Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا وراء إطلاق إثيوبيا برنامجها النووي للطاقة؟

قرار أديس أبابا يعزز مواقفها التفاوضية في ما يتعلق بملفات الأمن والمياه تجاه دولتي المصب

آبي أحمد ملقياً كلمته خلال حفل الافتتاح الرسمي لسد النهضة الإثيوبي الكبير في غوبا، في 9 سبتمبر 2025 (أ ف ب)

ملخص

أعلنت إثيوبيا عن مشروع بناء محطة طاقة نووية ضخمة، ضمن مبادرات التنمية بقيمة 30 مليار دولار أميركي تخطط لها إثيوبيا منذ فترة طويلة. في المقابل يقول مراقبون إن مصر التي قد تكون ممتعضة مجدداً لا تملك مصادر تمويل كي تتحكم في المشروع النووي الإثيوبي كما حدث في ملف "سد النهضة".

مثَّل مشروع "سد النهضة" تحدياً لإثيوبيا في هدفه المعلن بإنتاج الطاقة الكهربائية. وخلال مسيرة امتدت لأكثر من 10 سنوات من المفاوضات مع دولتي المصب مصر والسودان، أعلنت أديس أبابا إنجاز المشروع على رغم عدم توصلها إلى اتفاق مع تلك الدولتين الجارتين اللتين رفضتا سياساتها المائية.

فماذا يمثل مشروع الطاقة النووي الذي أعلنت إثيوبيا إطلاقه ضمن سلسلة طموحاتها المرتبطة بالطاقة؟ وهل يواجه المشروع النووي الإثيوبي بقايا خلافات مرتبطة بسد النهضة تضاف إلى البعد التنافسي الإقليمي؟ وماذا يمثل الواقع الإقليمي للطموح النووي الإثيوبي في ظل تبعاته وتحدياته؟

مفوض الطاقة النووية الإثيوبية ساندوكان ديبيبي صرح بأن قرار إثيوبيا بالسعي نحو التكنولوجيا النووية ينبع من إدراكها أهمية أمن الطاقة الوطني، والتحول الاقتصادي، والمرونة الوطنية طويلة الأمد.
جاء ذلك خلال لقاء رفيع المستوى لإطلاق برنامج الطاقة النووية الإثيوبي رسمياً، وتفعيل لجنة الطاقة النووية الإثيوبية. وضم الحدث الذي شهدته أديس أبابا في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) الجاري، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية (إينا)، مسؤولين رفيعي المستوى، من بينهم وزير الخارجية جيديون تيموثيوس، ومفوض الطاقة النووية الإثيوبي ساندوكان ديبيبي، ونائب المدير العام ورئيس إدارة الطاقة النووية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ميخائيل شوداكوف، إلى جانب كبار المسؤولين الحكوميين والجهات المعنية.
ووفق الوكالة الإثيوبية وجهت أنظار الجميع إلى مشروع بناء محطة طاقة نووية ضخمة، يعد جزءاً من مبادرات التنمية الضخمة بقيمة 30 مليار دولار أميركي التي أعلن عنها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أخيراً.   

