقتصاد ما زال مزعجاً، لكن البحث عن مخارج غير تقليدية عبر أفكار وفرص على الأثير والمنصات يعكس أملاً في التطوير، مع قدر كبير من التوجه نحو الذكاء الاصطناعي ومختلف أدواته وتطبيقاته، وفي القلب منه الكشف عن زيادة واضحة وملحوظة في الوعي والثقافة والإقبال على منظومة الذكاء الاصطناعي، بعيداً من حسن الاستخدام أو سوئه.
سياسة بين الحين والآخر
وعلى رغم تضاؤل اهتمام المصريين بصورة عامة بالسياسة، فإن القضايا المحلية الساخنة مثل معضلة الانتخابات البرلمانية وتصريحات بعض الوزراء غير المتوقعة، ولا سيما تلك المتعلقة بالاقتصاد والأوضاع المعيشية والإيجارات والأسعار وغيرها، وكذلك الحروب والصراعات الإقليمية تلهب المشاعر، مما ينعكس على توجهات البحث واختيارات المتابعة والمشاركة، وعلى رأسها حرب غزة وما نجم عنها من حروب وصراعات وأحداث ساخنة.
كل ما سبق يبدو متوقعاً، أما توجه قطاع عريض من المصريين الواضح والسريع والمتنامي صوب الذكاء الاصطناعي، فمذهل على مدى العام، وعلى رغم أن "تشات جي بي تي" لم يتصدر البحث، فإن "ديب سيك" الصيني فعل، وبحث المصريون واستخدموا وتوسعوا في أغوار "غروك" و"كلود" و"جيميني" وغيرها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكعادة المصريين، حتى الذكاء الاصطناعي وعلى رأسه "تشات جي تي" لم يسلم من روح الدعابة وحس السخرية، وفجأة ظهرت شخصية على الأثير يتداول أخبارها كثرٌ، ويتساءل عن رأيها في شؤون الدنيا آخرون، "شادي شبت" المولود من رحم النطق الدارج لـ"تشات جي بي تي" أصبح حديث الساعة على المنصات، والأدهى من ذلك أن كثراً يمعنون في سؤال "تشات جي بي تي" عن "شادي شبت"، وغالباً تخرج الإجابة "عذراً، لم أسمع عنه من قبل"!
"شادي شبت" و"تشات جي بي تي"
تظل استخدامات الذكاء الاصطناعي تختلف بحسب المستخدم، سواء كان لأغراض مهنية أو ثقافية أو ترفيهية، ولا يخلو الأمر دائماً من جنوح صوب استخدامات غير لائقة مثل تخليق محتوى جنسي أو إباحي.
في السياق نفسه، أعلن "بورن هاب" أشبه بـ"يوتيوب" ولكنه متخصص في مقاطع الفيديو الإباحية وهو أكثرها زيارة في العالم قبل أيام عن أعلى 20 دولة يتردد سكانها والمقيمون فيها على محتواه، وجاءت مصر في المرتبة الـ18 للعام الثاني على التوالي.
محتوى جنسي يناقض "الالتزام"
في كل مرة يطرح اسم مصر أو المستخدم المصري مرتبطاً بمواقع أو محتوى ذي طابع جنسي، يهرع بعضهم لمحاولة فهم الأسباب، ولا سيما أن المجتمع يعرف نفسه بـ"التدين الفطري" ومعروف عالمياً بميله إلى "الالتزام" الديني والاجتماعي.
بين تعليل بنفص الثقافة الجنسية وهو ما يحاول بعضهم تعويضه عبر فضول الاطلاع تارة وحب الاستطلاع المعرفي تارة أخرى، وتبرير بأن المواقع الإباحية معظمها غربي، والإحصاءات الصادرة عنها غربية، وأن الأمر لا يخلو من مؤامرة غربية غرضها التشويه، وتأكيد على أن ذلك يعود لضعف الوازع الديني، وشرح أكثر عقلانية يتطرق إلى الكبت الجنسي، سواء بين المراهقين والشباب أو بين الكبار، مما يدفع بعضهم إلى التنفيس افتراضياً، قلما يتطرق الخبراء إلى حقيقة مفادها بأنه لا توجد دولة في العالم تخلو تماماً من استهلاك المحتوى الجنسي، سواء كان ورقياً أو عنكبوتياً أو شفهياً، بما في ذلك الدول التي تجرم ذلك النوع من المحتوى، أو تفرض رقابة صارمة على الإنترنت، وتظل هناك طرق بديلة.
