Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الانتخابات في المجر والخسارة في واشنطن

هزيمة أوربان تمثل جرس إنذار لحركة "ماغا" والجمهوريين لكنها قد لا تعني أيضاً تحولاً أيديولوجياً

كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان أول رئيس حكومة في الاتحاد الأوروبي يؤيد ترمب في عام 2016 (أ ف ب)

ملخص

انكسر سحر أوربان على يد ماغيار، المحافظ الموالي لأوربان سابقاً، والذي يشاركه العديد من آرائه حول قضايا مختلفة مثل الهجرة. لكن ماغيار قدم أسلوباً أقل حدة وأقل إثارة للانقسام، واعداً بدولة أكثر إنسانية تعيش بسلام مع نفسها ومع الاتحاد الأوروبي.

على مدى العقد التالي، لم يبذل أي زعيم أجنبي جهداً أكبر من أوربان لتحويل السياسات الشعبوية اليمينية إلى برنامج حكم عابر للحدود، إذ حول المجر إلى ساحة تجارب لممارسات يطبقها ترمب الآن في أميركا، بما في ذلك توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية والهجوم على الجامعات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني.

كانت زيارة نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إلى بودابست قبل الانتخابات العامة في المجر، بهدف حشد الدعم لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، موقفاً أميركياً لافتاً في دعمه لليمين في أوروبا، ثم ضاعف البيت الأبيض من موقفه، إذ وعد الرئيس ترمب بدعم أوربان بكامل القوة الاقتصادية للولايات المتحدة. فما الذي تعنيه خسارة أوربان الآن للرئيس ترمب ولليمين الشعبوي في أميركا؟ وهل تنذر بخطر على حركة "ماغا" والجمهوريين في انتخابات 2026 و2028 أم لا تعني أي تحول أيديولوجي لأن منافس أوربان الفائز بانتخابات المجر هو أيضاً من المحافظين وليس اليسار؟

صدمة الشعبويين

لا شك أن الفوز الكاسح لحزب "تيسا" الذي يتزعمه بيتر ماغيار بـ 138 مقعداً في البرلمان المجري، أي أكثر من ثلثي المقاعد بما يمكنه من تعديل الدستور، مقابل فوز حزب "فيدس" الحاكم بزعامة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان بـ 55 مقعداً فقط، شكل صفعة قوية للرئيس ترمب ونائبه جيه دي فانس، ولليمينيين الشعبويين الأميركيين والأوروبيين، الذين أيدوا أوربان بحماسة، وانخرطوا في الحملة الانتخابية المجرية لمصلحته.

بالنسبة إليهم، يعد فقدان رائد الشعبوية اليمينية في المجر شعبيته، تكراراً لمأساة أخرى حدثت سابقاً لجانيز يانشا، رئيس وزراء سلوفينيا لثلاث دورات، والمعجب المتحمس بأوربان، والذي خسر الانتخابات البرلمانية في عام 2022.

ويبدو أن اليمينيين الشعبويين يشعرون بقلق كبير الآن على فرصهم الانتخابية المقبلة، بعدما سعى أوربان إلى تصدير نموذج لا يحتذى به، بحسب معهد "كاتو" الأميركي للأبحاث، الذي رأى أن سياسات أوربان أنتجت سلطة تنفيذية مطلقة ذات مركزية قوية، ورأسمالية المحسوبية، والتفكيك الممنهج لسيادة القانون خلال أعوام حكمه الـ16. فقد أعاد تشكيل المجر على صورته، وألغى العديد من الضوابط والتوازنات من خلال إغراق النظام القضائي والهيئات المستقلة بموالين لحزب "فيدس" الذي يتزعمه، وسيطرته على معظم وسائل الإعلام، وفي عام 2014 ألمح إلى أن المجر دولة غير ليبرالية.

