ملخص
كشف ناشط سياسي كيني فضل عدم ذكر اسمه عن أن "روسيا تتعمد تجنيد الكينيين عبر عروض عمل وهمية تطرحها وكالات متخصصة في كينيا ثم يوقع الشاب المعني على العقد ويغادر إلى موسكو".
دخلت قضية تجنيد روسيا مواطنين أفارقة في صفوف قواتها من أجل القتال في أوكرانيا مرحلة جديدة، إذ أعلنت الحكومة الكينية عن إنقاذ 18 مواطناً واحتمال تجنيد موسكو لـ 180 آخرين.
وقال رئيس الوزراء الكيني الذي يشغل أيضاً منصب وزير الخارجية موساليا مودافادي إن "هذه الخطوة أي استعادة كينيين تأتي وسط تقارير متزايدة عن تجنيد روسيا لأفارقة من بينهم كينيون من أجل القتال في صفوفها في أوكرانيا".
ونشرت سفارة كينيا لدى روسيا بياناً كشفت فيه عن محاولات لتجنيد الكينيين من قبل الجيش الروسي، وتسجيل إصابات في صفوف هؤلاء وتخلٍ عنهم إثر فشل محاولات التجنيد. وهذا الاتهام الرسمي المباشر الأول من سلطات في دولة أفريقية لروسيا بتجنيد مواطنيها.
ولم تعلق السلطات في موسكو بعد على هذه التطورات التي تأتي في وقت تقول موسكو إنها بصدد إحراز تقدم على جبهات القتال في أوكرانيا.
عقود عمل وهمية
وتأتي هذه التطورات في وقت تجري دول أفريقية بالفعل تحقيقات حول تجنيد مواطنيها للقتال في أوكرانيا التي تخوض حرباً مع روسيا منذ فبراير (شباط) عام 2022.
وكشف ناشط سياسي كيني فضل عدم ذكر اسمه لحساسية الموضوع عن أن "روسيا تتعمد تجنيد الكينيين عبر عروض عمل وهمية تطرحها وكالات متخصصة في كينيا ثم يوقع الشاب المعني على العقد ويغادر إلى موسكو".
وتابع الناشط ضمن حديث خاص إلى "اندبندنت عربية" أن "بعض العاطلين من العمل رفضوا منذ وصولهم إلى روسيا الانضمام للجيش ووجهوا نداءات استغاثة، فتحركت السلطات في نيروبي مثلما هي الحال مع الـ 18 الذين عادوا لأرض الوطن".
وقال "على رغم العلاقات المتميزة مع روسيا، فإن السلطات كما الشعب الكيني نرفض إقحامنا في هذا الصراع أو استغلالنا من خلال التجنيد القسري لأبنائنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان مودافادي وجه دعوة لروسيا على هامش كلمة له إلى تعزيز العلاقات الثنائية بما يشمل التفاوض على اتفاق عمل يتيح فرص عمل أو دراسة آمنة للكينيين.
مسؤولية سياسية وأخلاقية
يرى الباحث السياسي في الشؤون الأفريقية خالد محمد الحجازي أن "الدلالة الأساسية الأولى في هذه القضية هي أن الحرب في أوكرانيا لم تعُد حبيسة الجغرافيا الأوروبية، بل امتدت آثارها إلى دول بعيدة جغرافياً مثل كينيا. فاستدراج مواطنين أفارقة، غالباً عبر وعود بالعمل أو تحسين الوضع المعيشي، يكشف عن اعتماد متزايد على وسائل غير تقليدية لتعويض النقص البشري الذي تفرضه الحرب الطويلة. وهذا النمط من التجنيد، حتى لو لم يكُن دائماً عبر قنوات رسمية مباشرة، يضع الدولة التي تستفيد منه أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية واضحة".
