ملخص
نشأ على أنقاض القادة الراحلين في إيران، إثر الضربة الأولى وبعدها، نظام عسكري أمني بات الحفاظ عليه الهدف الإيراني لأي تفاوض، مما يعرف الأميركيون تماماً مغزاه وقيمته. وهكذا واجه وفد ترمب الرفيع إيراناً جديدة وليس نظاماً جديداً مختلفاً كما يقول الرئيس الأميركي أحياناً. ومن أجل حماية هذا النظام سيكون مفاوضو طهران مستعدين لأي شيء بما في ذلك إفشال المحادثات نفسها.
يميل كثرٌ من المحللين والمراقبين إلى القول بعدم جدوى المفاوضات الأميركية- الإيرانية التي انطلقت أمس السبت في إسلام آباد عاصمة باكستان وبرعاية رئيس الحكومة الباكستانية.
سبب تشكك هؤلاء هو التناقض الكبير بين ورقتي المطالب الإيرانية والأميركية، وهي المطالب التي قادت في الأساس إلى نشوب الحرب.
يرى هؤلاء أن قبول إيران بعرض التفاوض جاء نتيجة لخسائرها الفادحة ولتهديد الرئيس دونالد ترمب بـ"محوها"، أما سعي ترمب إلى التفاوض، فيرونه مجرد تمديد للهدنة الأخيرة وتأجيلاً للضربة الماحقة.
يصح هذا التقييم إذا أخذنا في الاعتبار بنود الورقتين الأميركية والإيرانية، فبالنسبة إلى الولايات المتحدة احتل الملف النووي المرتبة المتقدمة دائماً مع ما يتضمن من تفاصيل تتعلق بالتخصيب ومصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب.
وركز المفاوضون الأميركيون عشية اندلاع الحرب في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي على ضبط المشروع الصاروخي مدى ونوعية وكميات، ثم على وقف عمل ودعم الأذرع على امتداد المنطقة، وهي التي هبت لدى تعرض طهران للهجوم إلى الدفاع عنها، جالبة الفوضى والدمار إلى بلدانها، خصوصاً في لبنان والعراق واليمن.
وأضيفت إلى هذه المطالب الرئيسة مسألة التحكم بإغلاق مضيق هرمز التي اكتشف الحرس الثوري الإيراني، بتوجيهات من المرشد الجديد مجتبى خامنئي، مدى أهميتها، فتحول التحكم بالمضيق إلى نقطة قوة يتمسك بها النظام الجريح بعد فقدانه مرشده وأبرز قياداته السياسية والعسكرية، وهي النقطة التي تصدرت مصادر قوة النظام الأخرى، النووي والأذرع والصواريخ.
ونشأ على أنقاض القادة الراحلين في إيران، إثر الضربة الأولى وبعدها، نظام عسكري أمني بات الحفاظ عليه الهدف الإيراني لأي تفاوض، مما يعرف الأميركيون تماماً مغزاه وقيمته.
هكذا واجه وفد ترمب الرفيع إيراناً جديدة وليس نظاماً جديداً مختلفاً كما يقول الرئيس الأميركي أحياناً، ومن أجل حماية هذا النظام سيكون مفاوضو طهران مستعدين لأي شيء بما في ذلك إفشال المحادثات نفسها.
تختصر صحيفة "يو أس توداي" منطق الحرس الثوري صاحب القرار الفعلي اليوم في المواجهة، فترى أن الأهم بالنسبة إليه "السيطرة على مضيق هرمز والحفاظ على برامج إيران النووية والصاروخية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لقد مارست إيران نفوذها طويلاً عبر الابتزاز النووي وتحريك شبكة من "الميليشيات الوكيلة، ’حزب الله‘ و’حماس‘ والحوثيون وغيرها، المنتشرة في أنحاء الشرق الأوسط"، وهي باتت تمتلك الآن مصدر قوة ثالثاً في "قدرتها على إغلاق مضيق هرمز وزعزعة استقرار أسواق النفط العالمية".
