ملخص
تترقب ليبيا نتائج التحقيق في قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي لأهميته في كبح حالات الاغتيال السياسي ومنع تنامي ظاهرة تصفية الخصوم السياسيين.
فتحت عملية اغتيال نجل الرئيس الليبي السابق سيف الإسلام القذافي الباب لأسئلة كثيرة تخص مستقبل البلاد السياسي والأمني والاجتماعي، حتى قبل أن يوارى بمثواه الأخير اليوم الجمعة في مدينة بني وليد غرب البلاد، بسبب حجم الضحية والشكوك في قدرة الدولة على احتواء الحدث تحت مظلة القانون.
بالتالي فإن حدثاً أمنياً وسياسياً جللاً مثل عملية اغتيال نجل معمر القذافي ووقوعه في دولة هشة ومقسمة مثل ليبيا أثار مخاوف كبيرة من تحول الاغتيال إلى مؤشر بنيوي على طبيعة الصراع وأدواته، مما يعني أن يصبح الرصاص الأداة الأبرز لإدارة الخلاف السياسي في ليبيا.
تحذير من خطر داهم
أبرز الشخصيات التي بادرت بإطلاق جرس إنذار يحذر من خطورة تحول الاغتيال إلى نمط وأداة لتصفية الخصوم والحسابات السياسية في ليبيا كان ولي عهد المملكة الليبية سابقاً الأمير محمد السنوسي، الذي قال في منشور على منصة "إكس"، "نأسف أن يصل العنف في بلادنا إلى هذه الدرجة، إن مثل هذه العمليات والاغتيالات مرفوضة مهما بلغت درجة الاختلافات، ولا يمكن أن تؤدي إلا لمزيد من التشتت والانهيار والتشتت والضياع في ظل غياب دولة المؤسسات والقانون، وهذا ما يؤكده ما حدث أخيراً في حق سيف الإسلام القذافي". وأضاف "نؤكد ما أكدنا عليه سابقاً من ضرورة علاج أزمة الوطن والعودة به إلى جادة الصواب".
خطأ كارثي
على المنوال ذاته سار الصحافي خليل الحاسي الذي أبدى استغرابه من تفاؤل البعض بمقتل سيف الإسلام القذافي بهذه الطريقة وتداعياته على المسار السياسي والانتخابي، قائلاً إنه "لا يرى في الاغتيال أي مؤشر إيجابي وللدلالة يمكن استحضار الماضي القريب ومشهد مقتل معمر القذافي ونتائجه". وذكر، "دروس التاريخ تؤكد جميعها أن كلفة التصفية السياسية باهظة ولا تسدد بسهولة، لذلك أتوقع مساراً طويلاً لحرب أهلية تغذيها الاغتيالات بعدما جرى لسيف الإسلام القذافي، معتبراً أن "منفذي العملية ارتكبوا خطأ استراتيجياً في أخطر مرحلة ممكنة".
الحاسي حذر أيضاً من منطق النخب التي ترى في الاغتيال اختصاراً للطريق السياسي واصفاً هذا النمط من التفكير بأنه "لا تتبناه إلا المافيا والعصابات، لأن الاغتيال اعتراف ضمني بفشل الدولة في إنتاج الشرعية عبر القضاء والمؤسسات".
تنافس يحسمه الرصاص
أما المتخصص في مجال العلوم السياسية جمال الشطشاط فيجزم بأن طريقة تحييد سيف الإسلام القذافي من المشهد ستفتح أبواب الاغتيالات السياسية إذا لم يواكبها تحول جذري في القانون والأمن وطريقة معالجة الدولة للحادثة.
وأوضح أن المخاوف من تحول الاغتيال فعلياً لحسم المنافسة السياسية في الفترة المقبلة له أسبابه، مثل غياب سلطة مركزية فاعلة قادرة على حماية الشخصيات السياسية ومنع الجماعات المسلحة من استخدام العنف كأداة لحسم الصراع وسجل طويل من الإفلات من العقاب في حالات قتل وتصفية في الأعوام الماضية، وكل ذلك جعل العنف السياسي حدث شبه "عادي" في البيئة الليبية.
ونوَّه الشطشاط بأن تعدد الميليشيات وانقسام القوات المسلحة يجعل من السهل على مجموعات صغيرة تنفيذ عمليات من دون تحمل تبعات مباشرة من قوة أكبر، موضحاً أنه إذا لم تقدم نتائج تحقيقات سريعة وعلنية وتحاسب الجهات المنفذة لعملية تصفية سيف الإسلام القذافي، فإنها ستصبح سابقة تحتذى في المستقبل من أطراف أخرى.
منظوران متباينان
اغتيال سيف الإسلام القذافي هو حدث سياسي وأمني بارز في مسار ليبيا المعقد يمكن فعلاً أن ينظر إليه كشرارة يحتمل أن تفتح باب الاغتيالات السياسية في غياب حكم القانون وضمن بيئة ميليشيات شرسة وتنافس محتدم على السلطة، لكن التبعات النهائية تعتمد بصورة كبيرة على رد الفعل الرسمي وقدرة الدولة على فرض القانون والإرادة السياسية والشعبية الفعلية على تجريم العنف السياسي بدلاً من تطبيعه، بحسب الإعلامي الليبي فرج حمزة. وتابع "نحن أمام معادلة صعبة الآن وسؤال جوهري هل ستكون ليبيا دولة قانون أم ستبقى دولة ميليشيات؟ والإجابة عن هذا السؤال ستحدد ما إذا كان اغتيال سيف الإسلام سيصبح نموذجاً لتصفية الخصوم السياسيين في المستقبل، أم مجرد انحراف أليم في مسار أكثر اتزاناً". وأشار إلى أن هذا النموذج الخطر يضع البلاد أمام معادلة مستقبلية بمنظورين متباينين الأول قاتم وفيه إذا استمر العنف من دون محاسبة، فقد تتحول الاغتيالات إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية ويتراجع الانتظام في العملية السياسية لمصلحة القوة المسلحة وكل ذلك يؤدي إلى زيادة التطرف والصراعات القبلية في بعض المناطق.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أما المنظور المعاكس، بحسب وجهة نظر حمزة، فيقوم على أنه إذا نجحت التحقيقات الرسمية أمنياً وقضائياً وجرى الكشف السريع عن الجناة في عملية مقتل القذافي وعرضهم على العدالة، فقد يرسخ ذلك مبدأ ألا أحد فوق القانون ويعزز ثقة المواطنين في المؤسسات ويحد من الاستفادة السياسية من العنف، ويمنح دعماً لمسار سياسي شامل بعيداً من ثقافة الاغتيال.
قضايا ملحة
من جانبه يؤكد المتخصص في مجال القانون عبدالحميد بن صريتي أنه لوقف عمليات الاغتيال السياسي وتجنب تكرارها يجب معالجة ثلاث قضايا رئيسة يتغذى عليه العنف بأنواعه والعنف السياسي بخاصة، وهي تعدد مراكز القوة وغياب احتكار الدولة للسلاح وتمدد الميليشيات وتحولها إلى لاعب سياسي فعلي وتراكم الإفلات من العقاب في قضايا اغتيال سابقة من دون محاسبة.
وعد بن صريتي أنه في مثل هذه البيئة، لا ينظر إلى الاغتيال كخرق استثنائي، بل كأداة ممكنة لإعادة ترتيب المشهد السياسي فاغتيال شخصية ذات وزن رمزي من دون كشف الجناة يحقق ثلاث نتائج خطرة، كسر الخط الأحمر الأخير الذي يفصل الصراع السياسي عن التصفية الجسدية، وإرسال رسالة ردع سلبية إلى بقية الفاعلين السياسيين بأن المشاركة قد تكلفهم حياتهم، وتحفيز أطراف أخرى على اعتماد العنف كوسيلة أسرع من التنافس السياسي أو الانتخابي.
وتوافر الظروف المذكورة آنفاً والمعطيات التابعة لها ستؤدي، بحسب المتخصص في مجال القانون، إلى تحول الاغتيال من حادثة عرضية إلى سابقة قابلة للتكرار، والخطر الحقيقي في ذلك لا يكمن في موجة اغتيالات فورية، بل فيما هو أعمق مثل انسحاب شخصيات مدنية من المشهد وتجفيف المجال السياسي من البدائل وتكريس سياسة الأمر الواقع بقوة السلاح، وهي نتيجة تصب في مصلحة القوى المسلحة على حساب أي مشروع مدني أو توافقي.
إذاً، عصارة ما مر من آراء وخلاصة ما يتداول على ألسنة الناس في الشارع الليبي أنه إذا مر اغتيال سيف الإسلام القذافي من دون تحقيق شفاف ومحاسبة حقيقية، فإن ليبيا تكون قد خطت خطوة إضافية نحو تطبيع الاغتيال السياسي كوسيلة لإقصاء الخصوم، أما إذا فرض منطق القانون، فقد يشكل الحدث على رغم فداحته، فرصة أخيرة لكبح هذا المسار.
وبين هذين الخيارين، يتحدد مستقبل السياسة في ليبيا إما ساحة تنافس تحت مظلة القانون أو ساحة يحكمها الرصاص وتحسمها التصفية الجسدية للخصوم.