Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الضربة العسكرية الأولى في عهد بايدن... ما هي الرسائل والتداعيات؟

سوريا قد تظل هدفاً لهجمات انتقامية أميركية إذا تكررت اعتداءات وكلاء إيران

اعتُبرت أول ضربة عسكرية أميركية في عهد الرئيس جو بايدن ضد البنية التحتية للجماعات المدعومة من إيران في سوريا، رسالة لا لبس فيها بأن صبر واشنطن له حدود، وأن التمادي في اختبار إدارة بايدن ستكون له عواقب. لكن على الرغم من اللجوء المبكر للقوة العسكرية، فإن تساؤلات كثيرة ثارت حول محدودية الضربة الأميركية وسبب عدم توجيهها للميليشيات التابعة لإيران في العراق، ومدى ارتباط ذلك بملف التفاوض الذي طرحته إدارة بايدن مع طهران، فهل سترتدع إيران بالفعل من ضربة غير مؤثرة أم أن ذلك قد يشجعها على الاستمرار في اختبار إدارة بايدن؟ 

استعادة الردع

وعلى الرغم من أن قصف الطائرات الأميركية قاعدة للميليشيات العراقية المدعومة من إيران في شرق سوريا، كان رداً على الهجوم الصاروخي على قاعدة للتحالف الدولي في مطار أربيل الدولي يوم 15 فبراير (شباط) الحالي، فإن استخدام القوة العسكرية للمرة الأولى في عهد الرئيس الجديد يُظهر أن الولايات المتحدة ستستخدم أدواتها العسكرية كلما كان ذلك ضرورياً لاستعادة الردع، ولو بشكل مؤقت، حتى وهي تستعد لإجراء محادثات نووية مع طهران.

فقد بدا أن إدارة بايدن تضع خطوطاً فاصلة بين سياستها وتلك التي اتبعتها إدارة دونالد ترمب السابقة. فعلى الرغم من أنها تستكشف سبل إحياء الاتفاق النووي الإيراني، فإن الضربات تبعث برسالة إلى طهران مفادها أن استعداد واشنطن للجلوس والتحدث لا يعني أن الميليشيات التابعة لإيران في جميع أنحاء المنطقة، يمكنها تهديد المصالح الأميركية.

لكن استهداف القوات الأميركية منطقة البوكمال السورية المتاخمة للحدود العراقية بالتحديد من دون غيرها، يكشف أن القوة العسكرية استُخدمت بشكل انتقائي، ذلك أنها تعد أهم منطقة تمركز للميليشيات العراقية المدعومة من إيران في سوريا، وقد سبق أن تعرض هذا الموقع المعروف باسم "مجمع قاعدة الإمام علي"، لضربات متكررة منذ عام 2018، سواء كان ذلك من قِبل إسرائيل أو من الولايات المتحدة بشكل منفصل، بسبب استخدام طهران هذا الموقع في تخزين الصواريخ الإيرانية، وطائرات الدرون، والمعدات الصناعية العسكرية اللازمة لصُنعها وصيانتها.

ضربة دفاعية ومتناسبة

ومن الواضح بحسب تصريحات مسؤولي إدارة بايدن، أن الهدف من الضربة لم يكن تصعيدياً، وإنما ضربة دفاعية ومتناسبة مع الهجمات التي وقعت على قوات التحالف في العراق، وهو ما يفسر إسقاط الطائرات سبع قنابل موجهة بالأقمار الاصطناعية تزن كل منها 500 رطل، استهدفت ستة مخازن أسلحة داخل الموقع، ومعبراً حدودياً مُخصصاً للميليشيات يؤدي إلى القاعدة، بينما أُلغي إطلاق ذخائر أخرى من الطائرات الأميركية، بعد ما تبين عدم حدوث انفجارات كبيرة، ما يشير إلى أن هذه المواقع لم تكن تحتوي على ذخائر أو وقود أو متفجرات في ذلك الوقت، كما أن مقتل شخص وإصابة عدد محدود بحسب ما ذكرت قنوات الميليشيات العراقية، يؤكد أن الضربة الأميركية لم تكن شاملة أو واسعة النطاق، على الرغم مما ذكره المرصد السوري لحقوق الإنسان نقلاً عن مصادر في "الحشد الشعبي" عن سقوط 22 من عناصر هذه الميليشيات.

