Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تتحدى دول العالم حقوق الملكية الفكرية لتحصل على لقاح كورونا؟

نقص الجرعات في البلدان الغنية والفقيرة يثير تساؤلات حول التربح والاحتكار

تتنافس شركات الأدوية واللقاحات على تحقيق أعلى أرباح ممكنة للمساهمين في رأس مالها (غيتي)

على الرغم من أن بعض التقارير وصفت بدء اعتماد وتوزيع عدة لقاحات ضد فيروس "كوفيد-19" بأنها بداية النهاية لجائحة كورونا، التي تسببت في وفاة أكثر من مليون ونصف المليون، وإصابة الملايين حول العالم، فإنها في حقيقة الأمر بداية انتظار لا نهاية له.

فقد تبين عدم وجود لقاحات كافية لأغنى الدول على وجه الأرض، ناهيك بأفقرها، فما السبب وراء عدم توفر الكميات اللازمة من اللقاحات لجميع البلدان؟ وهل يخضع العالم لحسابات المكسب وقيود حقوق الملكية الفكرية على الرغم من وفاة آلاف المرضى بالوباء وإصابة مئات الآلاف كل يوم، أم أن هناك حلولاً عملية واجبة يمكن تنفيذها قبل فوات الأوان؟

مر العالم خلال العقود الماضية باختبارات عديدة في مواجهة كثير من الأمراض الفتاكة، لكن في كل مرة لم يكن الدافع الأول لشركات الأدوية واللقاحات هو مكافحة وعلاج الأمراض، بل المنافسة لتحقيق أعلى أرباح ممكنة للمساهمين في رأس مالها.

فقد توفي ملايين الأفارقة بسبب مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز في وقت امتنعت فيه شركات الأدوية عن السماح للحكومات الأفريقية الفقيرة بإنتاج أدوية بأسعار أرخص، كما استمرت شركات الأدوية في جني أرباح ضخمة تولدت عن الزيادة في أسعار الإنسولين لمرضى السكري وتوزيعها على المساهمين، بدلاً من إنفاقها على البحث والتطوير، في حين أحجمت الشركات نفسها على مدى أربعة عقود عن الاستثمار في تطوير عقاقير جديدة للحد من العدوى المقاومة للمضادات الحيوية.

والآن، مع وفاة أكثر من مليون ونصف المليون حول العالم متأثراً بمرض كورونا يجد العالم نفسه أمام سيناريو مرير جديد.

اندهاش عالمي

لهذا بدا من المستغرب للكثيرين حول العالم إصرار كل من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، وبعض الدول المتقدمة الأخرى، على رفض اقتراح قدمته الهند وجنوب أفريقيا قبل شهرين في منظمة التجارة العالمية يسمح لهما وباقي دول العالم، بالحصول على مزيد من اللقاحات بما يكفي احتياجات العالم أجمع، بحجة حماية اتفاقات براءات الاختراع وحقوق الملكية الفكرية.

ولا يرى البعض سبباً منطقياً وسط هذا الوباء الذي يحصد أرواح الآلاف يومياً لاستمرار هذا الرفض، فالاقتراح يدعو منظمة التجارة العالمية إلى إعفاء الدول الأعضاء، وعددها 164، من القيود الخاصة ببعض براءات الاختراع والأسرار التجارية واحتكارات صناعة الأدوية بموجب الاتفاق الموقع عليه من الدول الأعضاء حول حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة، والمعروف باسم "تريبس".

ويستند الاقتراح الذي دعمه حقوقيون في الأمم المتحدة إلى الظروف الاستثنائية التي سببها الوباء، وأن حماية حقوق الملكية الفكرية ستعرقل توفير اللقاحات وغيرها من الأدوية بسعر معقول، وفي الوقت المناسب، وبأن هذا الإعفاء سيسمح للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بتغيير قوانينها حتى تتمكن الشركات الموجودة في الدول الأعضاء من إنتاج نسخ طبق الأصل من أي لقاحات لفيروس كورونا وعلاجات "كوفيد-19".