التلفزيون والثلاجة

تجاهل أوربان وغيره من الشعبويين اليمينيين الذين فشلوا في الحكم، المبدأ الروسي القائل إن السياسة تنطوي دائماً على توتر بين "التلفزيون" كدعاية سياسية و"الثلاجة" بمحتوياتها التي تمثل واقع الناس المعيشي. إذ راهن أوربان بكل ما أوتي من قوة على التلفزيون، موظفاً شبكة واسعة من وسائل الإعلام الموالية لحزب "فيدس" لتشويه سمعة خصومه، ووصف خصمه ماغيار بأوصاف مختلفة، منها "المحتال" و"الدمية في يد أوكرانيا" و"المتحرش بالنساء" و"الزوج المسيء"، بينما شوه صورة الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي باعتباره تهديداً وجودياً سيشعل الحرب في المجر إذا فاز ماغيار.

وبعد فوز أوربان الساحق في انتخابات عام 2022، وعد المجريين نفس وعد ترمب في حملاته الانتخابية، ألا وهو "عصر ذهبي" لاقتصاد البلاد، لكن بسبب الفساد المستشري، انزلقت المجر إلى الركود. وعلى رغم تحسن الوضع الاقتصادي قليلاً الآن، لا تزال المجر تشهد أبطأ نمو في المنطقة، فقد بلغ معدل البطالة أعلى مستوياته منذ 10 أعوام، وهكذا "أصبحت الفجوة بين التلفزيون والثلاجة لا يمكن ردمها"، كما يقول ديفيد بريسمان، السفير الأميركي السابق لدى المجر.

انتكاسة لـ"ماغا" وترمب

لكن هزيمة فيكتور أوربان في الانتخابات التشريعية للمجر تمثل هزيمة لدونالد ترمب ونائبه جيه دي فانس، تماماً كما هي هزيمة للزعيم المجري الذي أطيح به. إذ نادراً ما تدخل القادة الأميركيون بهذه الصورة العلنية في انتخابات أجنبية، ونادراً ما مني مرشحهم المفضل بهزيمة ساحقة كهذه.

على مدى الأعوام الأخيرة، عد الرئيس ترمب نفسه زعيماً لكتلة يمينية دولية، واستمتع بالعلاقة الخاصة التي ربطته بأوربان استراتيجياً وأسلوبياً. إذ كان رئيس الوزراء المجري أول رئيس حكومة في الاتحاد الأوروبي يؤيد ترمب في عام 2016، وحفز الفوز المفاجئ للمرشح الجمهوري في واشنطن الأحزاب الشعبوية في جميع أنحاء العالم.

على مدى العقد التالي، لم يبذل أي زعيم أجنبي جهداً أكبر من أوربان لتحويل السياسات الشعبوية اليمينية إلى برنامج حكم عابر للحدود، إذ حول المجر إلى ساحة تجارب لممارسات يطبقها ترمب الآن في أميركا، بما في ذلك توسيع صلاحيات السلطة التنفيذية والهجوم على الجامعات وغيرها من مؤسسات المجتمع المدني. ورعى أوربان شبكة من مراكز الأبحاث وغيرها من المؤسسات المدعومة حكومياً، من أجل استقطاب الشخصيات البارزة في حركة "ماغا" (لنجعل أميركا عظيمة مجدداً). وفي المقابل، استقدمت إدارة ترمب الثانية في واشنطن مساعدين شباباً ذي خبرة في معاهد موالية للحكومة في بودابست.

دعم غير مسبوق

بالنظر إلى الوقت والجهد من قبَل ترمب ونائبه جيه دي فانس في الانتخابات المجرية، يتكشف الدعم غير المسبوق لأوربان. فقد نشر ترمب العديد من منشورات دعمه على وسائل التواصل الاجتماعي، وسجل مقطع فيديو عُرِض في مؤتمر العمل السياسي المحافظ في بودابست. وقبل سفره إلى إسلام آباد لحضور محادثات السلام مع القادة الإيرانيين، أمضى فانس يومين في العاصمة المجرية يشارك في حملة انتخابية إلى جانب رئيس الوزراء.

