ملخص
يعيش لبنان في "دوامة من العنف" المتعدد الأبعاد، حيث تشهد مراكز الإيواء صدامات مستمرة بفعل الاكتظاظ وانتهاك الخصوصية، فيما سعرت التظاهرات المناهضة لدخول لبنان مرحلة المفاوضات "نار الخلافات". وتتعرض الفئات الهشة لمستويات عنف إضافية، فيما تشكل النساء أغلبية راجحة ضمن الشريحة النازحة، حيث يتحمل مسؤوليات مضاعفة في حماية الأسرة والتربية ورعاية الأطفال، والحفاظ على التماسك والتوازن الأسري قدر الإمكان.
"دوامة من العنف" تحاصر المجتمع اللبناني في ظل الحرب الحالية التي تسببت بنزوح مليون و50 ألف نازح مسجل بحسب وحدة إدارة الكوارث التابعة للحكومة اللبنانية، فيما بلغ عدد الوحدات السكنية المتضررة 40 ألف وحدة وفق دراسة أولية أعدها المركز الوطني للمخاطر الطبيعية والإنذار المبكر، وهو ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في وتيرة الدمار.
تُرخي تلك المظاهر نفسها بقوة على الصحة النفسية للبنانيين، خصوصاً النازحين الذين فقدوا الاستقرار الأساسي، ناهيك بفقدان الاستقرار المادي والنفسي، فيما يعيش راهناً أكثر من 140 ألف نازح داخل 684 مركز إيواء مكتظ.
ويتخذ العنف في لبنان أشكالاً مختلفة، لا تتوقف عند عتبة العنف الجسدي، وإنما تتجاوزها إلى مظاهر عميقة من "فرض الصمت" والتخوين والتهديد بالحرب الأهلية، إلى عنف اقتصادي وصرف تعسفي من العمل، واستغلال جنسي وعنف ضد النساء والأشخاص ذوي الإعاقة، خصوصاً في مراكز الإيواء واللجوء.
وبين هذا وذاك يزداد منسوب التهديد والعنف السياسي في لبنان، مع ارتفاع خطاب الاتهام ومشاعر السلبية بين الفرقاء السياسيين المتخاصمين وأتباع المكونات الطائفية المختلفة وتسعير حدة نار الاختلافات المناطقية والثقافية.
"ما في بكرا"
أرخت الحرب الحالية، التي أتت كامتداد للحرب التي اشتعلت في خريف عام 2023، بظلالها على الحالة النفسية الفردية والجماعية في لبنان، حيث تسيطر أجواء القلق واليأس في كل مكان.
داخل أحد مراكز الإيواء في مدينة طرابلس شمال لبنان، تعيش جيهان (25 سنة) التي خرجت من مدينة صور الجنوبية، بعد اشتداد الحرب الحالية. تعبر الشابة عن خوف شديد وقلق، فقد تعرضت أماكن قريبة من منزل العائلة للقصف، وهي تخشى فقدانه إلى الأبد، وحرمانهم من العودة إلى مسقط رأسها بسبب العنف الإسرائيلي المفرط، مؤكدة "أعيش حالة من الضغط النفسي الشديد، والأفكار السوداء لا تفارق رأسي"، وتقول "فترة الغياب أصبحت طويلة، والإقامة مع عدد كبير من الأشخاص الغرباء يحرمني من الحرية ومن الخصوصية".
تشير الباحثة في علم الاجتماع السياسي منى فياض إلى أن "لبنان يعيش حالة عميقة من اليأس وعدم الراحة، نتيجة سلسلة من الأزمات المتلاحقة، التي سبقت الحرب الحالية. فقد عاشت البلاد خمسة عقود من الأزمات المستمرة، وشهدت الأعوام الأخيرة بدءاً من عام 2019 أزمة الانهيار الاقتصادي، وخسارة الودائع المصرفية، وما سبقه من فراغ رئاسي وحكومي وحالة أمنية متزعزعة".