وتطرح واشنطن في المبدأ نقيضاً لعناصر القوة الإيرانية، فإضافة إلى إنهاء المشروع النووي فكرة وتخصيباً، تؤكد إدارة ترمب على حرية الملاحة في مضيق هرمز بوصفه ممراً دولياً، وتتشدد في مسألتي الصواريخ والأذرع، مما يجمعها بقوة إلى الحليف الإسرائيلي.
ولا تجد القيادة الإيرانية ما تقوله في المقابل غير التشدد في هذه المسائل كلها وطرح مطلب مثير للدهشة يتعلق بإزالة الوجود العسكري والاقتصادي الأميركي من المنطقة كلها، خصوصاً من البلدان العربية في الخليج التي جعلها إيرانيو الحرس الثوري هدفاً لتدمير حاقد طاول فيها البنى الاقتصادية والعمرانية.
لكن توسيع القيادة الإيرانية لائحة مطالبها، بما في ذلك إثارتها الإعلامية المكثفة لمسألة وقف النار بين "حزب الله" وإسرائيل كشرط للتفاوض، لم تصمد طويلاً، فالمفاوضات التي استغرقت 21 ساعة كشفت عن أن الهموم الإيرانية الفعلية تتركز على التمسك بالمشروع النووي والحصول على تعويضات ورفع العقوبات واسترداد الأصول المجمدة، وفي سبيل ذلك كان التمسك بالسيطرة على هرمز الورقة الإيرانية الأقوى، إضافة إلى التهديد بمواصلة الأذرع معاركها على الأطراف.
والمعركة الأهم بالنسبة إلى إيران، خارج حدودها، هي معركة "حزب الله" ضد إسرائيل. وفي الواقع فإن هذا الحزب يخوض حرباً توازي حرب إيران ضد إسرائيل، بل تفوقها أهمية. فعدد الصواريخ التي يطلقها على إسرائيل تكاد تفوق عدد الصواريخ والمقذوفات الإيرانية، وهو إلى ذلك يخوض حرباً مباشرة مع جنودها ويوقع بينهم الإصابات المباشرة.
ومثل هذا الدعم لن تجده السلطات الإيرانية في أي مكان آخر، لا في العراق حيث لا تزعج تحركات أنصارها سوى المجتمع المحلي، ولا في اليمن حيث تفوق خطابات عبدالملك الحوثي في فصاحتها، بلاغة أحمد سعيد في زمن "صوت العرب".
لذلك اعتبرت إيران سعي السلطة الشرعية اللبنانية إلى التفاوض مع إسرائيل والإصرار على التهدئة والانسحاب الكامل من لبنان، طعنة لأدوات قوتها التفاوضية، فخاضت حرباً شعواء ضد الحكومة اللبنانية ورئيسها وكررت تحذيرها من تداعيات أمنية داخلية في لبنان تزيد حدة أزمته التي يعانيها مع الاحتلال الذي تسببت بعودته المدمرة.
تفهم إيران في احتمالات نجاح التفاوض اللبناني- الإسرائيلي، تنفيذاً عملياً لبند إنهاء استراتيجية الأذرع من ساحتها الأهم في لبنان، وهي لن تسمح بذلك ما دامت قادرة ومتمسكة بعدم التنازل في الملفات الأخرى.
لقد انتهت جولة باكستان الأولى إلى الفشل، وتبقى من مهلة ترمب الممددة ثمانية أيام حتى الـ21 من أبريل (نيسان) الجاري، وفي هذا الوقت، وما لم تحصل تطورات جديدة تفرضها مساعي الوسطاء، سنكون مرة جديدة عشية الـ28 من فبراير، مع توقع نتائج أكثر كارثية في كل اتجاه.
صحيفة "إزفيستيا" الروسية التي تعكس ما يشبه وجهة نظر روسية رسمية توقعت سلفاً هذا المسار، وقالت إنه "بمجرد استنفاد الموارد الدبلوماسية، يرجح أن يستأنف القتال بقوة. ورجحت الصحيفة "أن نعود لحال الجمود، وستكون الآليات العسكرية لكلا البلدين جاهزة لجولة جديدة من المواجهة. وبطريقة أو بأخرى، سيقضي كلا الجانبين الأسبوعين المقبلين في تعزيز قواتهما"، استعداداً لجولة قتال جديدة.