العواقب تطارد ترمب... الهجوم التركي يهدد بتطهير طائفي لمسيحيي سوريا

أنصار الرئيس الأميركي يصفون قرار الانسحاب بالخيانة... وآخرون يعدونه خطيئة كبرى

160 ألف نازح أعلن عنهم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش نتيجة للغزو التركي لشمال شرقي سوريا، في ظل مأساة إنسانية جديدة تسطر فصولها في البلاد على يد دولة أخرى معتدية. فمنذ بدأت العملية العسكرية وهناك تحذير من تغيير الطبيعة الديموغرافية (السكانية) للإقليم الشمالي. وفي بيان الدول الأوروبية الست لدى مجلس الأمن الرافضة للعدوان التركي على سوريا، الأسبوع الماضي، أعربت عن رفضها أي محاولة للتركيبة السكانية بالمنطقة.

نزوح جماعي

ما شهدته المنطقة من نزوح وفرار آلاف السكان خلال أيام منذ بدء الهجوم يؤكد حدوث هذا التغير، الذي ستكون عواقبه أكبر على المسيحيين الذين لم يعد يتبقى منهم سوى بضعة آلاف بعد موجات متتالية من العنف والإرهاب سيطرت على البلاد منذ 2011. فما يواجهه مسيحيو سوريا من خطر وجودي يتمثل على الأغلب في تلك المنطقة الشمالية، التي تواجه قصفا لا هوادة فيه من قِبل جنود الاحتلال التركي على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرارا أنه أكد على نظيره التركي رجب طيب أردوغان حماية المدنيين والأقليات في تلك المنطقة عندما أعلن قرار سحب القوات الأميركية من المنطقة.

تأكيد ترمب على ما يتعلق بحماية الأقليات والمدنيين وتكراره من قبل السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة كيلي كرافت، خلال إعلانها في مجلس الأمن الأسبوع الماضي، عدم تأييد بلادها للعملية العسكرية التركية، لم يتحقق بل حدث النقيض مما زاد من الانتقادات والضغوط التي لاحقت الرئيس الأميركي منذ إعلان سحب قواته، الذي اعتبر وقتها خيانة للأكراد والأقليات الأخرى الذين كانوا لاعبا حاسما على الأرض في المعركة ضد تنظيم داعش. لكن جاءت تقارير القتل والتهجير لتضيف مزيدا من الغضب حتى من أقرب حلفاء ترمب من الإنجيليين الذين أعربوا عن تخوف مسبق بشأن مصير الباقيين من مسيحيي الشمال.

 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استهداف الأقليات

استهدفت العمليات التركية بلدات بها أعداد كبيرة من المسيحيين، مثل رأس العين والدرباسية وقامشلي، مما أسفر عن سقوط العديد من القتلى، بحسب منظمات حقوقية معنية بالأقليات الدينية. ففي بيان صدر الجمعة الماضية، أكدت منظمة الدفاع عن المسيحيين، مقرها واشنطن، أن في القامشلي قُتل رجل وامرأة سريانان، من عائلة واحدة، يعتقد أنهما زوجان حيث سقطت قذيفة من الجانب التركي على منزلهما. وفي رأس العين، قُتل مدني مسيحي سرياني بالإضافة إلى مدني آخر وجرح اثنان آخران. وفي الدرباسية، أصيب أربعة مسيحيين سريانيين، وفي مدينتي كوباني والدرباسية، قتل أربعة مدنيين آخرين، اثنان في كل بلدة.

وحذر توفيق بعقلاني، رئيس المنظمة، "أنه إذا لم تتصرف الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لوقف الاعتداء العشوائي الذي تقوم به تركيا، وفي بعض الحالات بالتعاون مع الميليشيات الإرهابية، ستكمل تركيا العمل الذي حاول تنظيم داعش القيام به، في القضاء على المسيحيين من هذه المنطقة. مضيفا "لقد تم إيقاف داعش من خلال تضحية الجيش الأميركي وشركائهم الأكراد والمسيحيين".

 

 

وضع حرج

وفي تعليقات لـ"اندبندنت عربية"، قال سنحاريب برسوم، رئيس حزب الاتحاد السرياني، "إن هناك قرى حدودية مسيحية (شمال بلدة قبري حيوري -تربسبيه) تعرضت لقصف". وأضاف، "بشكل عام، المسيحيون ينتشرون في عموم المدن الحدودية من ديريك وحتى تل أبيض، ويوجد نزوح كامل لهم من تل أبيض ورأس العين ودرباسية، ونزوح جزئي في المدن الأخرى، ومن تبقى يعيش في مخاوف حقيقية جراء هذه الحرب".

وحذر، "الوضع حرج للغاية، فاستمرار وتوسع هذه الحرب من شأنه أن يفرغ المنطقة من المسيحيين، فضلا عن أن المخاوف الحقيقية تتجلى من سيطرة الإرهابيين الذين يدعمهم أردوغان على مناطقنا ونحن بدورنا نطلب من الحكومة الأميركية ألا تثق في أردوغان لأنه يشكل الواجهة والراعي للمجموعات المتطرفة ومنعها من التوسع في سوريا".

والأسبوع الماضي، نشر المجلس العسكري السرياني، وهو منظمة عسكرية آشورية وشريك في الائتلاف العسكري القوات الديموقراطية السورية (SDF) الذي هزم داعش شمال سوريا، على حسابه على موقع تويتر، بيانا يتضمن دعوة مشتركة لمنظمات مسيحية سورية تطالب بفرض منطقة حظر طيران فوق شمال شرقي سوريا، جاء فيه، "أوقفوا الأتراك العثمانيين الذين غزوا شمال شرقي سوريا، لا تدعوا المسيحية تخرج من شمال شرق سوريا".

ومنذ اشتعال الحرب الأهلية في سوريا عام 2011 تضاءل عدد المسيحيين في أنحاء سوريا إلى نحو 900 ألف من أصل 2.5 مليون شخص، بما كان يمثل نحو 12%.

وأوضح بسام إسحق، رئيس المجلس الديموقراطي السوري في الولايات المتحدة، "أن جميع فئات المجتمع السوري في الشمال تتأثر بالطبع بالغزو التركي، لكن التأثير الأكبر ربما يقع على المسيحيين الذين لم يتبق منهم سوى نحو 40 ألفا فقط من أصل 130 ألفا". وأشار إلى "أن العدد تضاءل بهذا الشكل الكبير بعد أن استولت جماعة جبهة النصرة، التابعة لتنظيم القاعدة والمدعومة من تركيا، على المنطقة عام 2012".

وأضاف إسحق، "أن جبهة النصرة عندما استولت على بعض القرى في شمال شرقي سوريا قامت بشن هجمات على الكنائس ومنازل المسيحيين، مما دفع أكثر من ثلثي السكان المسيحيين للهروب".

وأوضح "أن حاليا يقوم أردوغان بتمويل جماعة مسلحة متطرفة تطلق على نفسها "الجيش الوطني السوري"، تقوم هذه الجماعة المكونة من عناصر إرهابية بقتل الأكراد والمسيحيين وحتى العرب ممن يعارضون التدخل العسكري التركي في بلادهم". وأشار إلى "أنه في أعقاب بدء الهجوم العسكري، الأربعاء الماضي، حاول السكان، مسيحيين ومسلمين، اللجوء إلى الكنائس للاختباء من الهجمات الدموية التركية".