وتضيف، "يعيش اللبناني حالة من انعدام الأفق، فهو لا يمكنه التخطيط للغد بل في حالة انتظار مستمرة، ولا يمكنه العيش كما يجب أو توقع القادم من الأيام بسبب تعرضه لأحداث عنيفة باستمرار من عدو خارجي ومن أطراف داخلية متصارعة" بحسب منى فياض، التي تعتقد أن اللبناني دخل حالة من العنف المستمر، يظهر في قيادة السيارات على الطرقات بطريقة متهورة، وفي العلاقات الاجتماعية والأسرية التي تشوبها الكثير من المشكلات، وتشير إلى بلوغ المواطنين مرحلة سيئة، ويمكن التماس نتائجها في كل مكان سواء داخل الأسرة على شكل صدامات زوجية، أو الضغط على الطلاب المصدومين، حيث يعيشون توتراً دائماً.
وتتوقف عند انقلاب منظومة القيم خلال التهجير وتراجع عملية الضبط الاجتماعي، وازدياد العنف بين المقيمين في مركز الإيواء بسبب الاكتظاظ وانتهاك الملكية والخصوصية، حيث "تنعدم التراتبية والهرمية داخل العائلة ويفتقر الوالد سلطته ومرتبته بسبب الخروج من المنزل والحياة التي كانت قائمة في السابق".
العنف ضد الفئات الهشة
تشكل الحروب "بيئة طاردة" للآمال والأحلام. ويمكن التماس تلك الصورة من خلال تصريح إعلامي أدلت به الممثلة المقيمة لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي بليرتا أليكو التي قالت، إن لبنان يواجه "عاصفة متكاملة" من أزمات متداخلة أدت إلى نزوح واسع النطاق وضغط متزايد على نظام هش أساساً.
فيما تعد الفئات الهشة من الأكثر تعرضاً للعنف خلال الأزمات، وهو ما يمكن ملاحظته راهناً في لبنان. ويشكل الأطفال والنساء والأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن أكثر المتضررين من الحرب الراهنة.
وتشير الناشطة الاجتماعية ستيفاني بو شلحة إلى أن ثمة "620 ألف فتاة وامرأة من بين النازحات أي ربع نساء لبنان، وأكثر من نصف إجمال النازحين والنازحات، وهي نسبة مرتفعة للغاية"، ويقيم 85 في المئة من هؤلاء خارج مراكز الإيواء الرسمية، ضمن شقق ووحدات سكنية مكتظة، حيث يفتقرن للخصوصية والأمان وحتى النظافة. ويترتب على هذا النمط من الاكتظاظ والإقامة غير الآمنة بروز مشاعر القلق والتوتر المستمرين، كما يُلاحظ تنامي شديد للعنف اللفظي والمعنوي والجسدي، بحسب أبو شلحا.
ومع مرور الوقت تزداد أشكال العنف بسبب الضغوطات الاقتصادية والظروف السيئة، وتشهد مراكز الإيواء إشكالات متنقلة بين النازحين حتى على أمور قد تكون بسيطة جداً، لكن الإشكالات قد تصل إلى تضارب واشتباكات، تتدخل قوى الأمن لفضها، وهي ظواهر آخذة في الانتشار.
تجزم بو شلحا أن "النساء يعشن في بيئات غير آمنة، حيث حياتهن وسلامتهن مهددة. ويعشن وسط أخطار متزايدة وانتشار العنف القائم على الدور الاجتماعي"، محذرة من تراجع أنظمة الحماية خلال الحروب والأزمات، إذ يتعذر التبليغ عن العنف والانتهاكات والوصول إلى مؤسسات العدالة، أو الحصول على الخدمات الأساسية.
