Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الموت الصامت في إيران: صيدليات بلا دواء ومستشفيات بلا خدمات

في قطاع مرضى غسل الكلى أدى نقص الأجهزة والأسرة والمواد الأساسية إلى إطالة قوائم الانتظار للحصول على العلاج بصورة كبيرة

تفاقم أزمة الأدوية في إيران يهدد حياة الذين يعانون أمراضاً مزمنة (أ ف ب)

ملخص

تفاقمت ظاهرة التخلي عن العلاج، التي كانت قائمة سابقاً بسبب ارتفاع أسعار الأدوية في إيران، ففي ظل الظروف الراهنة، اضطر كثير من المرضى إلى إيقاف علاجهم أو تأجيله نتيجة العجز المالي أو عدم توفر الأدوية، وهو قرار يحمل في كثير من الأحيان تبعات غير قابلة للتدارك.

شهدت إيران خلال الشهرين الماضيين واحدة من أكثر الأزمات حدة في العقود الأخيرة. أزمة لم تقتصر تداعياتها على تعطيل وصول المواطنين إلى الخدمات الصحية فحسب، بل وضعت صحة المرضى المصابين بأمراض مزمنة أمام تهديد مباشر وخطر.

وتظهر التقارير الميدانية وشهادات المرضى والبيانات الصادرة عن وسائل إعلام محلية في إيران أن تداخل عوامل عدة، من بينها توقف نشاط بعض شركات الأدوية واضطراب سلاسل الإمداد والارتفاع غير المسبوق في الطلب على الخدمات العلاجية، كلها أدت إلى استنزاف البنية الصحية الهشة في البلاد على نحو متسارع.

وبحسب هذه المعطيات، فإن توقف عمل عدد من كبرى شركات تصنيع الأدوية، إلى جانب القيود المفروضة على الاستيراد، أسفرا عن نقص حاد، بل وانعدام، في كثير من الأدوية الحيوية، ولا سيما تلك المخصصة لمرضى السرطان والهيموفيليا والثلاسيميا والفشل الكلوي.

في موازاة ذلك، أدى الضغط المتزايد على المستشفيات والمراكز الطبية إلى تراجع كبير في القدرة على تقديم خدمات تخصصية، مثل غسل الكلى والتصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET Scan) والرعاية في أقسام العناية المركزة.

انهيار سلسلة إمداد الدواء في ظل الحرب

تشير التقارير إلى أن توقف واردات الأدوية، إلى جانب تعثر الإنتاج المحلي، أديا فعلياً إلى اضطراب حاد في سلسلة الإمداد الدوائي في البلاد، كذلك دفعت المخاوف من استهداف المنشآت، مصانع أدوية عدة إلى تعليق نشاطها، مما تسبب في ندرة أو اختفاء أدوية العلاج الكيماوي وعوامل التخثر والأنسولين القلمي وحتى حليب الأطفال من الأسواق.

وفي ظل هذه الظروف، عادت السوق السوداء للأدوية إلى النشاط، إذ ارتفعت أسعار كثير من الأدوية الحيوية - بحسب المرضى - بما يصل إلى خمسة أضعاف، وقد أدى هذا الارتفاع، خصوصاً لدى مرضى السرطان، إلى بلوغ كلف العلاج مستويات باهظة، إذ تتجاوز كلفة الجلسة الواحدة في بعض الحالات ما بين 100 و150 مليون تومان (نحو 1000 دولار)، وهو ما يفوق قدرة شريحة واسعة من المجتمع.

ويرى متخصصون في القطاع الصحي أن الأزمة الراهنة لا تعود فقط إلى ظروف الحرب، بل تتغذى أيضاً من اختلالات هيكلية سابقة، فقد شهدت الأعوام 2023 و2024 نقصاً في الأدوية وارتفاعاً في الأسعار وتنامياً لدور الوسطاء في منظومة التوزيع، مما أضعف النظام الصحي مسبقاً، واليوم، دفعت الحرب بهذه التراكمات إلى حافة الانفجار.

المرضى ذوو الحالات الخاصة في صدارة أزمة العلاج

في أوساط مختلف فئات المرضى، كان المصابون بالأمراض الخاصة الأكثر تضرراً من هذه الأزمة. وتظهر التقارير الميدانية أن هؤلاء المرضى يواجهون نقصاً حاداً، وأحياناً انعداماً كاملاً، في الخدمات العلاجية، فعلى سبيل المثال، يشكل نقص أدوية مثل "هيوميت" و"فيبرينوجين" تهديداً مباشراً لحياة مرضى الهيموفيليا. وفي هذا السياق، حذر عضو الجمعية العامة لاتحاد الهيموفيليا في إيران، أحمد قويدل، من أن مئات المرضى في محافظة سيستان وبلوشستان بحاجة إلى دواء "العامل 13"(Factor XIII)، في حين لم تتوفر أي جرعة منه منذ أشهر.

وفي قطاع مرضى غسل الكلى، أدى نقص الأجهزة والأسرة والمواد الأساسية إلى إطالة قوائم الانتظار للحصول على العلاج بصورة كبيرة. وبالتوازي، زادت أزمة نقص الدم – لا سيما لدى مرضى الثلاسيميا الذين يحتاجون إلى نقل دم منتظم - من تعقيد المشهد، وتشير التقارير إلى نقص في فصائل نادرة مثل" O سالب"، وهو ما أدى في بعض الحالات إلى تدهور الحالة الصحية للمرضى، بل ووفاتهم.

من جهة أخرى، تفاقمت ظاهرة التخلي عن العلاج، التي كانت قائمة سابقاً بسبب ارتفاع أسعار الأدوية في إيران، ففي ظل الظروف الراهنة، اضطر كثير من المرضى إلى إيقاف علاجهم أو تأجيله نتيجة العجز المالي أو عدم توفر الأدوية، وهو قرار يحمل في كثير من الأحيان تبعات غير قابلة للتدارك.

ضغط غير مسبوق على المستشفيات

منذ أحداث القمع الدموية غير المسبوقة للاحتجاجات في يناير (كانون الثاني) الماضي، أدى ارتفاع أعداد المصابين جراء المواجهات، إلى جانب المرضى الاعتياديين، إلى فرض ضغط هائل على المستشفيات في البلاد. وتفيد التقارير بأن نقص الأسرة، بخاصة في أقسام العناية المركزة، حال دون استقبال بعض المرضى في عدد من المدن، بما في ذلك طهران.

في الوقت نفسه، أسهمت حركة النزوح الداخلي الناتجة عن ظروف الحرب في زيادة العبء على المرافق الصحية في مدن أخرى، إذ واجه مرضى توجهوا إلى المناطق الشمالية أو إلى مدن مختلفة صعوبات في الحصول على العلاج، نتيجة محدودية الإمكانات ونقص الأدوية في تلك المراكز.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كذلك يعد نقص الكوادر الطبية من أبرز التحديات الراهنة، ووفقاً لشهادات بعض المرضى، تراجع عدد العاملين حتى في المراكز الخاصة. ويعزى ذلك جزئياً إلى المخاوف من استهداف المرافق الطبية، بسبب قربها من مواقع عسكرية أو منشآت إطلاق صواريخ ومقار أمنية، مما دفع بعض المؤسسات إلى العمل بحد أدنى من الطواقم.

وعلى رغم ورود تقارير عن طوابير طويلة للتبرع بالدم، فإن ضعف الإدارة وسوء توزيع هذه الموارد حالا دون تلبية احتياجات المرضى في الوقت المناسب، مما يعكس خللاً واضحاً في التنسيق وإدارة الأزمة داخل النظام الصحي.

إرث الأزمة: آفاق مقلقة لمستقبل الصحة

على رغم نفي المسؤولين في إيران، يرى متخصصو الصحة أن تداعيات هذه الأزمة ستتجاوز المرحلة الراهنة، فالأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الدوائية والعلاجية، وتراجع القدرة الإنتاجية المحلية، وخسارة الكوادر المتخصصة، ستضع النظام الصحي أمام تحديات أكثر عمقاً على المدى البعيد.

إلى جانب ذلك، تسارعت وتيرة ارتفاع أسعار الأدوية، وكان رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف قد أعلن سابقاً عن زيادة تجاوزت 100 في المئة في أسعار بعض الأدوية. وتشير التقديرات إلى أن أسعار كثير منها ارتفعت بأكثر من 300 في المئة خلال فترة تراوح ما بين ثلاثة وأربعة أعوام، مع توقع استمرار هذا الاتجاه التصاعدي في ظل استمرار التوترات.

وفي ضوء هذه المعطيات، يحذر متخصصون من أنه في حال عدم إجراء إصلاحات هيكلية في النظام الصحي وسلاسل إمداد الدواء، فإن الأزمة الحالية مرشحة للتحول إلى حال مزمنة، يصبح فيها الوصول إلى الرعاية الصحية تحدياً دائماً لقطاع واسع من المجتمع.

لقد كشفت الأحداث منذ يناير الماضي وحتى اليوم، إلى جانب الخسائر المباشرة، عن طبقة أعمق من المعاناة: حالات المرض والوفاة التي تحدث بصمت نتيجة نقص الدواء والخدمات العلاجية. وهي حقيقة ترسم ملامح مستقبل مقلق، قد تتحول فيه الصحة العامة إلى أحد أبرز ضحايا الأزمات الاقتصادية والأمنية والسياسية والعسكرية المتداخلة.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير