ملخص
أثارت لقاءات عقدها قائد "الجيش الوطني الليبي"، المشير خليفة حفتر، مع القبائل الليبية في المنطقة الوسطى وفي فزان تساؤلات عدة حول الغاية الحقيقية منها.
طالب قائد "الجيش الوطني الليبي"، المشير خليفة حفتر، القبائل الليبية بتبني مبادرة سياسية تحميها قواته العسكرية، وذلك خلال اجتماعه أمس الأحد بمشايخ وأعيان المنطقة الوسطى بالمدينة العسكرية، معبراً عن رفضه الحلول الخارجية التي جعلت ليبيا تدور في فلك المراحل الانتقالية.
وكان حفتر اجتمع خلال الأسبوع الماضي بقبائل فزان، حيث قال إنه "لا بد من أن تكون المرحلة المقبلة متطورة في معالمها وطبيعتها ومتميزة بكونها وليدة حراك شعبي واسع تقوده وتشارك فيه القوى الوطنية الحية، وفي طليعتها شيوخنا وحكماؤنا الأفاضل".
ودعا إلى أن "يضم الحراك كل شرائح المجتمع في المدن الليبية كافة"، منوهاً بأنه "ليس أمام مؤسسات الشعب على مختلف مستوياته من أعلاها إلى أدناها، إلا الخضوع التام لما يقرره الشعب في هذا الحراك"، مشدداً على أنه "يجب التخلي عن أي مسار لا يستمد شرعيته من الشعب مباشرة وستجدون قواتكم المسلحة في مواجهة كل مَن يتصدى لقرار الشعب واختياراته".
وجاءت تلك التطورات تزامناً مع مواصلة رئيسة البعثة الأممية للدعم في ليبيا، هانا تيتيه، تنفيذ مراحل خارطة الطريق الجديدة التي كانت قد أعلنت عنها في إحاطتها السابقة أمام مجلس الأمن الدولي في أغسطس (آب) الماضي.
ووصف مراقبون توجه حفتر نحو المكوّن القبلي بأنه "محاولة ذكية لاستغلال فشل البعثة الأممية في تنفيذ المرحلة الأولى من خارطة الطريق لحشد دعم سياسي من المشايخ والقبائل الليبية للخروج بمبادرة ظاهرها سياسي وباطنها عسكري"، فيما أكد آخرون أن "حفتر بصدد تعضيد قبضته الأمنية وحسب".
دور تكاملي
في السياق، يقول أستاذ القانون بجامعة طرابلس، النائب الثاني السابق لرئيس "المؤتمر الوطني العام"، صالح المخزوم، إنه "يجب تشجيع كل مبادرة سياسية تخرج عن حفتر أو (رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد) الدبيبة أو غيره، فجوهر الأزمة الليبية هو الانقسام السياسي، وليس الأشخاص"، منوهاً بأنه يشجع أعيان ومشايخ القبائل على التواصل مع جميع الأطراف، بخاصة الاجتماعات التي تصب في خانة تقريب وجهات النظر بين طرفي الخلاف الليبي، وتدفع نحو حل سياسي ينهي الانقسام ويمهد لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية يشارك فيها الجميع من دون إقصاء. ويضيف المخزوم أنه "كما أسهمت القبائل والأحزاب قديماً في استثمار التدخل الأممي الذي منح ليبيا استقلالها بموجب القرار رقم 289، يمكن الآن الاستثمار في خارطة الطريق الأممية الحالية لأنها السبيل الواقعي والممكن لتوحيد البلاد، وأي مسار موازٍ لن ينجح، ودور القبائل فيه يكون ممكناً، ومكملاً لخارطة الطريق، متى التقت إرادة المشايخ والأعيان على الحوار والتوافق لبناء دولة لا تُقصي أحداً".
من جانبه يدعم أستاذ العلوم السياسية بجامعة بنغازي محمود الكاديكي، ما ذهب إليه المخزوم، قائلاً إن "ليبيا دولة تنستد إلى قبائلها، ولعل مساهمة القبائل في المصالحة الوطنية الليبية التي يقودها المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي خير دليل، فاجتماع حفتر خلال أقل من أسبوعين مع عدد من المشايخ والأعيان سواء من فزان أو من المنطقة الوسطى ليس بدعة، ولكن يمكن تبويبه تحت بند استغلال الثقل الاجتماعي للقبائل لتذويب جليد الجمود السياسي الذي أحكم سيطرته على ليبيا منذ مدة طويلة بخاصة أن جميع الجهود الأممية فشلت في حلحلته".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لوبي ضغط
ويضيف الكاديكي أن "لجوء حفتر للقبائل ليس بسابقة في الدولة الليبية، بخاصة أن دورها كان ملموساً في تحقيق استقلال ليبيا في عام 1951"، منوهاً بأن "معمر القذافي كان من أكبر الداعمين للقبيلة، بل إن من ضمن مصطلحاته المعروفة هي أن القبيلة مظلة اجتماعية"، مبرزاً أن "تقرب حفتر من القبائل الليبية يأتي كبديل عن الحرب، لأنهم جزء فعلي من الحل".
ويقول الكاديكي إن "القبيلة بمثابة لوبي ضغط على منتسبي المجموعات المسلحة لعدم الانسياق وراء الحروب، لأنها ترفع الغطاء الاجتماعي عن كل من يُتهم بأنه يحارب الجيش تحت لواء الميليشيات"، مؤكداً أن "القيادة العامة لجأت إلى القبائل لتحصيل الدعم عبر انخراط أبناء القبائل في صفوف المؤسسة العسكرية الليبية، حتى تذهب ليبيا نحو تجفيف منابع الميليشيات المسلحة ويضعف بذلك دورها وتضمحل نهائياً"، ويرى الكاديكي أن "ليبيا تعاني ركوداً سياسياً، لا بديل له سوى القبائل التي ستعمل على الخروج بحل ينهي الأزمة السياسية تحت مظلة المؤسسة العسكرية، بخاصة أن البلد أصبح حلبة تتصارع فوقها مصالح القوى الإقليمية التي تغذي بدورها شرايين الانقسامات المحلية".
ضرب المنافسين
كذلك فإن توجّه حفتر إلى شيوخ القبائل تحكمه أسباب عدة، بحسب الباحث السياسي، موسي تيهوساي، الذي رأى أن "أبرزها طلب الدعم السياسي والاجتماعي لإضفاء شرعية على سلطته العسكرية، إضافة إلى تحييد أي منافسين له، فحفتر يريد بذلك القضاء على شعبية أي شخصية ليبية أخرى بالجنوب والمنطقة الوسطى، وتحديداً سيف الإسلام القذافي الذي يتمتع بقبول شعبي واسع بخاصة في مدن الجنوب الليبي، إضافة إلى ضمان خزان من الدعم السياسي والاجتماعي لمشروعه العسكري الذي سيتوسع أكثر إذا ضمن ولاء جميع أعيان قبائل فزان والمنطقة الوسطى التي لن تبخل عليه بأبنائها للقتال في صفوف قواته العسكرية بحال اندلاع صراع مسلح جديد"، ويضيف الباحث أن "حفتر يريد من خلال دعم القبائل أن يعمل كجسم مستقل خارج السلطات الشرعية، إضافة إلى سعيه إلى تمرير مصالح اقتصادية، مثل سيطرته على الثروات المعدنية في المناطق الجنوبية بخاصة الذهب، إضافة إلى تأمين الحدود من أي اختراقات أجنبية لا سيما مع سقوط مدينة الفاشر السودانية التي تقع قرب الحدود الجنوبية الليبية الغنية بالموارد المنجمية".
ويرى الكاتب السياسي الليبي، عبدالله الكبير، أنها "ليست المرة الأولى التي يتحدث فيها حفتر عن القبائل وأهمية تقرير الشعب الليبي مصيره ورفضه المبادرات الخارجية"، مضيفاً أنه "في كل حروبه يزعم أنه مسنود من القبائل، وأنه يلبي مطالب الشعب في تحرير البلاد من الإرهاب والميليشيات".
وأكد الكبير أن "حفتر اختار عرض نفسه على مجالس القبائل عوض أن يعرض نفسه على الشعب في انتخابات حرة مع منافسين لديهم فرصة في الفوز عليه"، مؤكداً أن "حفتر يريد اغتصاب السلطة تحت شعار تفويض القبائل له، لأن لا فرصة له في خوض الانتخابات وإن خاضها فسيخسر لا محالة"، ووصف اللقاء بـ"البالون الفارغ الذي يحاول حفتر أن يحصل من خلاله على شرعية زائفة، لا سيما أن غالبية الشعب الليبي وفق استطلاعات أجرتها بعثة الأمم المتحدة في ليبيا تريد التغيير عبر الانتخابات".