رفض متكرر

غير أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا والنرويج وسويسرا واليابان وكندا وأستراليا والبرازيل، عارضت الفكرة فور صدور المقترح في أكتوبر (تشرين الأول)، ثم عارضته مرة أخرى في اجتماع آخر جرى خلال نوفمبر (تشرين الثاني)، قبل أن تكرر رفضه مجدداً الأسبوع الماضي.

ووفقاً للإحصاءات المنشورة، فإن ما يقرب من 100 دولة تفضل الاقتراح، ومع ذلك لن يجدي الأمر نفعاً، لأن جميع القرارات تقريباً في منظمة التجارة العالمية تصدر بالإجماع، ويمكن لعدد صغير من البلدان إطاحة إرادة الأغلبية، حتى لو كانت واسعة.

حماية الملكية الفكرية

وبحسب ما قاله الممثل التجاري للولايات المتحدة، فإن حماية حقوق الملكية الفكرية وتشجيع الابتكار والمنافسة كانت أفضل طريقة لضمان التسليم السريع لأي لقاحات وعلاجات. كما اعتبر ممثلو الاتحاد الأوروبي أنه لا يوجد مؤشر على أن قضايا حقوق الملكية الفكرية مثلت عقبة أمام تطوير أو إنتاج الأدوية والتقنيات المتعلقة بوباء "كوفيد-19"، وانضمت البعثة البريطانية لدى المنظمة إلى وصف الاقتراح بأنه إجراء متطرف لمعالجة مشكلة غير مثبتة.

ولأن براءات الاختراع تمنح الشركات المنتجة حقوقاً احتكارية حصرية لتصنيع الأدوية الجديدة وبيعها لمدة 20 عاماً، ما يحول دون إصدار وتصنيع أدوية أرخص سعراً وتوزيعها حول العالم، تطالب منظمات حقوقية دولية، مثل منظمة "العدالة العالمية الآن"، بمنع حماية الملكية الفكرية وبراءات الاختراع الخاصة باللقاحات تحديداً.

إسهامات حكومية

لكن الواقع يشير إلى أن التكنولوجيا الجديدة التي ارتكزت عليها شركة "موديرنا" لإنتاج اللقاح، أسهمت المعاهد الحكومية الأميركية للصحة في تطوير جزء مهم منها باستخدام أموال فيدرالية. كما تلقت شركة "موديرنا" 2.5 مليار دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين لشراء كميات من اللقاح مقدماً وقبل التأكد من فاعليته. وقبلت الشركة أيضاً استخدام مليار دولار من هذا المبلغ لتغطية 100 في المئة من تكاليف البحوث التي تجريها للتوصل إلى اللقاح.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي حين تعهدت "موديرنا" بعدم استخدام حقوق براءات الاختراع المتعلقة بـ"كوفيد-19" ضد الشركات التي يمكن أن تصنع اللقاحات بهدف مكافحة الوباء، والتزاماً بالظروف الحالية، فإن منظمة أطباء بلا حدود اعتبرت أن هذا العرض يعد أقل سخاءً مما يبدو في الظاهر، لأن أنواعاً أخرى من الملكية الفكرية، مثل المعرفة الفنية، والأسرار التجارية، لا تزال غير متوفرة من أجل تطوير اللقاحات وإنتاجها.

من جانبها، تلقت شركتا "فايزر" الأميركية وشريكتها الألمانية "بيونتيك" منحة قدرها 455 مليون دولار من الحكومة الألمانية لتطوير لقاحها، فضلاً عن تلقيهما نحو 6 مليارات دولار مقابل التزامات الشراء من حكومات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

أما شركة "أسترا زينيكا" فقد استفادت من بعض التمويل الحكومي أيضاً أثناء تطوير لقاحها، وحصلت على أكثر من ملياري دولار من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لبحوث التطوير والتزامات الشراء، فضلاً عن توقيعها صفقة بقيمة 750 مليون دولار لتزويد تحالف اللقاحات بنحو 300 مليون جرعة.

ادعاءات باطلة

ولهذا، فإن ادعاء شركات تطوير اللقاحات بأنها من يمتلك حق القرار، لأنها شركات خاصة، يصبح مجرد هراء. فتطوير اللقاحات تم بفضل أموال دافعي الضرائب الأميركيين والأوروبيين بشكل كامل، أو جزئي، ومن ثم تعود هذه اللقاحات بشكل أساسي إلى الناس، ومع ذلك هناك احتمال ضئيل للحصول على العدد الذي يحتاجون إليه بالسرعة الكافية.

ووفقاً لحسابات نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز"، استناداً إلى قدرة إنتاج اللقاحات المعلنة لشركتي "فايزر" و"موديرنا" الأميركيتين وصفقات التوريد الخاصة بهما مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وكندا واليابان، فإن هذه البلدان لن تتمكن في أحسن الأحوال، سوى من تلقيح نصف سكانها قبل نهاية عام 2021.

نقص وتأخير

ووفقاً لمنظمة "العدالة العالمية الآن" تصل القدرة الإنتاجية من اللقاحات لشركة "فايزر" 1.35 مليار جرعة، ستخصص مليار جرعة منها (82 في المئة) إلى المشترين من حكومات الدول الغنية حتى نهاية العام المقبل، بينما بيعت 78 في المئة من لقاحات "موديرنا" بالفعل إلى الدول الغنية، بل إن كندا قدمت طلبات مسبقة للشراء بما يضمن وجود عشر جرعات من اللقاح للفرد الواحد، وهو ما يعني أنه سيكون هناك مزيد من النقص والتأخير المحتمل لبقية دول العالم.

ويحسب لشركة "أسترا زينيكا" أنها أبرمت صفقات مع الشركات المصنعة في الهند وأميركا اللاتينية وبلدان أخرى، لمساعدة الدول الفقيرة في الحصول على لقاحها. كما التزمت عدم تحقيق ربح من بيع لقاحها أثناء الوباء. وتقدر الشركة أنها ستكون قادرة على صنع ثلاثة مليارات جرعة بحلول نهاية عام 2021، وهو ما يكفي لسد حاجة خمس سكان العالم من اللقاح فحسب.

ومع ذلك، تشير وثائق للشركة أنها تحتفظ لنفسها بالحق في إعلان نهاية الوباء في وقت مبكر من يوليو (تموز) 2021، حسب ما نشرت صحيفة "فاينانشيال تايمز"، الأمر الذي يثير علامات استفهام حول مصير باقي سكان العالم، وبخاصة في الدول النامية والأكثر فقراً.

تجارب مريرة

واجهت الدول الفقيرة مثل هذه المشاكل من قبل، فقد تزامن إنشاء منظمة التجارة العالمية عام 1995 مع ارتفاع معدلات الإصابة بفيروس نقص المناعة الإيدز في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى. بحلول عام 1996، ومع تطوير علاجات جديدة جعلت الإيدز حالة يمكن التحكم بها، إلا أنها ظلت فحسب للأشخاص الذين يستطيعون تحمل تكاليفها، حيث كانت الأدوية تكلف نحو 10 آلاف دولار سنوياً للمريض الواحد في مطلع القرن، وكانت بعيدة عن متناول كثير من الناس.

وفي جنوب أفريقيا، استغرقت الحكومة ما يقرب من عقد من الزمان لكسر الاحتكارات التي كانت تحتفظ بها شركات الأدوية الأجنبية التي أبقت البلاد رهينة، بينما كان الناس يموتون.

وفي البرازيل، دخلت شركة "جلعاد ساينسز"، المالكة الاحتكارية لعقار "سوفوسبوفير"، وهو علاج مبتكر لالتهاب الكبد الوبائي فئة "سي"، في مأزق مع الحكومة بشأن توسيع نطاق حصول البرازيليين على العقار وتخفيض سعره، فعندما حصلت على براءات اختراع العقار أوائل عام 2019، رفعت سعر الكبسولة للوكالات العامة البرازيلية من 16 إلى 240 دولاراً، على الرغم من أن إنتاجه محلياً وفقاً لاتفاق "تريبس" كان سيخفض السعر إلى نحو 8 دولارات فقط.