 

 

مخاوف أنصار ترمب

هذه التحذيرات والمؤشرات الخطيرة جنبا إلى جنب مع الغضب الداخلي في الولايات المتحدة جراء قرار ترمب سحب قواته من سوريا والتخلي عن حليف حاسم في المعركة ضد داعش، ربما أثارت مخاوف داخل فريق ترمب الانتخابي من خسارة أصوات حلفائه المحافظين في انتخابات 2020، إذ إنهم كانوا عاملا حاسما في فوزه عام 2016. ويتزايد التحدي الذي يواجهه الرئيس الأميركي داخليا مع حشد الديموقراطيين نحو بدء إجراءات لعزله على خلفية دعوته لرئيس أوكرانيا بالتحقيق في معاملات خاصة بنجل جو بايدن، المرشح الديموقراطي المحتمل للرئاسة.

وخلال الأسبوع الماضي، وصف كبار مؤيدي ترمب من المسيحيين الإنجيليين في الولايات المتحدة، قرار الانسحاب من سوريا بأنه "عمل خيانة فظيع". وبحسب صحيفة نيويورك تايمز "فإنه عندما بدأت الطائرات الحربية التركية في قصف البلدات السورية، دعا القس الإنجيلي البارز فرانكلين غراهام، ترمب إلى إعادة النظر في قراره معربا عن قلقه من أن الأكراد والأقليات المسيحية في المنطقة يمكن القضاء عليهم"، وقال، "لدينا العديد من الأصدقاء في المناطق الكردية".

ودعا توني بيركنز، الذي يقود مجلس أبحاث الأسرة، الإدارة إلى إظهار دعمها بنشاط للأقليات الدينية المضطهدة في أعقاب الانسحاب. وقال "هذا لا يتفق مع ما فعله الرئيس". وغرد إريك إريكسون، المدون الإنجيلي المحافظ المعروف، على تويتر أن ترمب "ارتكب فعلا فظيعا من الخيانة للأكراد. عار عليه". وقال بات روبرتسون، مؤسس شبكة الإذاعة المسيحية، إنه شعر بأمر "مروع" لقرار الرئيس.

كما أن الحلفاء السياسيين أيضا هاجموا الرئيس الأميركي حيث قال السيناتور الجمهوري الرفيع، ليندسي جراهام، الذي نادراً ما ينتقد قرارات الرئيس، "إن ذلك قد يكون أكبر خطأ في رئاسته".

العقوبات الأميركية

وانضم الجمهوريون للأعضاء الديموقراطيين في الكونغرس للاتجاه نحو فرض عقوبات على تركيا. كل هذه الضغوط والقلق بشأن مصير إدارته في 2020، ربما دفعا الرئيس الأميركي لاستباق الكونغرس نحو فرض عقوبات على الحكومة التركية.

وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية، الاثنين، أنّ الرئيس ترمب فرض عقوبات على تركيا تشمل وزارتي الدفاع والطاقة ووزراء الطاقة والدفاع والداخلية الذين باتوا ممنوعين من دخول الولايات المتحدة، ومن إجراء أي معاملة مالية دولية بالدولار الأميركي، كما باتت أموالهم في الولايات المتحدة، إن وجدت، مجمّدة، بهدف إرغام أنقرة على أن تنهي فوراً هجومها العسكري على الفصائل الكردية في شمال شرقي سوريا. مع وقف وزارة التجارة الأميركية مباحثات بشأن اتفاق تجاري مع تركيا تبلغ قيمته 100 مليار دولار، وزيارة الرسوم على صادرات الصلب التركية إلى 50%.

توسيع العقوبات

غير أن الكونغرس اعتبر مثل هذه العقوبات غير فعالة ويعكف حاليا على فرض حزمة واسعة من العقوبات بما في ذلك قطع الدعم العسكري لتركيا. ومن المتوقع أن يطلق السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام والديموقراطي كريس فان هولين مشروع قانون، الثلاثاء يهدف إلى إجبار الرئيس التركي على وقف حملته العسكرية، وسط أنباء عن انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان وإطلاق سراح مقاتلي داعش الذين تم احتجازهم هناك.

المزيد من سياسة