لماذا سوريا؟

ويعود اختيار القيادة الأميركية توجيه الضربة على الأراضي السورية وليست العراقية، إلى أن الميليشيات الشيعية التي نفذت الهجوم على قوات التحالف في أربيل بالعراق لديها موطئ قدم مهم في سوريا، وهي ميليشيات "كتائب حزب الله" التي صنفتها الولايات المتحدة جماعة إرهابية، وشقيقتها ميليشيات "كتائب سيد الشهداء"، بحسب قول وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن. وأن توجيه الضربات في سوريا من شأنه أن يحول من دون أي إحراج للحكومة في بغداد، ومن ثم تقليل مخاطر حدوث انتكاسة سياسية في العراق، وأيضاً لتجنب احتمالات تصعيد الصراع بعد رد محتمل من الميليشيات على الهجمات من خلال محاولة اجتياح السفارة الأميركية مرة أخرى، أو دفع الحكومة العراقية إلى الانهيار تحت ضغوط مختلفة، أو التسبب في طرد المستشارين الأجانب.

وعلاوة على ذلك، فإن شن غارة جوية في سوريا أقل تعقيداً من الناحية السياسية لإدارة بايدن من إدارة عملية في العراق، ذلك أن الولايات المتحدة لا تحتاج إلى طلب إذن من الحكومة السورية لأنها لا تعترف بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولم يتطلب الأمر سوى إبلاغ الروس بشن الضربة قبل توجيهها بدقائق عدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رسائل الضربة الأميركية

وفيما استقبل المراقبون في مجتمع السياسة الخارجية الأميركية الضربة بثناء، وعبّر آخرون عن ارتياحهم بعد أن راودتهم شكوك واسعة في أن بايدن يمكن أن يستخدم القوة العسكرية ضد شبكة التهديد الإيراني في وقت مبكر. يبدو أن الإدارة الأميركية حرصت على ضمان عدم ارتداد الاستخدام الأول للقوة في الشرق الأوسط بشكل سلبي عليها، إذ خضع القرار إلى مراجعة قانونية أكدت أن قرار بايدن توجيه الضربة تم وفقاً لسلطات الدفاع عن النفس المنصوص عليها في الدستور الأميركي، وبما يتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة.

وتعد إحدى الرسائل الرئيسة للضربة، هي أن الاستخدام الحكيم للقوة العسكرية لا يزال ضمن أدوات الولايات المتحدة في ظل الإدارة الديمقراطية الجديدة، إذ لم يكن هناك تردد واضح على المستوى الرئاسي بشأن ضرورة رد الولايات المتحدة على هجوم الميليشيات المدعومة من إيران بوقاحة على عاصمة إقليم كردستان العراق، وتعريض حياة الأميركيين للخطر بعد ما قتلت عراقياً وفيليبينياً وأصابت أميركياً آخر، بل كان التساؤل متى، وأين يمكن توجيه الضربة الأميركية، كما تشير المكالمة الهاتفية بين بايدن ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي قبل يومين من توجيه الضربة، إلى العمل والتنسيق مع الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان خلال هذه الأزمة.

ومثل اختيار ضربة محدودة على البنية التحتية للميليشيات التابعة لإيران، رسالة بأن إدارة بايدن ستعمل على تنفيذ تهديداتها الرادعة، عبر الاستفادة من القوة الجوية للانخراط بطريقة محدودة حتى لا تعرّض قواتها على الأرض للخطر.

كما أظهرت الضربة أيضاً أن غالبية التحديات التي واجهتها إدارة ترمب في إيران والعراق وسوريا رُحلت إلى إدارة بايدن، من دون أن يوجد خيار واقعي آخر سوى الاعتماد على الأدوات نفسها التي استُخدمت من قبل للتعاطي مع هذه التحديات. ولهذا السبب من المتوقع أن تظل سوريا مكاناً محتملاً لشن ضربات انتقامية أميركية في المستقبل ضد الميليشيات العميلة لإيران، رداً على هجمات وضربات منها على القواعد الأميركية في العراق أو غيرها.