وتواجه البلدان التي تكون فيها الأدوية رخيصة نسبياً، مثل الهند، نوعاً آخر من التحديات، حيث تحاول شركات الأدوية إلغاء القوانين التي تجعلها متاحة بسعر معقول في هذه البلدان، حيث خاضت شركة "نوفارتس" السويسرية العملاقة للأدوية معركة استمرت عقداً من الزمن لتأمين السيطرة الاحتكارية في الهند على علاجها لسرطان الدم "اللوكيميا"، وحاولت في هذه العملية إلغاء بند رئيس في قانون براءات الاختراع الهندي باعتباره مخالفاً للدستور، لكنها فشلت في النهاية.

دول غنية تعاني

علاوة على ذلك، فإن الحصول على الأدوية بأسعار معقولة يؤثر أيضاً على البلدان التي تدافع حكوماتها عن حماية الملكية الفكرية للشركات.

فالإنسولين، على سبيل المثال، مكلف للغاية في الولايات المتحدة. وتعاني أميركا وأوروبا نقصاً في دواء "ريميدسفير" المستخدم لعلاج "كوفيد-19"، لأن شركة "جلعاد ساينسز" المصنعة له تحتكر العقار في الدول الغنية، لكنها وقعت في مايو (أيار) الماضي اتفاقات ترخيص مع عشرات الشركات في 127 دولة لإنتاج نسخ للبيع في هذه البلدان، ما يعني أن نقص الدواء في الغرب، قابله توفر في الإمدادات الثابتة للدواء في عديد من البلدان الفقيرة، وأحياناً بعشر السعر.

التدخل ممكن

وعلى الرغم من النفوذ المالي الهائل لشركات صناعة الأدوية التي بلغ إجمالي إسهاماتها خلال الحملات الانتخابية وعبر جماعات الضغط 4.7 مليار دولار بين عامي 1999 و2018، فإنه يمكن لحكومات الدول الغنية أن تقاوم شركات الأدوية الكبرى، وهو ما فعلته في بعض الأحيان. ففي أعقاب أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001، خشيت الولايات المتحدة من هجوم الجمرة الخبيثة (أنثراكس)، واحتاجت إلى إمدادات ضخمة من مضاد حيوي يدعى "سيبروفلوكساسين" الذي تنتجه شركة "باير". وحين هددت الحكومة بتجاوز براءة اختراع الشركة وشراء بدائل عامة، خفضت الشركة سعر المضاد الحيوي وزادت الإمدادات.

وفي بريطانيا، طلبت عائلات الأطفال المصابين بالتليف الكيسي من الحكومة في لندن العام الماضي تعليق احتكار شركة "فيرتكس" المنتجة لعقار "أوركامبي"، وهو أول علاج مهم للمرض، وبعد أن ألقت الأحزاب السياسية بثقلها وراء الالتماس، وافقت الشركة على بيع العقار بسعر أقل بكثير مما كانت تبيعه.

في انتظار التحرك

بالنسبة إلى لقاحات فيروس كورونا وعلاجاته، تظل المطالبات قائمة بأن تتدخل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي خلال اجتماع يعقد خلال ساعات للمجلس المعني بإصدار تصاريح لإنتاج لقاحات وأدوية عامة بأسعار مناسبة في منظمة التجارة العالمية، لاتخاذ قرارات إيجابية تساعد في إمكانية تلقي كل دول العالم لقاحات "كوفيد-19" في الوقت المناسب. كما سيعقد يومي 16 و17 ديسمبر اجتماع آخر للمجلس العام لمنظمة التجارة العالمية، وهو إحدى أعلى هيئات صنع القرار فيها.

ويأمل الجميع أن تمنح الضغوط المتزايدة من الدول الفقيرة في منظمة التجارة العالمية، حكومات الدول الغنية قوة دفع للتفاوض مع شركات الأدوية الخاصة بها، للحصول على عقاقير ولقاحات أرخص في جميع أنحاء الأرض لمواجهة أخطر جائحة يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وهو ما سيكون مفيداً لكل الدول الغنية منها والفقيرة على حد سواء.