ما بين سد النهضة والنووي

وكانت إثيوبيا أعلنت عن برنامجها النووي خلال الأشهر الأخيرة من العام الحالي، ضمن سلسلة إجراءات منظمة، وأكد رئيس الوزراء آبي أحمد التزام بلاده بتطوير برنامج نووي آمن وشفاف ونموذجي للأغراض السلمية بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية. وتعهد آبي أحمد بموازنة ضخمة بقيمة 30 مليار دولار أعلن عنها أخيراً ضمن أهداف تعزيز أمن الطاقة في إثيوبيا ودعم التحول الصناعي.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025 تم توقيع اتفاقية تعاون مع شركة "روساتوم" الروسية لبناء محطة للطاقة النووية.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، أقرت الحكومة إنشاء اللجنة الإثيوبية للطاقة النووية (ENPC) كهيئة مسؤولة عن قيادة وتنسيق البرنامج النووي السلمي في مجالات توليد الكهرباء والتنمية الصناعية والأمن الغذائي والبحث العلمي.
ويلاقي المشروع النووي الإثيوبي، واقعاً لا يزال يظهر في الخلاف في شأن مشروع سد النهضة الذي شيدته إثيوبيا على النيل الأزرق بهدف الحصول على الطاقة الكهرمائية، فيما لا تزال الخلافات تتفاعل مع دولتي المصب (مصر والسودان) في قضية "سد النهضة" المطالبتين باتفاق قانوني ملزم، وتعهد بعدم الإضرار بالحصص المائية التاريخية لكل منهما. ويأتي المشروع النووي الإثيوبي كمكمل للاستراتيجية الإثيوبية نحو أمن الطاقة.
وتهدف إثيوبيا في برنامجها النووي وفق إعلانها الرسمي استخداماً سلمياً للطاقة، ودعم التحول الاقتصادي في خطط التصنيع، وجذب الاستثمارات، وتوفير مهارات محلية عالية المستوى، إلى جانب استخدام التكنولوجيا النووية في الزراعة (ترقية المحاصيل) والرعاية الصحية والأمن الغذائي وإدارة المياه.

انتقاد مصر

وكانت وزارة الخارجية الإثيوبية أصدرت في أوائل ديسمبر (كانون الأول) الجاري بياناً قالت فيه "إن رفض مصر للحوار ومواصلتها خطابها العدائي، يأتي بنية واضحة لتدبير التصعيد"، واصفة ذلك بـ"سلوك غير مسؤول ينبغي إدانته من قبل جميع الأطراف المعنية".

وأشارت الوزارة في بيانها "إلى أن رفض مصر للحوار والتفاوض أصبح الآن جلياً، على عكس ما كان عليه الحال في الماضي، عندما كانت تتظاهر بالتفاوض بينما كانت تعرقل التقدم والحلول بتعنتها وإصرارها على ادعاءاتها الاحتكارية". وأشارت "إلى أن التعايش مع تطور إثيوبيا والالتزام بالعمل بحسن نية نحو إطار تعاوني من أجل الرخاء والتنمية المشتركين سيكونان الخيار الأمثل بدل إطلاق المواقف والخطابات التي تشغل القاهرة". وأضافت الخارجية الإثيوبية أن "إثيوبيا لا تزال منفتحة على الحلول المربحة للجميع، القائمة على مبادئ العدالة والإنصاف، مع التمسك في حقها الراسخ في استخدام نهر أباي (النيل الأزرق) لتلبية حاجات الأجيال الحالية والمستقبلية".

وأتى البيان الإثيوبي في ظل توترات كانت موجودة وتزايدت بعد الافتتاح الرسمي لسد النهضة الكبير GERD)) في سبتمبر الماضي، لا سيما بعد إعلان مصر رفض الحوار، بعد اتهامها إثيوبيا بعدم الجدية، إلى جانب تمسك القاهرة بما تصفه بالحقوق التاريخية في مياه النيل غير القابلة للنقاش.
واتهمت إثيوبيا مصر بتصعيد خطابها في تلميحات وتهديدات المسؤولين المصريين، والسعي لممارسة ضغوط إقليمية ودولية ومحاولات لـ"عزل إثيوبيا" وإفشال مشروعها في "سد النهضة". وكان البيان الإثيوبي أوضح أيضاً أن "السلطات المصرية شنت حملة لزعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وركزت بصورة خاصة على إثيوبيا، بهدف تكوين دول تابعة مطيعة وضعيفة ومجزأة تنفذ أوامر القاهرة".

مبررات الطاقة النووية

وضمن إفاداته خلال حفل إطلاق البرنامج الإثيوبي للطاقة النووية، قال مفوض الطاقة النووية الإثيوبي ساندوكان ديبيبي "إن الاعتماد على الطاقة الكهرومائية يجعل البلاد عرضة لتقلبات المناخ، مما يفاقم العجز الحالي في إمدادات الطاقة، ويؤثر في كل من الصناعات والأسر".
وأشار إلى أن "الطلب على كهرباء مستدامة وعالية الجودة يتزايد بسرعة"، قائلاً إنه "لا يوجد مصدر واحد موجود في مزيج الطاقة الحالي لدينا قادر على تلبية هذا الحجم من الطلب، وأكد أن الحكومة الإثيوبية اتخذت قراراً استراتيجياً باعتماد الطاقة النووية حجر الزاوية في استراتيجيتها الوطنية طويلة الأجل للطاقة. وأكد قائلاً "نحن لا نضيف تقنية جديدة فحسب، بل نرسي أسس اقتصادنا المستقبلي". وأضاف، "تلتزم إثيوبيا التزاماً تاماً بالاستخدام السلمي الحصري للتكنولوجيا النووية، مدعومة بإنشاء لجنة الطاقة النووية الإثيوبية، التي تعمل في إطار قانوني واضح وهيكلية صنع قرار متينة". وزاد أن "رؤية إثيوبيا النووية تتجاوز مجرد توليد الكهرباء"، مشيراً إلى أنها "تشمل أيضاً التطبيق السلمي للعلوم النووية في الرعاية الصحية والزراعة والصناعة والبحوث لتحقيق فوائد ملموسة لجميع الإثيوبيين". وشدد على التزام إثيوبيا ببرنامج نووي آمن وقانوني يهدف إلى تزويد دولة حديثة وصناعية بالطاقة"، قائلاً "نحن مستعدون وملتزمون بتحقيق تطوير نووي سلمي يسهم في أمن طاقتنا ونمونا الاقتصادي". 

التزام الوكالة التام

وفي كلمة ألقاها خلال ندوة إلكترونية وفق وكالة الأنباء الإثيوبية (ENA)، أكد المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل ماريانو غروسي، "على أهمية إنشاء هيئة الطاقة النووية الإثيوبية لتطوير وتنظيم الطاقة النووية بما يتماشى مع معايير السلامة والأمن الدولية". وأشار إلى أن "الطاقة النووية تتمتع بإمكانات قوية كمصدر كهرباء موثوق وسريع ومنخفض الكربون، مما يسهم في تسريع التحول الاجتماعي والاقتصادي في إثيوبيا بصورة كبيرة". وأضاف أن "من شأن هذه المبادرة أيضاً تحفيز النمو الصناعي وتأمين فرص عمل عالية المهارة". وأكد غروسي "التزام الوكالة التام دعم إثيوبيا من خلال الخدمات الاستشارية وخدمات بناء القدرات في كل مرحلة من مراحل برنامجها لتطوير القدرات النووية"، لافتاً إلى أن "الوكالة تعمل حالياً مع إثيوبيا في إطار برنامجها للتعاون التقني لتعزيز الموارد البشرية والقدرات المؤسسية والاستعداد لمراحل تطوير البنية التحتية المستقبلية".

ضمن برامج

ويقول الباحث في مجال الشؤون الأفريقية عبدالصمد حسن إن "مشروع الطاقة النووية يأتي ضمن مجموعة من البرامج التنموية الكبيرة والمشاريع التي تخطط لها إثيوبيا منذ فترة طويلة وتنتظر الوقت المناسب لتشييدها وتنفيذها، وهو يمثل الاستجابة إلى الطموح الإثيوبي في تحقيق تنمية مستدامة متكاملة في كافة المجالات". وأضاف أن "أحد أبرز مجالات استخدام المشروع النووي هو الطاقة. وطبعاً هنا نتحدث عن الطاقة النووية للأغراض السلمية، أي توليد الطاقة الكهربائية من المفاعلات النووية، مما يحقق رغبة إثيوبيا في تنويع مصادر الطاقة، سواء عبر الطاقة الكهربائية أو الغاز أو الطاقة الحرارية التي تستخرج من باطن الأرض، أو عبر الرياح، أو الطاقة الشمسية في الإطار نفسه وغيرها من مصادر الطاقة المتنوعة".
ويشير حسن إلى أن "إثيوبيا تملك كثيراً من هذه المصادر ولديها الإمكانات الحقيقية للاستفادة منها. وهي تريد أن تكون مصدراً مهماً للطاقة بصفة عامة في القرن الأفريقي والشرق الأفريقي بخاصة ولكل أفريقيا". وتابع الباحث الأفريقي أن "التقنية النووية كذلك لها عديد من الاستخدامات، ومنها في المجال الطبي حيث تتسم بكفاءة عالية جداً وتستخدم في الزراعة، وجميع الأغراض السلمية والتعليمية. ومن ثم فإن المجال النووي يختصر كل هذا التنوع من الفوائد الذي تحتاج إليه إثيوبيا، فبالتالي امتلاك التقنية النووية نفسها، واستخدامها وتوظيفها في كافة هذه المجالات هو هدف من الأهداف الحيوية التي تسعى إليها أديس أبابا... وتمتلك إثيوبيا اليورانيوم، بالتالي لا تحتاج كي تستورده، وهو يمثل أيضاً استجابة لتحقيق الهدف النووي".
ويوضح عبدالصمد حسن أنه "في ما يتعلق بالتساؤل حول مواجهة المشروع النووي الإثيوبي بقايا خلافات مرتبطة بسد النهضة، والبعد التنافسي الإقليمي، أنا لا أعتقد ذلك... لا توجد علاقة ما بين سد النهضة وتأثيراته لكي يكون عقبة تجاه المشروع النووي الإثيوبي، وبالذات هنا نتحدث عن مصر، فبالتالي أعتقد أن مصر لا تملك التقنية النووية كي تحرم منها إثيوبيا وتضطر إلى أن تستورد حاجاتها - وليست عندها أيضاً مصادر التمويل كي تتحكم فيها كما حدث في بناء سد النهضة، حينما أثرت في مشروعه بإعاقتها التمويل – أعتقد أنه في حال الطاقة النووية أو المشروع النووي الإثيوبي لن تستطيع مصر أن تؤثر في إثيوبيا".

 

لتحذو حذوها

من جهته يقول الباحث الإثيوبي في شؤون القرن الأفريقي عبدالرحمن أحمد، "طبعاً مشروع سد النهضة اكتمل كمشروع قومي ووطني أطلقته الحكومة الثالثة عام 2011، وهو مشروع تنموي بعيد من التسييس وبعيد من كونه مؤامرة على مصر والسودان، ولا أثر سلبي له في الدولتين، وهذا ما أكدته اللجنة الثلاثية المشكلة من الدول الثلاثة وكذلك الشركة الفرنسية في بداية المشروع، وهذا ما حدث بعد اكتماله. كذلك يأتي المشروع النووي الإثيوبي كمشروع تنموي بالدرجة الأولى وهذا ما تؤكده إثيوبيا، بالتالي يجب إبعاد نظرية المؤامرة عن تلك المشاريع التنموية". ويضيف الباحث الإثيوبي أن "مشروع الطاقة النووية طبعاً يمثل لإثيوبيا خطوة أخرى للتقدم، فلا يكفيها فقط بناء السدود، بل تحتاج أيضاً ليكون لها مشروع طاقة نووية لإنتاج الطاقة الكهربائية والاستفادة من المشروع في كل الجوانب التكنولوجية والطبية (الطب النووي). طبعاً هناك تخوفات من الدور الإثيوبي المتزايد في القارة الأفريقية، بخاصة من جهة مصر التي ترى دائماً أن تقدم إثيوبيا في جميع المجالات يحدد ريادتها ومكانتها في القارة السمراء. هذه النظرية ما زالت موجودة تجاه أي مشروع ينفذ في إثيوبيا، فتجد دائماً أن هناك رفضاً والنظر بعين الريبة والشك من جانب الإعلام المصري والخبراء والساسة في مصر". ويتابع أن "المشروع النووي الإثيوبي للطاقة لا علاقة له طبعاً بمشروع سد النهضة، لكن هناك من يحاول أن يربط بين المشروعين بأن يكون هناك تنافس إقليمي. إثيوبيا طبعاً لا تبني هذه المشروعات كي تنافس مصر أو غيرها من الدول في أفريقيا بل هي تبنيها لحاجتها. إثيوبيا قادرة على إنتاج أكثر من 42000 غيغاواط من الكهرباء (الإنتاج الحالي 29480 غيغاواط)، هي تحتاج إلى الطاقة الكهربائية، وستبني السدود في أنهر أخرى وحتى في النهر النيل الأزرق ستبني كما تبني الأن سد "جي وان جي تو جي" على نهر أومو وكذلك كما بنت سد تكازي على نهر تكازي. إذاً هي ستبني لأن الحاجة تزداد يوماً بعد يوم، ولذلك حتى مشروع الطاقة النووية يأتي ضمن هذه الخطة الاستراتيجية لدولة إثيوبيا لبناء مستقبل مزدهر للشعب الإثيوبي وللقارة الأفريقية، على رغم الصعاب والعقبات. وتعمل إثيوبيا كي تكون نموذج لجميع دول أفريقيا لتحذو حذوها".

قوة إقليمية مؤثرة

من جهته يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد إبراهيم حسبو إعلان إثيوبيا إطلاق برنامج للطاقة النووية بمثابة خطوة جديدة في مسار استراتيجي بدأته مع سد النهضة، حيث باتت الطاقة بمختلف مصادرها ركيزة في مشروعها للتحول إلى قوة إقليمية مؤثرة. فكما استخدمت أديس أبابا السد لفرض واقع سياسي جديد في حوض النيل، فإن دخولها المجال النووي يهدف إلى تعزيز مكانتها الإقليمية وتأكيد قدرتها على امتلاك أدوات قوة تتجاوز الاعتماد على النهر وتقلبات المناخ". وأضاف أن "خلافات سد النهضة تنعكس على تقبل هذا المشروع، إذ لا تنظر دولتا المصب إلى البرنامج النووي باعتباره مبادرة تنموية فحسب، بل امتداداً لمنطق فرض الأمر الواقع الذي اتبعته إثيوبيا في ملف المياه. وبفعل هذا الإرث، يظل المشروع محاطاً بالشكوك حول نيات أديس أبابا، بخاصة في ظل البعد التنافسي المتصاعد بينها وبين القاهرة، وبروز الطاقة كأحد ميادين التنافس الاستراتيجي بين الدولتين".
وتابع حسبو، "إقليمياً، يمنح البرنامج النووي إثيوبيا رمزية 'القوة الصاعدة'، لكنه يضيف عنصراً حساساً إلى بيئة شرق أفريقيا الهشة. فالحصول على مفاعل نووي يتطلب استقراراً سياسياً، وقدرات مؤسسية قوية، وتمويلاً ضخماً تحتاج فيه إثيوبيا إلى دعم روسي أو صيني، وهو ما يعمق حضور القوى الدولية في الإقليم. وفي المقابل، يثير المشروع مخاوف من اختلالات أمنية جديدة في منطقة تعاني أصلاً النزاعات والحدود المفتوحة".
وختم المتخصص في العلاقات الدولية كلامه بالقول إنه "على رغم التحديات المالية والسياسية والجيولوجية، يعكس المشروع النووي إصرار إثيوبيا على توسيع نفوذها عبر الطاقة، وتحويلها إلى أداة لتعزيز دورها الإقليمي. وهكذا يصبح البرنامج النووي رسالة سياسية بقدر ما هو مشروع تقني، وينظر إليه كامتداد للصراع على النفوذ في شرق أفريقيا وللمعادلات الجديدة التي فرضها سد النهضة في حوض النيل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الضرورة الوطنية

من جهتها تقول الأستاذة الجامعية المتخصصة في الشؤون الأفريقية نجلاء مرعي، "إن دوافع إثيوبيا للسعي نحو برنامج نووي تشكل تفاعلاً معقداً بين الضرورة الوطنية الملحة للتغلب على نقاط الضعف الهيكلية في مجال الطاقة وترسيخ مكانة إثيوبيا كفاعل جيوسياسي في العمق الأفريقي. ويمثل البرنامج النووي الإثيوبي حلقة في سباق التنافس الاستراتيجي بين مصر وإثيوبيا". وتضيف مرعي، "لكن من المستبعد أن يتضمن مشروع أديس أبابا النووي أي استخدامات استراتيجية، بخاصة في مجالات الردع والتطوير العسكري، ويرجع ذلك إلى التزام إثيوبيا طويل الأمد بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وغياب المعرفة النووية الخاصة بتخصيب اليورانيوم أو معالجة الوقود النووي، وهذا يمنعها فعلياً من امتلاك دورة وقود نووي كاملة، وهو الشرط الأساس للقوة الردعية الكاملة، فضلاً عن سعي القيادة الإثيوبية لتأطير الخطة النووية كمشروع قومي اقتصادي، من باب النزعة الشعبوية لرئيس الوزراء الإثيوبي".
وتشير الأستاذة الجامعية إلى أنه "على رغم التأثير الرمزي والدبلوماسي للقدرات النووية الإثيوبية في تشكيل توازنات القوى الإقليمية، فإن امتلاك بنية نووية وإن كانت سلمية يعزز موقف إثيوبيا التفاوضي في ما يتعلق بملفات الأمن والمياه وفي مقدمها قضية سد النهضة، وأن الانتظام الروسي المتزايد في مشاريع التنمية الاقتصادية في إثيوبيا سيجعل موسكو أكثر حرصاً على دعم الموقف الإثيوبي على مختلف الصعد بما يشكل تحدياً استراتيجياً للقاهرة". وتتابع "لذا، يتوقع على صانع القرار المصري انتهاج مقارنة استباقية متوازنة تجمع بين الدبلوماسية الوقائية والرصد الفني والتعاون الإقليمي لضمان ألا يتحول المشروع النووي الإثيوبي إلى مصدر تهديد مباشر أو غير مباشر للمصالح المصرية، كما ينبغي لمصر أن تستثمر في تعزيز حضورها النووي والتقني في القارة الأفريقية، سواء عبر تصدير الخبرة الفنية أو بناء شراكات طاقوية جديدة تضمن توازناً استراتيجياً مستداماً في الفضاء الأفريقي".

مرحلة جديدة

من جهته قال الكاتب والباحث في شؤون القرن الأفريقي إبراهيم قارو إنه "بعدما كرست إثيوبيا سد النهضة كأمر واقع غير معادلات حوض النيل، ها هي تدشن مرحلة جديدة من طموحها الاستراتيجي بالإعلان رسمياً عن إطلاق برنامجها للطاقة النووية. هذا الإعلان لا يمثل مجرد توجه تقني لتوليد الكهرباء، بل يقرأ كفصل جديد في مشروع سياسي طويل الأمد، تسعى من خلاله تلك الدولة إلى إعادة تعريف موقعها الإقليمي باستخدام الطاقة كأداة نفوذ جيوسياسية. لقد اختبرت إثيوبيا نجاعة هذا النهج مع السد، الذي تحول من مشروع تنموي إلى ورقة ضغط أعادت صياغة موازين القوى مع دول المصب، وانتهت بفرض رؤيتها الأحادية بعد سنوات من التفاوض غير المثمر. اليوم، بالمنطق نفسه، تنتقل الطموحات الإثيوبية إلى المستوى النووي، في محاولة لترسيخ صورة "لدولة القوية القادرة على حيازة تكنولوجيا متقدمة في منطقة تموج بالاضطرابات".

ويلفت قارو إلى أنه "لا يمكن قراءة هذا التحول النووي بمعزل عن الرؤية الإثيوبية التي ترى في حيازة التكنولوجيا المتقدمة وسيلة للقفز فوق الأزمات. الرسالة السياسية هنا واضحة: إثيوبيا تحاول مغادرة مربع 'الدولة المتلقية للأزمات' لتصبح 'صانعة للمعادلات'. غير أن هذه السردية تصطدم بجدار سميك من التناقضات، فبينما يروج الخطاب الرسمي لمشاريع الحداثة والقوة، يعاني الواقع الداخلي من هشاشة عميقة، وانقسامات عرقية، وصراعات مسلحة تهدد وحدة الدولة. هذا التباين الصارخ يضع المشروع النووي في خانة 'الهرب إلى الأمام'، حيث يبدو كمحاولة لتعويض تآكل الشرعية الداخلية عبر مشاريع استعراضية كبرى تلمع صورة الدولة أكثر مما تعكس قدراتها الحقيقية. فكيف لدولة تعاني مؤسساتها التفكك أن تدير أخطارَ تكنولوجيا لا تحتمل الخطأ؟".

 

سياق إقليمي معقد

ويتابع المتحدث ذاته، "إقليمياً يأتي المشروع النووي في لحظة يتشابك فيها أمن البحر الأحمر بتوازنات القرن الأفريقي، وتتفاعل فيها آثار حرب غزة مع إعادة تموضع القوى الإقليمية والدولية. أديس أبابا تحاول استغلال هذا الفراغ لبناء موقع جديد لدورها، لكن المفارقة تظل حاضرة: دولة تعاني صراعات داخلية مفتوحة وانقسامات تهدد وحدتها، تتصرف وكأنها قوة مستقرة تمتلك فائضاً يسمح لها بولوج المجال النووي. هذا التناقض بين خطاب القوة وواقع التفكك الداخلي يكشف عن هشاشة السردية الرسمية ويضع المشروع في سياقه الحقيقي بوصفه محاولة لتعويض أزمة الشرعية بأدوات استعراضية تمنهن صورة الدولة أكثر مما تصلح بنيتها".

ويوضح "تقنياً، يبدو أن أديس أبابا ستعتمد على المفاعلات الصغيرة المعيارية لأسباب تتعلق بالكلفة والبنية التحتية. إلا أن اختيار التقنية ليس سوى جزء من المعادلة، لأن تنفيذ أي مشروع نووي يتطلب نظام أمان فعالاً، شبكة كهرباء مستقرة، وقدرة على إدارة النفايات المشعة. هذه المتطلبات تصطدم بواقع سياسي هش وبنية تحتية ضعيفة، مما يعيد السؤال حول مدى جاهزية الدولة لتحمل مسؤولية مشروع بهذه الخطورة. وفي هذا السياق، يكتسب الاتحاد الأفريقي دوراً محتملاً في إدارة الملف. فالمنظمة القارية التي ظلت لعقد من الزمن وسيطاً في أزمة سد النهضة تجد نفسها اليوم أمام اختبار مختلف: هل تستطيع بلورة إطار أفريقي للأمن النووي يمنحها وضعاً قيادياً في قضايا ذات طابع استراتيجي؟ نجاحها في ذلك سيمنحها فرصة لاستعادة حضورها السياسي، بينما سيعيد فشلها إنتاج صورة العجز التي باتت تلازمها في الملفات الكبرى".

تنافس مفتوح

وزاد أن "المشروع النووي الإثيوبي قد يتحول إلى ساحة تنافس جديدة بين القوى الدولية، تتداخل فيها حسابات الطاقة والأمن والممرات البحرية. فروسيا والصين تنظران إلى المشروع بوصفه فرصة لتثبيت نفوذهما في شرق أفريقيا ومنفذاً مباشراً إلى البحر الأحمر، في حين تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها لضبط الإيقاع ومنع تحول التكنولوجيا المدنية إلى مكسب استراتيجي لخصومها. وإذا ما تدخلت أطراف عربية في ترتيبات رقابية أو أمنية تتعلق بالمشروع، فقد يفتح الملف الباب أمام شكل جديد من التنسيق الإقليمي يربط أمن النووي بأمن البحر الأحمر وممراته الاستراتيجية".
ويسترسل قارو، "هذه البيئة المتشابكة تجعل السيناريوهات المستقبلية للمشروع مفتوحة على مسارات عدة: برنامج نووي فعلي يعتمد على شراكات دولية عميقة، أو مشروع محدود بحدود رمزية لا يتجاوز الخطاب السياسي، أو تعثر هيكلي يعيد ترتيب الأولويات، أو انتقال الملف إلى إطار تفاوضي إقليمي يدمج الأمن النووي ضمن منظومة أوسع لإدارة الأخطار. ومع أن هذه السيناريوهات قد تتداخل، فإن العامل الحاسم سيظل دائماً قدرة الدولة الإثيوبية على بناء مؤسسات مستقرة في واقع سياسي مضطرب".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات