ملخص
يعود تاريخ الأسلحة الكهرومغناطيسية إلى ظهور مفهوم الأسلحة غير الفتاكة في ستينيات القرن الـ20، كوسيلة بديلة للتعامل مع مهام حفظ الأمن، وخصوصاً في السيطرة على الحشود، إلا أنه لم تكن هناك حينها تقنية مناسبة لبناء سلاح فعال وآمن.
قبيل الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران، عاد الحديث عن إمكان استخدام واشنطن للأسلحة الكهرومغناطيسية، والتي تعرف علمياً بأنها وسائل وأجهزة تستخدم الطاقة الكهرومغناطيسية، وتوجد في الغالب على صورة موجات تنتشر في الأرض، والمعدات، والماء، وكذلك في الغلاف الجوي.
ويشار إلى الطاقة الكهرومغناطيسية في الأدبيات المتخصصة باللغة الإنجليزية باسم "الطاقة الموجهة"، وطورت هذه الوسائل في الأساس لاستخدامها كسلاح غير فتاك ضد الأشخاص لتسمح بتقليل عدد الضحايا المحتملين في حالات تدخل الشرطة، وأعمال الشغب في الشوارع، والسرقات، وما إلى ذلك. لكن سرعان ما بدأت تستخدم أيضاً لأغراض عسكرية، إذ يفتح التطور التكنولوجي المتواصل آفاقاً جديدة للقوة الكهرومغناطيسية، بما في ذلك تلك التي يمكن أن تحدد نجاح العمليات العسكرية.
ظهور الأسلحة الكهرومغناطيسية
يعود تاريخ الأسلحة الكهرومغناطيسية إلى ظهور مفهوم الأسلحة غير الفتاكة في ستينيات القرن الـ20، كوسيلة بديلة للتعامل مع مهام حفظ الأمن، وخصوصاً في السيطرة على الحشود، إلا أنه لم تكن هناك حينها تقنية مناسبة لبناء سلاح فعال وآمن. وفي عام 1978، لاحظت دراسة أجراها معهد "ستوكهولم الدولي لبحوث السلام" حول الأسلحة المضادة للأفراد أن "التطورات الجديدة في هذا المجال تنبع من ثلاث مجالات رئيسة في الفيزياء أي الكهرباء والصوتيات والإشعاع الكهرومغناطيسي". ومع ذلك، فإن أياً من هذه التقنيات لم يكن لها تطبيق عسكري في ذلك الوقت.
وفي ثمانينيات القرن الـ20، اتجهت القوات المسلحة الأميركية نحو تطوير أسلحة "ليزر" فتاكة عالية الطاقة لإسقاط الصواريخ الباليستية، وأسلحة "ميكروويف" عالية الطاقة مصممة لتدمير المعدات الإلكترونية. وقامت "مديرية الأسلحة غير الفتاكة المشتركة" بتكييف هذه التقنية لإنشاء أنظمة إيصال غير فتاكة جديدة أو تعديل الأنظمة القائمة، والتي يمكن استخدامها في العمليات العسكرية، وأجريت بحوث مكثفة على أسلحة "غير فتاكة" مضادة للأفراد تستخدم أنواعاً مختلفة من الطاقة الكهرومغناطيسية كترددات الراديو، وأشعة الليزر منخفضة الطاقة، وأشعة الليزر عالية الطاقة. إلا أنه لم يتسن ابتكار أنواع عدة من الأسلحة الكهرومغناطيسية واستخدامها عملياً إلا في أواخر تسعينيات القرن الماضي.
نظام الرفض النشط
كانت تقنية الرفض النشط التي طورها "مختبر بحوث القوات الجوية الأميركية" أولى التقنيات الكهرومغناطيسية التي حظيت باهتمام كبير، إذ تستخدم هذه التقنية إشعاعاً كهرومغناطيسياً بموجات المليمتر لتسخين الجلد وإحداث ألم. وفي أواخر تسعينيات القرن الماضي دمجت هذه التقنية في نموذج أولي على مركبة مدرعة، وأطلق عليها اسم "نظام الرفض الفعال المثبت على المركبة".
بعدها قامت شركة "رايثيون" الأميركية، بتصنيع مولد موجات المليمتر وهو جهاز يتكون من هوائي كبير موجه مثبت على مركبة، يصدر موجات بتردد 95 غيغاهرتز، مما يؤدي إلى حرق جلد الإنسان ضمن مسافة 500 إلى 600 متر. وهنا لا بد من التوضيح بأنه كثيراً ما يخلط بين الموجات المليمترية والموجات الميكروية التي يبلغ ترددها نحو 2.5 غيغاهرتز، التي يمكنها تسخين الطعام بل وتحميصه في الفرن لأنها تخترقه بالكامل. في المقابل، يبلغ طول الموجات المليمترية جزءاً من المليمتر، بالتالي تخترق طبقة رقيقة فحسب من سطح الجلد. وتهيج هذه الموجات مستقبلات الأعصاب الموجودة على سطح الجلد، مسببة ألماً حارقاً قوياً نسبياً، مما يؤدي إلى رد فعل لا إرادي بالهرب من مسافة الموجة.
وتزامناً مع تطوير نظام الرفض النشط، أجريت بحوث حول تأثيرات الموجات المليمترية على جسم الإنسان، وتوصلت إلى أن الموجات الكهرومغناطيسية بتردد 95 غيغاهرتز لا تمتلك طاقة فوتونية كافية لتغيير بنية الخلايا العضوية، إذ تؤثر هذه الطاقة على سطح الجلد وترفع درجة حرارته بنفس طريقة الأشعة تحت الحمراء المنبعثة من الشمس.
مولدات النبضات الكهرومغناطيسية
مولدات النبضات الكهرومغناطيسية هي أجهزة مصممة لتدمير أو تعطيل الأجهزة الإلكترونية، بما في ذلك الحواسيب وأنظمة الاتصالات وشبكات الإنترنت، باستخدام طاقة كهرومغناطيسية عالية تبث في فترة زمنية قصيرة جداً. تنتشر الطاقة في الغلاف الجوي على صورة موجات، وتصل إلى الأجهزة عادة عبر الهوائي وعناصر أخرى من المعدات المعرضة مباشرة للإشعاع. ويمكن تقسيم مولدات النبضات الكهرومغناطيسية إلى مجموعتين رئيستين، الأولى هي مولدات تعمل ضمن نطاق ترددي واسع، وتصدر كمية هائلة من الطاقة الناتجة من انفجار قوي أو مولد كهرومغناطيسي موجه ضد جميع الأجهزة الكهرومغناطيسية المتاحة. أما المجموعة الثانية فهي مولدات تصدر نبضات إلكترونية ضمن نطاق ترددي ضيق موجه ضد أجهزة إلكترونية محددة.
يمكن استخدام مولدات النبضات الكهرومغناطيسية لإتلاف الأجهزة الإلكترونية والكهربائية، وحذف المعلومات من قواعد البيانات، وإحداث أعطال في أنظمة الحاسوب، وإحداث انفجارات أو تحييد حقول الألغام. ومن الجدير ذكره أن تصنيع أسلحة كهرومغناطيسية يدوية هو أمر متاح من عناصر متوافرة بكثرة في السوق، وكل ما يلزم لصنع مثل هذا السلاح هو المعرفة ومبلغ كاف من المال. وبذلك يمكن لجهاز محمول للإشعاع الكهرومغناطيسي من مسافة قصيرة أن يعطل سيارة، أو يدمر جهاز كمبيوتر، أو حتى يعطل نظام إنذار بنك.
هذا ويمكن للنبضة الكهرومغناطيسية أن تؤثر سلباً في كل من الإنسان والمادة، إذ قد تحدث خللاً في وظائف الخلايا العصبية والجهاز العصبي المركزي عند تردد معين ومستوى طاقة محدد للإشعاع، وقد يؤدي ذلك إلى عجز موقت عن التصرف. كما قد يشعر الشخص المتضرر بانزعاج موقت نتيجة سماع الضوضاء.
القنبلة الكهرومغناطيسية
تعد القنبلة الكهرومغناطيسية، أو ما يعرف أيضاً بـ"القنبلة الإلكترونية"، مثالاً على الأسلحة التي تصدر طاقة ضمن نطاق واسع من الموجات الكهرومغناطيسية، وهي عبارة عن جهاز قادر على توليد وإرسال نبضة كهرومغناطيسية فائقة القوة وقصيرة المدى، مما يسبب انقطاعات أو أعطالاً تامة في عمل الأنظمة الإلكترونية.
لوحظت ظاهرة توليد نبضة كهرومغناطيسية بهذه القوة الهائلة للمرة الأولى عام 1962، وكان ذلك اكتشافاً عرضياً أثناء تجربة، عندما تم تفجير قنبلة هيدروجينية بقوة 1.4 ميغاطن على إحدى جزر وسط المحيط الهادئ. وقد دمر الانفجار منشآت اتصالات الأقمار الاصطناعية ضمن دائرة نصف قطرها 30 كيلومتراً، وحدث تداخل في الاتصالات اللاسلكية ضمن دائرة نصف قطرها 1200 كيلومتر من موقع الانفجار. بعد دراسة هذه الحادثة، تبين أن الموجة الصدمية الكهرومغناطيسية الناتجة من الانفجار حفزت توليد الكهرباء في الهوائيات والكابلات الكهربائية والأجزاء المعدنية، مما أدى إلى تدمير جميع المكونات الإلكترونية غير المؤمنة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
نظراً إلى آثارها تصنف القنبلة الكهرومغناطيسية كسلاح دمار شامل، لذا، تعامل هذه التقنية بمنتهى الجدية، ولا تقر أي دولة بامتلاكها. واليوم تمتلك الولايات المتحدة والصين وروسيا وربما غيرها من الدول قنابل كهرومغناطيسية غير نووية، تعتمد بعض أنواعها على أساليب تقنية بسيطة نسبياً، منشورة في الأدبيات الأكاديمية، مما يوحي بإمكان تصنيعها من قبل أي دولة متقدمة تقنياً.
يقال إن الولايات المتحدة استخدمت القنبلة الكهرومغناطيسية خلال الأيام الأولى للهجوم على العراق عام 2003، فوفقاً لشبكة "سي بي أس نيوز" الأميركية، نشرت الولايات المتحدة قنبلة كهرومغناطيسية تجريبية خلال الـ24 من مارس (آذار) 2003 لتعطيل البث التلفزيوني الفضائي العراقي وتعطيل بث الدعاية. وتتضمن التأثيرات التدميرية للقنابل الكهرومغناطيسية إرسال موجة كهرومغناطيسية في أقل من جزء من مليون من الثانية، يراوح طولها بين أجزاء من المليمتر وعشرات السنتيمترات، بقدرة تصل إلى مليارات الـ"وات". تنتشر هذه الموجة في الفضاء، لتصل إلى الأجهزة الإلكترونية، وتحدث بفعل المجالات الكهربائية والمغناطيسية المتغيرة، تغيراً في الجهد الكهربائي، مما يؤدي بدوره إلى تلف المعدات.
إلى ذلك يمكن أن تكون القنبلة الإلكترونية فعالة للغاية في استهداف الأجهزة غير المحمية في البنية التحتية للكهرباء والاتصالات، لا سيما في المدن الكبرى. على سبيل المثال، يمكن للنبضة الكهرومغناطيسية منخفضة التردد أن تلحق أضراراً جسيمة بخطوط الهاتف والكهرباء، ويمكن استخدام النبضة الكهرومغناطيسية لتعطيل عناصر من تشكيلات العدو القتالية، مثل الطائرات والمروحيات والصواريخ والمركبات القتالية الخفيفة، بل ويمكن استخدامها لاستهداف السفن، على رغم من وجود المعدات الإلكترونية داخل هيكل فولاذي سميك، لأن معظم هذه المعدات لها أجزاء بارزة، مثل الهوائيات والرادارات وأنظمة الاتصالات. وتعتمد فعالية القنابل الكهرومغناطيسية المزودة برأس حربي بصورة أساس على كمية الطاقة التي يمكن توجيهها نحو هدف محدد، ويتم ذلك بواسطة نظام هوائي موجود في الرأس الحربي.
حتى الآن، لا توجد حالات موثقة لاستخدام القنابل الكهرومغناطيسية لتعطيل الأنظمة الإلكترونية. مع ذلك، استخدمت أسلحة مشابهة في الماضي لتدمير هذه الأنظمة حيث استخدمت الولايات المتحدة قنابل الغرافيت (المعروفة بقنابل التعتيم)، التي تنثر ألياف الغرافيت لإحداث ضرر في الأنظمة الكهربائية من دون إلحاق ضرر مادي بالبنية التحتية. وكان أول استخدام لقنابل الغرافيت خلال حرب الخليج عام 1991 عندما عطلت الولايات المتحدة 85 في المئة من إنتاج الكهرباء العسكرية العراقية، من ثم استخدمت لاحقاً في حرب كوسوفو عام 1999، مما أدى إلى انهيار ما يقارب من 70 في المئة من إمدادات الطاقة في صربيا.