ملخص
تنظيم "داعش"، الذي راكم خبرة واسعة في تحويل الفوضى إلى نظام بديل، ينظر إلى الجغرافيا المنهكة في السودان بوصفها فرصة لإعادة التموضع، وبناء اقتصاد ظل يمنحه النفوذ والاستدامة.
يقف السودان أمام مفترق طرق دقيق، دولة مثقلة بحرب طويلة، واقتصاد يتسرب من بين أصابع المؤسسات، وسوق مواردها مفتوحة بلا حارس فعلي. هنا يولد الخطر ويتشكل ببطء داخل الفراغ فاعل آخر يستفيد من غياب مؤسسات الدولة، وتفكك السلطة المركزية، وتداخل خطوط الاقتصاد غير الرسمي مع شبكات السلاح، وتحول الجغرافيا من حدود سياسية إلى ممرات مفتوحة.
هذه البيئة هي الأكثر قدرة على استيعاب الفاعلين العنيفين، حيث لا مقياس لتمدد التنظيمات الإرهابية، في ظل الانشغال بالصراع، خصوصاً مع قدرتها على إدارة الموارد في البيئات المنفلتة. تنظيم "داعش"، الذي راكم خبرة واسعة في تحويل الفوضى إلى نظام بديل، ينظر إلى الجغرافيا المنهكة في السودان بوصفها فرصة لإعادة التموضع، وبناء اقتصاد ظل يمنحه النفوذ والاستدامة. والسودان، بما يملكه من موارد عابرة للرقابة، وذهب ونفط قابل للتسريب، وشبكات تهريب متجذرة تاريخياً، يقدم نموذجاً مثالياً لهذا النوع من الاستثمار العنيف.
الفوضى الأمنية لا تعمل هنا كشرط عرضي، بل كعنصر تأسيسي، إذ إن انتشار السلاح خارج أطر السيطرة، وتعدد الفاعلين المسلحين، وغياب منظومة جمركية فاعلة، جميعها تفتح المجال أمام اقتصاد أسود قادر على تجاوز الحدود الوطنية، خصوصاً في الفضاء الأفريقي الذي تتداخل فيه الهشاشة السياسية مع ضعف التنسيق الإقليمي. في هذا المشهد، تتحول الحدود إلى خطوط رمزية، وتصبح الموارد الطبيعية لغة السلطة الجديدة.
ما يلفت الانتباه أن التنظيمات العابرة للحدود لا تسعى بالضرورة إلى السيطرة المباشرة، بل إلى إدارة تدفقات، الذهب والوقود والبشر والسلاح. ومن خلال هذه الإدارة، تتشكل سلطة غير مرئية، قوامها المال والحماية والقدرة على فرض قواعد السوق في مناطق الفراغ. ومع تراجع أدوار قوى شبه عسكرية كانت تضطلع سابقاً بإدارة هذا الاقتصاد، تبرز مساحات يمكن أن تُملأ بفاعلين أكثر تطرفاً، وأكثر استعداداً لتحويل العنف إلى نموذج عمل. ليصبح السودان أكثر من ساحة صراع داخلي، فيتحول إلى عقدة محتملة في شبكة إقليمية أوسع، حيث يُقاس النفوذ بقدرة الفاعل على تنظيم الفوضى، وتُبنى السلطة من خلال اقتصاد لا يعترف بالدولة، لكنه يعيد تعريف معناها من الهامش.
حلقة محورية
يعكس انتقال تنظيم "داعش" إلى مساحات أفريقية جديدة تحولاً عميقاً في منطق عمله الاستراتيجي، حيث باتت الجغرافيا تُختار على أساس قابلية الاحتواء الاقتصادي قبل الاعتبارات الرمزية أو الدعائية. فبعد الخسائر الكبيرة التي مُني بها في الشرق الأوسط، أعاد التنظيم رسم خريطته وفق منطق السلاسل الممتدة، لا البؤر المنعزلة، ساعياً إلى بناء طوق نفوذ غير متصل شكلياً، لكنه مترابط وظيفياً عبر الاقتصاد غير المشروع، وحركة السلاح، ومسارات التهريب. في هذا الإطار، يبرز السودان بوصفه حلقة محورية محتملة في سلسلة إقليمية تحيط بشرق ووسط أفريقيا، وتربط بين مسار الساحل وغرب القارة من جهة، والقرن الأفريقي والبحر الأحمر من جهة أخرى.
تجربة "داعش" في غرب أفريقيا تكشف بوضوح عن هذا التحول. التنظيم هناك تجاوز منطق الفدية والجباية التقليدية، واتجه إلى إنشاء اقتصاد صراعي متكامل، يقوم على الضرائب القسرية، والابتزاز المنظم، والسيطرة على الأسواق المحلية، مع توظيف الدين كغطاء شرعي لإدارة العنف والموارد. هذا النموذج، الذي امتد عبر حدود نيجيريا مع تشاد والنيجر والكاميرون، حوّل الجغرافيا الهشة إلى شبكة تبادل إقليمي للوقود والغذاء والماشية، تُدار عبر وكلاء محليين، وتضخ عوائدها إلى القيادة العليا. ومع انخراط التنظيم في استخدام الإنترنت المظلم والعملات الرقمية، باتت الرقابة المالية التقليدية عاجزة عن تتبع تدفقاته، ما أضاف بعداً جديداً لتعقيد المواجهة.
ضمن هذا المنطق، تبدو البيئة السودانية مهيأة لاستيعاب نموذج مشابه، مع خصوصية أكثر خطورة. فالفوضى الأمنية، وتعدد مراكز القوى المسلحة، وانتشار السلاح، تقترن بثروة طبيعية عالية القيمة، خصوصاً الذهب والنفط، وبحدود طويلة يسهل اختراقها. هذه العناصر تفتح المجال أمام "داعش" لإدارة نشاط اقتصادي عابر للحدود، مستفيداً من فراغ الرقابة وضعف الدولة. الاقتصاد الأسود هنا لا يعمل كرافد ثانوي، بل كأداة سلطة، يمكّن التنظيم من شراء الولاءات وفرض قواعده، وتوسيع نفوذه من دون حاجة إلى إعلان سيطرة سياسية مباشرة.
بهذا المعنى، يتحول السودان من ساحة صراع داخلي إلى عقدة تشغيلية في استراتيجية إقليمية أوسع، حيث يُقاس النفوذ بقدرة الفاعل على تنظيم الفوضى، وربط الموارد بالسلاح، وتحويل الهشاشة إلى مصدر قوة. فترسيخ وجود "داعش" في أفريقيا لا يجري عبر موجة واحدة، بل عبر حلقات متصلة، والسودان مرشح ليكون إحدى أكثر هذه الحلقات حساسية وتأثيراً في مستقبل أمن المنطقة.
عوامل التوجه
تتضافر في المشهد السوداني الراهن مجموعة من العوامل البنيوية التي تجعل البلاد نقطة جذب محتملة لتنظيم "داعش" في طوره ما بعد الشرق الأوسط، حيث أعاد التنظيم تعريف أولوياته على أساس اقتصاد الفوضى أكثر من جغرافيا السيطرة. فالحرب الممتدة أنهكت مؤسسات الدولة، وأفرغت المجال العام من سلطة مركزية قادرة على الضبط، وفتحت فراغات متداخلة بين الأمن والاقتصاد والمجتمع. في مثل هذه البيئات، تتحول الهشاشة من عرض جانبي إلى مورد استراتيجي، ويغدو العنف وسيلة لإدارة الندرة متجاوزاً كونه مجرد أداة أيديولوجية.
تمثل الأزمة الاقتصادية المتطاولة عامل جذب حاسماً فمع تآكل شبكات الحماية الاجتماعية، واتساع رقعة الجوع الحاد لتشمل ملايين السودانيين، يتكرس اقتصاد البقاء بوصفه الإطار الناظم لسلوك الأفراد. تخلق البطالة، خصوصاً بين الشباب، سوقاً بشرية قابلة للاختراق، إذ تتقاطع الحاجة المادية مع وعود الدخل السريع والحماية. هنا يجد التنظيم بيئة مناسبة لبناء قواعد تجنيد مرنة، تقوم على المنفعة قبل العقيدة، وتستثمر في إحلال شبكات غير رسمية محل الدولة الغائبة.
الدعوة المتجددة التي أطلقها التنظيم لـ"الجهاد" في السودان تعكس هذا الإدراك. تصوير البلاد كساحة خصبة لا يرتبط فقط بسردية دينية، بل بمنطق عملي يسعى إلى استقطاب مقاتلين من دوائر جغرافية قريبة، وتحويل الصراع القائم إلى منصة لإعادة التمركز. هذا التوجه يستند إلى خبرة سابقة في تحويل الحروب الأهلية إلى حواضن لنفوذ دائم، عبر الادعاء بتوفير الحماية وتنظيم الموارد، وفرض نظامٍ موازٍ يقوم على القوة والجباية.
الاقتصاد الذي يمكن أن يمارسه "داعش" في السودان يبدو واضح المعالم. الذهب يشكل ركيزة أساسية، نظراً لسهولة تهريبه، وارتباطه بشبكات محلية عابرة للحدود، وقدرته على توفير سيولة سريعة خارج النظام المالي الرسمي. النفط، حتى في مستوياته المحدودة، يمثل مورداً قابلاً للاستغلال عبر التسريب والبيع غير المشروع، خصوصاً بعد خروج الصين. إلى جانب ذلك، تبرز تجارة السلاح، وفرض الإتاوات على طرق التهريب، والسيطرة على بعض أنشطة الزراعة والرعي، بوصفها مصادر دخل مستقرة في اقتصاد الصراع.
هذا النموذج لا يحتاج إلى إدارة مباشرة للأراضي، بل إلى التحكم في التدفقات وربط السوق بالقوة. فـ"داعش" لا يتجه إلى السودان بوصفه هدفاً معزولاً، بل كحلقة في مسار إقليمي أوسع. نجاحه في ترسيخ اقتصاد أسود مستدام داخل البلاد سيمنحه قدرة على ربط شرق أفريقيا بالساحل، وتحويل السودان إلى عقدة تشغيلية في شبكة عدم استقرار ممتدة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات عميقة على الأمن الإقليمي ومستقبل الدولة السودانية نفسها.
منظومة تمويلية
تُعد المنظومة التمويلية لتنظيم "داعش" أحد أكثر عناصره تعقيداً وتأثيراً في قدرته على البقاء والتمدد، إذ جرى بناؤها منذ وقت مبكر على فهم عميق لاقتصادات الصراع، وطبيعة البيئات المنهكة، وحدود الدولة الحديثة في مناطق الهشاشة. فقد تعامل التنظيم مع المال بوصفه بنية سلطة، لا مجرد مورد، وربط بين التمويل والحكم، وبين الاقتصاد والعنف، في صيغة جعلت من موارده أداة لإعادة إنتاج نفوذه عبر أقاليم متعددة.
في البيئات العربية التي شهدت انهياراً مؤسسياً واسعاً، أسس "داعش" نموذجاً مالياً أقرب إلى اقتصاد الدولة الموازية. السيطرة على النفط والغاز، والاتجار بالآثار، وفرض الضرائب، وإدارة المعابر، وغسل الأموال، جميعها صُممت ضمن إطار إداري منضبط، مكّنه من توليد دخل مستدام، وتمويل جهاز أمني وعسكري، واستقطاب مقاتلين برواتب منتظمة. هذا النموذج رسخ قناعة داخل التنظيم بأن السيطرة على الموارد تعني امتلاك أدوات الحكم، حتى في غياب الاعتراف السياسي.
مع سقوط "الخلافة" في العراق وسوريا، لم ينهَر هذا المنطق، بل أُعيد تدويره جغرافياً. احتفاظ التنظيم باحتياطيات مالية معتبرة، موزعة داخل وخارج مناطق نشاطه، أتاح له الانتقال من اقتصاد الأرض إلى اقتصاد الشبكات. عبر المديرية العامة للولايات، جرى توجيه التمويل نحو الفروع الجديدة، ودعمها في مراحل التأسيس، مع منحها هامشاً واسعاً للاعتماد على الموارد المحلية، بما يضمن المرونة والاستدامة. هكذا تحول التنظيم إلى كيان مالي عابر للحدود، يستثمر في الاختلافات البنيوية بين البيئات بدل توحيدها.
في السياق الأفريقي تبدو الاستراتيجية أكثر براغماتية. التنظيم يستفيد من اقتصاد السوق السوداء، وطرق التهريب التاريخية، وضعف الرقابة الحدودية، ليبني مصادر دخل تقوم على الذهب والأخشاب والماشية والوقود والضرائب القسرية، إلى جانب الخطف والابتزاز. هذه الموارد، على رغم محدوديتها مقارنة بالنفط، تمتاز بقدرتها على الاندماج في الاقتصاد المحلي ما يقلل كلفة الحماية ويزيد من قابلية القبول المجتمعي.
والسودان، ضمن هذا الإطار، يمثل بيئة عالية الجاذبية. الذهب يشكل عماداً محورياً، نظراً لتشظي سلاسل إنتاجه وتهريبه، وارتباطه بشبكات إقليمية نشطة. النزاع المسلح وفوضى السلاح يفتحان المجال لفرض الإتاوات على طرق النقل والتجارة، بينما يتيح ضعف الدولة اختراق الأنشطة الزراعية والرعوية، وربطها بآليات جباية موازية. التمويل هنا لا يحتاج إلى سيطرة معلنة، بل إلى إدارة ذكية للتدفقات، وتحالفات محلية منخفضة الكلفة. بهذا المعنى، تستند استراتيجيات تمويل "داعش" إلى قدرة استثنائية على التكيف، وتحويل الهشاشة إلى مورد والاقتصاد غير المشروع إلى أداة نفوذ. هذا ما يجعل مواجهته مسألة تتجاوز العمل الأمني، وتمس جوهر الاقتصاد السياسي للحرب في السودان.
سيناريوهات محتملة
تفتح الإشارات المتزايدة الصادرة من تنظيم "داعش" تجاه السودان باباً واسعاً لسيناريوهات ذات تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية تتجاوز الحدود الوطنية، وتضع الإقليم بأسره أمام اختبار بالغ الحساسية. فالسودان، في وضعه الراهن، يتحرك داخل معادلة مقيدة بضعف التنسيق الإقليمي، وتعدد الأجندات الدولية، واتساع الفراغات التي يسهل على الفاعلين العنيفين النفاذ عبرها. هذا السياق يمنح التنظيم فرصة لتحويل الاهتمام الدعائي إلى حضور عملي، مما يستدعي استجابة جماعية تتجاوز المعالجات الجزئية.
التدخل الدولي، كما تعكسه تحركات مجموعة مكافحة تمويل "داعش"، يشير إلى إدراك مُتنامٍ لطبيعة التهديد الشبكي الذي بات التنظيم يمثله في أفريقيا. إدراج ممولين محوريين على قوائم العقوبات يسلط الضوء على البنية المالية العابرة للحدود التي يعتمدها "داعش"، حيث تعمل هذه العقد الوسيطة على ربط الفروع الإقليمية، وتسهيل تدفق الأموال والخبرات، وتحويل التشتت الجغرافي إلى قوة تشغيلية. غير أن فعالية هذه الجهود تبقى رهينة بقدرتها على الاندماج مع تبادل استخباراتي أعمق، وضبط فعلي للمسارات المالية غير الرسمية التي تغذي اقتصاد العنف.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على المستوى الجيوسياسي، تخلق التحولات الراهنة نافذة لإعادة تقييم أنماط الانخراط الدولي في أفريقيا. ولا يتوقف دعم الاستقرار عند الأدوات العسكرية، رغم ضرورتها في بعض السياقات، بل يرتبط بقدرة السياسات الاقتصادية والاجتماعية على تقليص الحواضن التي يتسلل عبرها التطرف. وتحسين شروط العيش، وإعادة بناء مؤسسات الحكم المحلي، وتعزيز الرقابة على الموارد، تمثل عناصر تهدئة بعيدة المدى، أكثر قدرة على تجفيف منابع التنظيم من الضربات المحدودة.
في سيناريو أكثر خطورة قد يتجه "داعش" إلى السيطرة على موارد استراتيجية، مستفيداً من الفوضى الأمنية. وتمثل حقول النفط هدفاً مغرياً، إذ يمتلك التنظيم خبرة في الإبقاء على الإنتاج عبر الإكراه أو التعاقد القسري مع العاملين المحليين، ثم تسويق الخام في أسواق رمادية لا تعترف بالخطوط الأمامية للصراع. المشترون في هذه الحال يتحركون بدافع الحاجة، مما يمنح التنظيم دخلاً ثابتاً ويرسخ سلطته الاقتصادية.
في المقابل، يقدم الذهب سيناريو أكثر مرونة وأقل لفتاً للانتباه. تهريبه عبر شبكات قائمة، وربطه بتجار محليين وإقليميين، يتيح تحويله إلى سيولة خارج النظام المالي، مع صعوبة تتبع مساره. الجمع بين النفط والذهب يمنح "داعش" قدرة مزدوجة على التمويل والتمدد، ويحول السودان إلى عقدة مركزية في قوس عدم استقرار يمتد عبر الإقليم. احتواء هذا المسار يتطلب رؤية شاملة، تدرك أن المعركة هنا تدور حول الاقتصاد السياسي للفوضى بقدر ما تدور حول الأمن.