تعامل ترمب مع ترشح أوربان لإعادة انتخابه مثل أي منافسة سياسية داخلية في الولايات المتحدة، بكل ما يترتب على ذلك من آثار على رصيده السياسي. ولم يكن هذا وليد الساعة، فقد امتدح ترمب في خريف العام الماضي، أمام نظرائه الأوروبيين في قمة سلام الشرق الأوسط، فيكتور أوربان ووصفه بالشخص "الرائع"، معترفاً بأن الكثيرين لا يتفقون معه. ومع اقتراب موعد الانتخابات، لم يكن من الممكن تمييز تأييده لأوربان عن دعمه لمرشحيه الجمهوريين المفضلين في سباقات الانتخابات التمهيدية للكونغرس الأميركي، ورأى أن أوربان سيحمي القانون والنظام.

لم يكتف ترمب بإرسال مبعوثين منفردين إلى بودابست، بل زج أيضاً بأجهزة وزارة الخارجية الأميركية في الانتخابات. وقبل ظهور فانس، سافر وزير الخارجية ماركو روبيو إلى العاصمة المجرية في فبراير (شباط). وعلى رغم أن هدف الزيارة كان دبلوماسياً من الناحية الظاهرية، وهي توقيع اتفاقية تعاون نووي مدني بين البلدين، لكن دلالاتها السياسية كانت واضحة، حيث قال روبيو لأوربان "نجاحكم هو نجاحنا".

في اللحظات الأخيرة، لوح ترمب بمزيد من المساعدات الأميركية ونشر على موقع "تروث سوشيال" ملمحاً إلى أن إعادة انتخاب أوربان ستمكن من تعزيز العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وأكد استعداد إدارته لاستخدام كامل القوة الاقتصادية للولايات المتحدة لدعم اقتصاد المجر، على غرار ما قدمته إدارة ترمب للأرجنتين قبيل الانتخابات التي أجريت هناك في خريف العام الماضي، لكن هذا السخاء الواسع لم يؤت ثماره المرجوة.

مخاوف المصير نفسه

ولأن فيكتور أوربان ونهجه اليميني حظيا بدعم بعض أطياف اليمين الأميركي، يشعر البعض بالقلق إزاء هزيمته. فطالما تشابهت توجهات ترمب وحركته "ماغا" مع توجهات أوربان اليمينية، حيث اتخذ كلاهما مواقف متشددة ضد الهجرة، وعملا على تقييد حرية الصحافة، وأعربا عن قلقهما إزاء انخفاض معدلات المواليد، لدرجة أن ستيف بانون، مساعد الرئيس ترمب السابق، وصف أوربان ذات مرة بأنه "ترمب قبل ترمب".

لكن الآن، يثير حجم هزيمته قلق اليمين الأميركي، لأن العديد من مؤيدي ترمب كانوا يرون في أوربان روحاً مشابهة ومصدراً للأفكار التي تبنوها. إذ يكمن الخوف في أن يواجه الجمهوريون في الولايات المتحدة، الذين يعانون من تراجع شعبيتهم في استطلاعات الرأي واستياء الناخبين، المصير نفسه في عامي 2026 و2028 نتيجة فشلهم في الحفاظ على شعبية حركتهم الشعبوية اليمينية.

جرس إنذار

يخشى رود دريهر، الكاتب المحافظ الأميركي البارز والمؤيد للشعبوية اليمينية، من أن يدفع الجمهوريون ثمناً باهظاً في عام 2028 لارتكاب ترمب أخطاء فيكتور أوربان ذاتها. وأشار ستيف بانون إلى أن خسارة أوربان يجب أن تكون بمثابة "جرس إنذار" لحركة "ماغا" كي لا تتهاون أو تفقد صلتها بالقضايا التي دفعت ناخبيها للتصويت للرئيس، محذراً من اتباع سياسة الوسطية والتخفيف من حدة السياسات اليمينية الشعبوية، سوف تؤدي إلى فقدان قاعدة شعبية متحمسة لن تخرج للتصويت.