وتلفت بو شلحا إلى وجود أكثر من 12 ألف امرأة حامل بين النازحين، ويتوقع خلال الفترة القريبة القادمة ولادة 1350 امرأة منهن، لكن تفتقر كثيرات منهن للرعاية الطبية الآمنة ومستلزمات النظافة الشخصية، وهو ما يترك ضغطاً نفسياً مستمراً وإرهاقاً شديداً عليهن وعلى المحيطين بهن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توليد العنف
تنوه الدكتورة منى فياض إلى أشكال إضافية من العنف، تتمثل باستغلال التجار والمؤجرين لحاجات الناس بسبب ضعف النفس البشرية، وهو ما يخلق توتراً داخل السوق، أو حتى التنمر الذي يمارس في بعض الأحيان ضد النازحين في المجتمعات المضيفة، كما في المقابل يبرز "العنف والتنمر الذي يمارسهما المتظاهرون ضد المواطنين المسالمين، أو حتى ضد ممثلي الشرعية"، مستدركة "على رغم ما نراه في لبنان من عنف، فإن البلاد لم تبلغ مستوى الفوضى الشاملة على خلاف بلاد لا يمكن السير في شوارعها".
من ناحية أخرى، تلفت فياض إلى "انتشار العنف المعنوي" وهو مستوى من العنف لا يمكن قياسه بسهولة، ولا يمكن إدانته من دون دليل. ويؤدي هذا النوع من العنف إلى كبت الأفكار وقتل النقاش الحر في المهد، وقمع الأصوات المختلفة ضمن الجماعات، حيث تستخدم بعض الأحزاب "الوصم" بالخيانة والعمالة ضد كل من يخالفها الرأي، و"هو ما يشكل امتداداً للعنف السياسي المنتشر في لبنان".
كما تتحدث فياض عن "فرض الرقابة على الحزن من قبل القادة الحزبيين" وهو ما "يتحول إلى ضبط ذاتي مع مرور الوقت، وإشاعة المصالحة مع الموت وعدم التعبير عما يدور في الداخل"، وصولاً إلى أي أفكار أو تغييرات تعتنقها السلطة الحزبية وتبرير الحروب المتعاقبة ودفع الأثمان الكبيرة منذ عام 1969 حتى اليوم.
العنف الاقتصادي
تقول المحامية المتخصصة بقضايا حقوق الإنسان عتيبة المرعبي، إنه في فترة الحروب يُلاحظ ارتفاع في مستويات العنف الأسري، وزيادة نسب الطلاق، وحرمان النساء والأطفال من النفقة وحرمان المرأة من المهر، وصولا ً حتى لابتزازها للتنازل عن حقوقها في حالة الطلاق. أما في مجال العمل، فتبرز البطالة وضعف الأجور التي تكاد لا تكفي لتأمين القوت اليومي، والصرف التعسفي، واستغلال الفئات المهمشة واللاجئين، وعدم دفع الأجور والتمييز بين العاملين. كما تلاحظ المرعبي اتساع دائرة العنف التي تظهر من خلال كثرة المتسولين وزيادة في الأحداث الأمنية والمشاكل وخصوصاً السرقات والقتل لأسباب مادية.
من ناحية أخرى، تتطرق المرعبي إلى آليات ضبط العنف وسلطة العقاب، المرتبطة بمؤسسات القانون، التي تعاني بدورها هشاشة كبيرة لمصلحة انتشار الإفلات من العقاب. وتعطي أمثلة مختلفة على تلك القوانين التي لا تطبق بشكل فعال بسبب ضعف الدولة والقضاء، من قانون العنف الأسري إلى قانون التحرش الجنسي، وقانون العمل وقوانين الأحوال الشخصية.
دوامة العنف
تتعدد جذور العنف الاجتماعي، وتؤكد الباحثة في علم النفس الاجتماعي ماغي المعلوف أن "العنف ظاهرة أصيلة منذ ميلاد الحضارة"، و"كانت الحروب والنزاعات متفشية عبر التاريخ، وهي أمر مشترك بين مختلف الحضارات، وأصبحت جزءاً من المسيرة الإنسانية". وتتحدث عن عدة نماذج من العنف، الأول هو العنف نحو الذات والجماعات، حيث يظهر من خلال السلوك الانتحاري والتضحية بالنفس، أما النوع الثاني فهو العنف بين الأفراد جراء التفاعل الاجتماعي بمختلف أشكاله، أما النوع الثالث فهو العنف الجماعي أي العنف المنظم، وهو ما يمكن أن تقوم به بنية متكاملة سواء أكانت جماعات منظمة أو ما تمارسه جماعات صناعية لتعديل السلوك الاستهلاكي والانتاجي، إضافة إلى النوع الرابع من العنف، وهو ما تمارسه الدولة بفضل سلطتها وما تلجأ إليه من حروب.
وتسلط المعلوف الضوء على انتشار العنف المادي والنفسي والجنسي، وتعد أن منسوب العنف يرتفع خلال الحروب والأزمات لأسباب مختلفة، في مقدمها "ضغط الجماعة والانصياع لسلطتها وطاعة أوامرها في ممارسة العنف"، حيث "يبدو لافتاً للعيان كيف أن أناساً عاديين وأشخاصاً معروفاً عنهم الاستقامة والثقافة والفهم وسجلهم العدلي نظيف، يلجأون لممارسة العنف تحت تأثير ضغط الجماعة والمحيط والسلطة".
ويبرز أيضاً "العنف المدفوع بالتطرف حيث تميل الأطراف المتنازعة إلى إطلاق الأحكام المتطرفة ضد خصومهم، وحرمان الخصم من إنسانيته واتخاذ أحكام قاسية بفعل حالة الاستقطاب، وهو ما يمكن أن يتحول إلى سلوك أصيل في حال لم تعد الجماعة النظر في مواقفها"، مشددة على "نزع الصفة الإنسانية عن الخصم، وتكوين الصورة السلبية عنه بفعل تأثير البروباغندا، ومن ثم ينخفض مستوى التعاطف مع الغير، ويصبح سلوك العنف مقبولاً"، وهو ما ينتشر كثيراً بفعل مواقع التواصل الاجتماعي واستعمال أسلوب التجهيل وإطلاق الصفات القذرة والإساءة للكرامات.
الإحساس بالتهديد الوجودي
تتحدث المعلوف عن أثر الإحساس بالتهديد الوجودي على سلوك الأفراد، وهو ما عايشته المجموعات اللبنانية طوال أعوام بفعل الإصرار على الهوية والحفاظ على الخصوصية، وهو ما ينشط ما وصفته بـ"آليات الدفاع" لدى الجماعة من أجل البقاء. وتلاحظ المعلوف "هشاشة مؤسسات الدولة ومنظومة القيم وفقدان آليات الضبط والمحاسبة والعقاب، وهو ما يعزز السلوكيات العنيفة، وقد لمسه اللبنانيون في أعقاب انفجار مرفأ بيروت صيف عام 2020.
تربط الباحثة بين "ازدياد مستويات العنف والرغبة في السيطرة على الموارد والسلطة والحكم واحتلال الأرض أو الموارد والمعادن الثمينة"، وهنا "يصبح العنف وسيلة استراتيجية من أجل تحقيق المكاسب". وتؤكد أن "الحرب الراهنة كشفت الفرق بين أفراد مدفوعين بالغالب من سلطة حزبية أو دينية أو اجتماعية واعية من أجل إيواء الناس، وآخرين مدفوعين بمشاعر سلبية"، كما أن "ما تعرضت له بعض الجماعات من خسائر، يدفعها لرفع منسوب العنف ضد أخصامها لإظهار أنها منتصرة".
وفي النهاية تبرز تساؤلات حول "الآثار بعيدة المدى" لما يتعرض له اللبناني حالياً، فهو يعيش في ظل أزمة وجودية، ووسط خطر على الكيان والاستقرار، وفقدان أجزاء من البلاد، وخشية من تكرار سيناريو قطاع غزة. وفي السياق تحذر المعلوف من أن آثار الحرب قد تمتد لفترات طويلة في حال لم تُعالج على المستوى الجماعي والفردي، وتقترح "اعتماد بعض الطرق التربوية لمساعدة الأفكار في التفكير الإيجابي وتقبل واحترام الآخر للخروج من دائرة العنف، وصولاً إلى تحرير الأفراد من آثار دورة العنف".