وتابع الحجازي في تصريح خاص أنه "لا يمكن النظر إلى الحالة الكينية بمعزل عن تقارير مشابهة تحدثت عن مواطنين من جنوب أفريقيا والكاميرون ودول أفريقية أخرى وجدوا أنفسهم في ظروف قتال لم يخططوا لها. وهذا يوحي بأن الظاهرة لم تعُد حالات فردية معزولة، بل بدأت تتحول إلى ملف عابر للحدود، تغذيه هشاشة الأوضاع الاقتصادية في بعض الدول وضعف الرقابة على شبكات التوظيف والهجرة. ومع اتساع الدائرة، يصبح من الصعب على الحكومات الأفريقية تجاهل الأمر أو التعامل معه بهدوء دبلوماسي كما كان في السابق".
وشدد على أن "استجابة نيروبي السريعة تؤشر نسبياً، عبر التحرك الدبلوماسي واستعادة مواطنيها، إلى تحول في وعي الدول الأفريقية بخطورة هذه الظاهرة. فالتدخل لا يهدف فقط إلى حماية الأفراد، بل إلى توجيه رسالة مفادها بأن السيادة الوطنية تشمل أيضاً حماية المواطنين من الاستغلال في صراعات دولية لا ناقة لهم فيها ولا جمل".
ضرر كبير
وتثير هذه القضية شأنها في ذلك شأن قضايا أخرى مرتبطة على سبيل المثال بانتهاكات مزعومة لقوات روسية في أفريقيا، تساؤلات واسعة حول تأثيرها في النفوذ الذي تسعى موسكو إلى ترسيخه.
وتهاجم روسيا تعامل الغرب مع القارة السمراء، لكن مقاربتها باتت تواجه انتقادات كبيرة في ما يتعلق بتجنيد مدنيين للحرب في أوكرانيا.
وقال الحجازي إن "هذه القضية تلحق بالفعل ضرراً واضحاً بسردية روسيا التقليدية في أفريقيا التي قامت لأعوام على خطاب ’الشراكة المتكافئة‘ ودعم دول الجنوب في مواجهة الهيمنة الغربية (...) وحين ينظر إلى روسيا على أنها تستغل الفقر أو اليأس لتجنيد مقاتلين أجانب في حربها ضد أوكرانيا، فإن ذلك يضعف رصيدها المعنوي، ويمنح خصومها مادة إضافية لتقويض نفوذها السياسي".
وخلص إلى أنه "في المحصلة، قضية تجنيد الأفارقة، كما تكشف عنها الحالة الكينية، ليست مجرد حادثة عابرة، بل إنها إنذار مبكر لمسار قد يتسع ما لم يواجه بتنسيق أفريقي ودولي واضح (...) وهي في الوقت ذاته اختبار حقيقي لقدرة روسيا على الحفاظ على صورتها ونفوذها في أفريقيا، في زمن لم تعُد فيه الحروب تقاس فقط بما يحدث في ميادين القتال، بل أيضاً بما تخلفه من آثار أخلاقية وسياسية بعيدة".
توتر محتمل
يذكر أن وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها أعلن في وقت سابق أن كييف حددت هوية نحو 1436 مرتزقاً يحملون جنسية 36 دولة أفريقية، ودعا هذه الدول إلى حماية مواطنيها من فخ التجنيد الروسي.
ويقود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حملة واسعة من أجل تكريس نفوذ في أفريقيا ضمن مساعٍ باتت على المحك بحسب الباحث السياسي النيجري محمد أوال الذي يرى أن "حملات التجنيد قد تفجر توتراً بين موسكو وعواصم أفريقية".
وأردف أوال في تصريح خاص أن "بوتين يحاول تحقيق مكاسب سريعة في أوكرانيا يستبق بها الحل الذي تدفع نحوه الولايات المتحدة الأميركية، لكن محاولاته تضع سمعة روسيا في القارة السمراء وأيضاً في دول مثل العراق ولبنان على محك حقيقي".
وأكد أن "تواتر التقارير عن تجنيد مواطنين من والعراق ودول أخرى مثل جنوب أفريقيا وكينيا سيتسبب حتماً في مشكلات دبلوماسية كبيرة لموسكو".