وعبر زعيم الجمهوريين السابق في مجلس الشيوخ السيناتور ميتش ماكونيل، الذي يمثل الحرس القديم من المحافظين التقليديين المشكك في ترمب، عن استغرابه الشديد من إعجاب اليمين الأميركي بالمجر، قائلاً إن هناك درساً لأولئك اليمينيين الذين انجذبوا إلى أوربان. فيما عبر آخرون عن حزنهم لخسارة أوربان، فقد تساءل السيناتور الجمهوري مايك لي، على منصة "إكس" عما إذا كان ينبغي منح فيكتور أوربان حق اللجوء في الولايات المتحدة.

مرارة وحلاوة

ومع ذلك، جادل بعض المحافظين الأميركيين والبريطانيين، مع وضوح خسارة أوربان قبيل الانتخابات، بأن نجاحه الحقيقي يكمن في القضاء على اليسار المجري. إذ كتب رود دريهر، عميد المحافظين الأميركيين في بودابست، أن السبب وراء امتلاك بيتر ماغيار فرصة لهزيمة أوربان هو أنه يقر، على الأقل علناً، بكل ما يمثله أوربان.

وفي هذا القول شيء من الصحة، فقد كانت انتخابات المجر، مثل انتخابات بولندا في عام 2023، خياراً بين يمين الوسط واليمين السلطوي، إذ صوت المجريون لمصلحة الاستمرار في مقاومة الهجرة غير الشرعية، وهي قضية معروفة بمواقف أوربان.

وسيكون البرلمان الجديد المنتخب في المجر هو الأول منذ عام 1989 من دون أي تمثيل لليسار، ويعود ذلك جزئياً إلى انسحاب العديد من المرشحين التقدميين لتجنب تشتيت أصوات معارضي أوربان قبل أسبوعين من موعد الانتخابات، مما جعل يوم الانتخابات يحمل في طياته مرارة وحلاوة. فحتى عام 2024، كان ماغيار الفائز بالانتخابات جزءاً من هذا النظام، وكانت آراؤه ليست بعيدة من آراء كوادر حزب "فيدس"، لكن اليساريين والليبراليين تغاضوا عن مخاوفهم من أجل التخلص من أوربان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليس تحولاً أيديولوجياً

قبل أن يفقد بريقه، كان رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان لأعوام طويلة أبرز سياسيي أوروبا، وكزعيم يتمتع بفهم عميق لرغبات شعبه ومخاوفه، وقدرة فائقة على توجيه دفة الأمور السياسية، حقق أربعة انتصارات انتخابية ساحقة متتالية أكثر من أي زعيم حالي آخر في الاتحاد الأوروبي. أعلن أن الديمقراطية الليبرالية قد ولت قبل وقت طويل من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انتهاءها في عام 2019، وحتى قبل فوز ترمب بالرئاسة للمرة الأولى في عام 2016.

لكن ما حدث بالفعل هو أن أوربان فشل في إعادة صياغة قاعدة أساسية في السياسة، لا سيما بالنسبة للشعبويين، وهي ضرورة أن تحظى بشعبية للفوز بالانتخابات. فلم تكن نتيجة يوم الأحد بمثابة زلزال أيديولوجي أو تحول مفاجئ بين المجريين من اليمين إلى اليسار، بل كانت أمراً شخصياً للغاية، إذ أطاح الناخبون بزعيم قوي، انغمس أكثر مع المتملقين وسط إشادة آلة دعائية ضخمة، ففقد تأثيره.

انكسر سحر أوربان على يد ماغيار، المحافظ الموالي لأوربان سابقاً، والذي يشاركه العديد من آرائه حول قضايا مختلفة مثل الهجرة. لكن ماغيار قدم أسلوباً أقل حدة وأقل إثارة للانقسام، واعداً بدولة أكثر إنسانية تعيش بسلام مع نفسها ومع الاتحاد الأوروبي.

لا تأثير على أميركا

على رغم إقرار العديد من اليمينيين الشعبويين ببعض أوجه التشابه بين انتخابات المجر والانتخابات الأميركية، إلا أنهم يقللون من أهمية فكرة أن خسارة أوربان كانت بمثابة جرس إنذار لترمب. وكما يقول مات شلاب، الحليف القوي لترمب ورئيس مؤتمر العمل السياسي المحافظ، فإن ما حدث في المجر لا يؤثر إطلاقاً في السياسة الأميركية.

كذلك لاحظ بعض المحافظين أن زعيم المعارضة الذي هزم أوربان، بيتر ماغيار، يحمل أيضاً آراءً محافظة، لذا لم يروا في خسارة أوربان رفضاً لسياسات اليمين. لكن آخرين أشاروا إلى أن الرجلين يشتركان في نقاط ضعف رئيسة، وأن حركة ترمب يمكنها الاستفادة من هزيمة أوربان. فقد أطيح برئيس الوزراء المجري إلى حد كبير بسبب ركود الاقتصاد الذي أثقل كاهل المواطنين العاديين، في الوقت الذي لاقت فيه اتهامات الفساد صدى لدى الناخبين القلقين بشأن التفاوت في الدخل. وبالنسبة لحركة "ماغا"، فإن الشعبوية رائعة، لكن إن لم تحقق نتائج ملموسة في الاقتصاد، فلن يكون لأي منها قيمة.

لم تكن هزيمة لليمين

يرى بعض مؤيدي أوربان أن خطاب إقرار أوربان بالهزيمة يثبت أولاً أنه لم يكن حاكماً مستبداً أصلاً، وأن ما تظهره هذه الخسارة في الواقع هو أن معارضة حزب "فيدس" كانت قوية لدرجة أنها استطاعت التغلب على جميع البنى التي وضعها أوربان لحماية حكمه من دوائر انتخابية مشوهة بصورة كبيرة، وإعلام مسيطر عليه، ودعاية مدعومة من الدولة، وشبكات محسوبية محلية، وتهديدات وترهيب واسعتي النطاق.

ونظراً لتشابه آراء ماغيار اليمينية مع آراء أوربان في قضايا الهجرة على سبيل المثال، أوضح مايك غونزاليس، الباحث في مؤسسة "هيرتاج" المحافظة في واشنطن، أن النتيجة أظهرت استمرار شعبية السياسات المحافظة لدى الناخبين، وأن فترة حكم أوربان التي امتدت 16 عاماً جعلته عرضة لاتهامات ماغيار بالمحسوبية، وللاتهامات بأنه فقد صلته بالناخبين، في حين أن فترة حكم ترمب كانت أقصر بكثير.

ويشير غونزاليس، الذي يتشارك مركز أبحاثه بعض معتقدات أوربان الشعبوية اليمينية، إلى أنه لا يوجد بين اليمينيين في أميركا أي رفض لنظرة ترمب للعالم، ولهذا فإن الدروس المستفادة هي الحفاظ على الطموح، وعدم الاعتياد على السلطة. أيضاً أعلن سي جيه بيرسون، وهو شخصية مؤثرة واستراتيجية جمهورية، على أن خسارة أوربان لا تنذر بخطر على حركة "ماغا"، لكنه قال إنها تذكير جيد بضرورة التركيز على الناخبين.