التأثيرات السياسية

ولا يخفى على المراقبين في واشنطن أن الإدارة الأميركية أرادت أن تبعث برسالة لا لبس فيها إلى إيران ووكلائها، بأنها لن تتسامح مع الهجمات على المواطنين الأميركيين بعد ما أطلقت الميليشيات الوكيلة لطهران 20 صاروخاً على قاعدة أميركية بالقرب من مدينة أربيل المكتظة بالسكان، لينجو بصعوبة العديد من العسكريين الأميركيين والمدنيين.

وفي الوقت نفسه، كادت المفاوضات المحتملة بين واشنطن وطهران حول الاتفاق النووي الإيراني أن تنجو من موت مماثل بسبب التعنت الإيراني، على الرغم من أن هذه المحادثات ظلت حتى الآن على رأس أولويات الإدارة الأميركية، ولا شك أن استخدام القوة العسكرية الأميركية في سوريا استهدف إبقاء هذا الاحتمال قائماً من خلال استعادة القدرة على الردع، بالتوازي مع إبلاغ الإيرانيين بهدوء وعبر القنوات الخلفية، بأن الهجمات على الأميركيين يجب أن تتوقف إذا أريد للمفاوضات، بشأن تخفيف العقوبات الأميركية على إيران والتراجع عن انتهاكاتها للاتفاق النووي، أن تنجح.

اختبار حدود بايدن

غير أنه بمجرد أن تتلاشى صدمة استخدام بايدن للقوة العسكرية بشكل مبكر، من المرجح أن تتوصل إيران ووكلاؤها إلى إدراك أن الضربة الأميركية كانت محدودة ومُقيدة عن قصد، وأنها كانت موجهة إلى مناطق خارج العراق، وأن هذه الضربة المحدودة تولدت نتيجة هجوم مباشر واسع النطاق على قاعدة أميركية، ما يعني أن الميليشيات التابعة لإيران ستختبر حدود بايدن مرة أخرى خلال الأسابيع المقبلة، وقد يكون ذلك من خلال استهداف مناطق أخرى خارج العراق وبالقرب من قواعد أميركية. وقد تصبح الميليشيات التابعة لإيران التي ليس لديها وجود كبير في سوريا مثل "عصائب أهل الحق"، أكثر جرأة لأنها قد تعتقد أنها في مأمن من الضربات الأميركية التي تنفذ عبر الحدود وليس داخل العراق.

ومن المحتمل أيضاً أن تشعر طهران بالارتياح إذا اعتقدت أن الانتقام الأميركي سيقع فقط على الميليشيات وليس ضد "الحرس الثوري الإيراني" أو في داخل الأراضي الإيرانية، وخصوصاً إذا أصبحت الولايات المتحدة أكثر انخراطاً في المفاوضات المباشرة مع إيران، الأمر الذي قد تستنتج معه طهران أنه يمكنها اختبار مدى استعداد واشنطن للتضحية بالمفاوضات.

ولضمان عدم التصعيد الإيراني، يطالب مراقبون في واشنطن الإدارة الأميركية بالتركيز على حسم جوانب قانونية في هذه المواجهة من خلال تصنيف "كتائب سيد الشهداء"، كمنظمة إرهابية بعد دورها في هجوم أربيل، كما يمكن للولايات المتحدة أن تضغط على حلفائها الأوروبيين لتصنيف كيانات مثل "فيلق القدس" التابع لـ"الحرس الثوري الإيراني" و"كتائب حزب الله" كمنظمات إرهابية.

وعلى الجبهة العسكرية، ينصح المراقبون إدارة بايدن بتوفير دفاعات جوية مكثفة في منطقة أربيل في حالة حدوث مزيد من الهجمات هناك، فضلاً عن تعزيز استعداداتها للرد على أي استفزازات كبيرة بتحذيرات لإيران وتوجيه ضربات ضد وكلائها في العراق وخارجه.

المزيد من تقارير