من جهة أخرى، يبدي بعضهم اندهاشاً مما يعده تناقضاً فجاً أو تضارباً غير منطقي بين مجتمع أصبح أكثر تديناً و"التزاماً" واستهلاك لمحتوى غير لائق.
السبب وبطلان العجب
تحت عنوان "مزاج المصريين" كتب الصحافي علاء الغطريفي في ديسمبر (كانون الأول) الجاري، محاولاً تفنيد الأسباب لإبطال العجب، وقال إنه لا يمكن وصم أنماط استهلاك المحتوى للجمهور أو الانجراف إلى إغراءات التعميم وإغفال زوايا الاختلاف والتحقق من بيّنة الأرقام، مشيراً إلى أن "مصر أكثر من جمهور وأكثر من شعب، هكذا يقول ’التايم لاين‘ على منصات التواصل الاجتماعي والإنترنت"، محذراً أن بعضهم يقع في فخ العدسات الضيقة التي لا تنظر إلى الصورة على نحو أعمق وأشمل لرسم مشهد الاستخدام، المحفز في الأصل على إطلاق التعميمات والتنميط واستسهال المطلق من الأحكام، لدى الحكم على مزاح المصريين.
ويجد الغطريفي في هذا الجمهور المتمثل في ملايين المستخدمين المصريين "نسخاً متعددة من المزيج الذي كان عليه سي السيد (السيد أحمد عبدالجواد هو بطل ثلاثية نجيب محفوظ)، فهو يفعل كل شيء وأي شيء بمنتهى الإخلاص، متسلط ومحافظ، وداعٍ إلى الاستقامة في بيته، وباحث عن اللهو والمجون وإشباع الغرائز في حياة الظل، يصلي بخشوع وفي الوقت نفسه يعاقر الخمر في ليالي الأنس"، مشيراً إلى أن ذلك ليس مدحاً أو ذماً أو حكماً أخلاقياً على تفضيلات الناس عام 2025، إنما إضاءة على التنوع في استخدامات الإنترنت.
وذكر على سبيل المثال لا الحصر أن "هذا الجمهور المتعدد والمتنوع يدفع ثلاثة مواقع إباحية لتكون بين المواقع الـ10 الأكثر زيارة في مصر معظم أشهر العام، وفي الوقت نفسه، يحقق لـ"دولة التلاوة" أعلى نقاط على مستوى الجماهيرية في إحصاءات المشاهدة، ويحصد ملايين المشاهدات عبر مقاطع الفيديو على المنصات الاجتماعية".
سيكولوجيا البحث
يلملم عام 2025 متعلقاته، بكلمات بحثه ومواضيعه الأكثر قراءة وأخباره الأعلى متابعة وفيديوهاته الأوسع انتشاراً، ويأتي عام 2026 بكلمات بحث ومواضيع وأخبار وفيديوهات واهتمامات جديدة، وتظل "سيكولوجيا البحث" حاكمة مرشدة لفهم من يبحث عن ماذا؟ ولماذا؟
وكتب مؤسس موقع "توداي ديجيتال" روب سكوت أن البحث على الإنترنت هو انعكاس لدوافع النفس البشرية والرغبات المعرفية والترفيهية، وهذا البحث يقول كثيراً عن حاجات كل مستخدم وأولوياته ومخاوفه وآماله وأحلامه.
وأشار ضمن مقالة عنوانها "سيكولوجيا تحسين محركات البحث: صياغة رسائل تتواصل مع الناس والخوارزميات" (2025) إلى أن المسألة ليست مجرد كلمات بحث، بل تمتد لتصل إلى نية المستخدم وما يحتاج إليه فعلاً والتحيزات المعرفية ودرجات الفضول والثقة.
ويبقى كل بحث أو استعلام أو متابعة ينبع من حاجة إلى معلومات أو حلول، أو رغبة في الهروب من واقع، أو استكشاف عوالم جديدة، أو خيالية، أو إرضاء غرور، أو بحث عن بدائل، أو رغبة في إظهار تعاطف أو تنافر، أو ملء فجوة معرفية، أو إرضاء فضول أو حب استطلاع.