رسالة للديمقراطيين

لكن الرسالة الأقوى من بودابست يجب أن تكون موجهة أيضاً للديمقراطيين في الولايات المتحدة، مهما بدا ذلك غريباً، لأن الإطاحة بأوربان تمثل انتصاراً جديداً لنمط معين من السياسة يتميز بمرشحين إصلاحيين يطلقون أحزاباً جديدة ويفككون الأحزاب القديمة، ويفوزون بالانتخابات بعد جعل الهياكل السياسية التقليدية بالية. إذ يعد بيتر ماغيار، زعيم حزب "تيسا" المناهض لأوربان في المجر، هو أحدث المنتصرين في هذا النمط، بينما لا توجد شخصية مماثلة بين خصوم ترمب الأميركيين من هذا النمط.

وهذا ليس مجرد توجه انتخابي سائد في المجر، الدولة الشيوعية السابقة التي يبلغ عدد سكانها (9.5 مليون نسمة)، بل ينضم ماغيار إلى مجموعة متنوعة من الثوار الناجحين المنتشرين من باريس وروما وأوتاوا إلى بوينس آيرس وسيول وواشنطن.

وفي حين لا يوجد تماسك أيديولوجي لهذه المجموعة التي تضم فئات مختلفة، فإن ما يجمع هؤلاء السياسيين هو طريقهم إلى السلطة، وهو طريق قاومه الديمقراطيون لعقد من الزمن منذ أن أصبح ترمب الشخصية المهيمنة في السياسة الأميركية، منهياً بذلك الحزب الجمهوري التقليدي.

منذ ذلك الحين، التزم الديمقراطيون إلى حد كبير بعقلية القيادة والسيطرة التي أوصلتهم إلى تتويج هيلاري كلينتون في عام 2016، ثم إلى هروب الحزب المفاجئ إلى بر الأمان مع جو بايدن في عام 2020، وصولاً إلى تنصيب كامالا هاريس في عام 2024 من دون حتى التظاهر بوجود منافسة بينهم على الترشيح. وهكذا ظلت سياسة الديمقراطيين على المستوى الوطني، تُعلي من شأن النظام وتتجنب المواجهة، والخضوع لجماعات المصالح والرمزية الديموغرافية، وتقديس الأعراف على حساب التفكير الإبداعي والأفكار الكبيرة، وهو نهج لا يناسب عصر الاضطرابات الذي يشهده العالم الحر الآن.

نظام حزبي ضد التغيير

يعد النظام الحزبي الأميركي محصناً بشدة ضد أي تغيير جذري، إذ يكاد من المستحيل تكرار ما فعله ماغيار في المجر، أو ما فعله إيمانويل ماكرون في فرنسا، وخافيير ميلي في الأرجنتين من حيث تحويل تنظيم سياسي ناشئ إلى أداة شخصية ترفع المرشح إلى السلطة في لمح البصر. وفي الولايات المتحدة لا تمتلك البلاد أحزاباً سياسية ثانوية قادرة على الصعود بقوة في حملة انتخابية واحدة، مثل حزب "إخوة إيطاليا" بزعامة جورجيا ميلوني أو حزب "ديمقراطيون 66" بزعامة روب جيتن في هولندا.

لكن كما أظهر ترمب نفسه في الحزب الجمهوري، من الممكن اجتذاب حزب كبير من الداخل، والسيطرة على مؤسسة عريقة مدعومة بقواعدها الشعبية، وإزاحة قادتها المتجذرين، وإعادة تشكيلها بصورة جديدة، وكسب ثقة الناخبين الذين لم يتقبلوا النسخة القديمة. وقد فعل مارك كارني شيئاً مشابهاً في كندا، بأجندة سياسية مختلفة تماماً، وكذلك فعل لي جاي ميونغ في كوريا الجنوبية.

إذا أراد الديمقراطيون استيعاب هذه الرسالة، فعليهم أن يمعنوا النظر في القادة الذين يحبطون نظرائهم في واشنطن، ويتحدون رؤساءهم السياسيين في ولاياتهم، وأن يقللوا من الوقت المخصص لتقييم ردود الفعل في مؤتمرات المصالح الخاصة ولقاءات المانحين.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير