ملخص
يواجه الزبير البكوش لائحة اتهام فيدرالية مكونة من ثماني تهم تتعلق كلها بمشاركته في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012.
منذ إعلان وزارة العدل الأميركية إلقاء مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) القبض على المواطن الليبي الزبير البكوش، أحد المشتبه بضلوعهم في الهجوم الذي استهدف القنصلية والبعثة الدبلوماسية الأميركية ببنغازي في عام 2012، لم يتوقف الجدل بخصوص قانونية هذا الإجراء وتفاصيل العملية والأطراف الليبية المتعاونة في عملية القبض عليه وتسليمه إلى واشنطن.
ويعد البكوش المتهم الليبي الثالث الذي تلقي الولايات المتحدة القبض عليه لتهم متعلقة باقتحام قنصليتها في بنغازي يوم الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2012 وقتل سفيرها كريستوفر ستيفنز، ويتوقع ألا يكون الأخير، إذ لا تزال هناك أسماء عدة مطلوبة وملاحقة من الإدارة الأميركية للتهم ذاتها.
لائحة اتهام طويلة
ونقل البكوش جواً إلى الولايات المتحدة بعد القبض عليه في ليبيا ليمثل أمام القضاء هناك، إذ يواجه لائحة اتهام فيدرالية مكونة من ثماني تهم تشمل القتل العمد والحرق العمد ودعم الإرهاب.
وقالت وزارة العدل الأميركية في بيان "وصل البكوش إلى قاعدة أندروز الجوية في الولايات المتحدة في الساعات الأولى من صباح الجمعة، وهو الآن رهن الاحتجاز استعداداً لجلسات أولية أمام قاض اتحادي في واشنطن".
من جانبها، قالت المدعية العامة الأميركية بام بوندي، إن "البكوش أحد الأفراد الرئيسين الذين شاركوا في الهجوم على البعثة الأميركية في بنغازي"، مؤكدة "حرص واشنطن على طلب العدالة ومحاسبة كل المتورطين مهما طال الزمن".
تفاصيل جديدة
في المقابل، كشف عمر البكوش، شقيق الزبير، معلومات عن تحقيقات دولية سابقة أجريت مع البكوش في عام 2021 بحضور ضباط أميركيين لمدة ستة أشهر، قائلاً إن "النيابة الليبية كانت قررت الإفراج عنه بعد تلك التحقيقات لغياب أدلة ثابتة".
وقال عمر البكوش، إن الإدارة الأميركية السابقة برئاسة جو بايدن، طالبت رئيس حكومة "الوحدة الوطنية" عبدالحميد الدبيبة، في عام 2021، بتسليم الزبير عندما كان معتقلاً في طرابلس فرفض، وتمسك بالتحقيق معه داخل الأراضي الليبية.
وأكدت مصادر ليبية متطابقة عدة أن البكوش الذي كان تابعاً سابقاً لما يعرف بـ"مجلس شورى ثوار بنغازي"، ألقي القبض عليه وترحيله من مطار مدينة مصراتة، محل إقامته، بحسب المصادر ذاته، بالتنسيق مع حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، التي اختارت الصمت ولم تعلق في بيان رسمي أو أي تصريحات صحافية لمسؤوليها عن تفاصيل عملية الاعتقال.
توقيت محير
مسألة التوقيت الذي تمت فيه العملية كانت من بين النقاط التي أثارت تساؤلات كبيرة في ليبيا، إذ تساءل المحلل السياسي جبريل العبيدي عن أسباب تأخر اعتقال أحد المتهمين بالمشاركة في الهجوم على القنصلية الأميركية في مدينة بنغازي، على رغم مرور أعوام على اعتقال قائد الهجوم أحمد بوختالة بواسطة قوة خاصة أميركية.
وقال العبيدي إن "بوختالة يعد القائد الفعلي للهجوم وقد جرى توقيفه منذ أعوام طويلة، بينما اعتقل الآن الزبير البكوش، خصوصاً أنه وفق المتداول من المشاركين في الهجوم وليس قائده، فما سبب تأخر توقيفه ما دام أن المعلومات كانت متوفرة منذ ذلك الوقت"، مرجحاً أن "تكون هناك جوانب أخرى في الملف قد تقود إلى تطورات إضافية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اعتراضات قانونية
في السياق القانوني، اعتبر مجلس الأمن القومي الليبي التابع للبرلمان أن احتجاز الولايات المتحدة لأحد المشتبه بهم في الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي داخل الأراضي الليبية، يعد إجراء غير قانوني.
وأضاف المجلس أن "عملية الاحتجاز جرى التنسيق في شأنها فقط مع حكومة ’الوفاق الوطني‘، من دون الرجوع إلى الجهات المعنية الأخرى في ليبيا"، لافتاً إلى أن "في ذلك مخالفة للإجراءات القانونية المعمول بها".
أستاذ القانون والباحث الحقوقي عبدالحميد بن صريتي، بين الحجج القانونية التي تستند عليها الولايات المتحدة في الحالات المشابهة لعملية القبض على الزبير السنوسي، بقوله "تعتمد الولايات المتحدة في ملاحقة المتهمين بقضية بنغازي على مبدأ الاختصاص خارج الإقليم (Extraterritorial Jurisdiction)، وهو مبدأ قانوني يتيح للدولة محاكمة أشخاص أجانب عن جرائم ارتكبت خارج أراضيها إذا استهدفت مواطنيها أو بعثاتها الدبلوماسية أو مصالحها السيادية، وبما أن الهجوم استهدف بعثة دبلوماسية أميركية وأدى إلى مقتل سفير أميركي وثلاثة مواطنين أميركيين، فإن واشنطن تعتبر نفسها صاحبة ولاية قضائية مباشرة، بغض النظر عن مكان وقوع الجريمة".
جدل داخلي
لكنه توقع ألا ينتهي الجدل القانوني بخصوص القضية في ليبيا لغياب إعلان رسمي عن اتفاق تسليم مجرمين مفعل بين ليبيا والولايات المتحدة الأميركية، واعتماد واشنطن في هذه الحالة وحالات سابقة على عمليات قبض خاصة أو ترتيبات أمنية غير معلنة، بدل التسليم القضائي الكلاسيكي.
وأوضح أنه من منظور القانون الليبي، يرى معارضو التسليم أن الأصل هو محاكمة المواطن الليبي أمام القضاء الوطني ونقل المتهم من دون حكم قضائي ليبي نهائي قد يعد مساساً بالسيادة القضائية.
بن صريتي رجح في هذا السياق، أن تبرر واشنطن موقفها بأن القضاء الليبي غير قادر عملياً منذ أعوام على التعامل مع قضايا الإرهاب العابرة للحدود، مستندة إلى الإفراج السابق عن بعض المشتبه بهم داخل ليبيا الذي يعزز مبرر التدخل القضائي الأميركي، كذلك ستستند إلى سوابق واضحة في حالتي أحمد أبو ختالة ومصطفى الإمام، وكلاهما نقلا إلى أميركا وحوكما أمام محاكم فيدرالية، مما يجعل قضية البكوش امتداداً قانونياً لمسار قائم وليس حالة استثنائية.
هجوم مسلح
وقعت الحادثة التي اعتقل على خلفيتها الزبير البكوش وقبله عدد من الأشخاص القياديين في التنظيمات المتطرفة في ليبيا في الـ11 من سبتمبر 2012، وفيها تعرضت البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي لهجوم مسلح عنيف نفذته مجموعة مسلحة تتكون من أكثر من 20 عنصراً مدججين بالأسلحة النارية والقاذفات.
وبحسب لائحة الاتهام الفيدرالية، اقتحم المهاجمون بوابة البعثة وأشعلوا النار في المباني، مما أدى إلى اندلاع حريق كثيف في مسكن السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز وموظف وزارة الخارجية شون سميث، إذ لقي الاثنان مصرعهما خنقاً من الدخان كذلك قتل اثنان آخران يعملان لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، وهما تيرون وودز وغلين دوهيرتي، في الهجوم أو تبادل إطلاق نار لاحق بالقرب من مجمع البعثة.
وهذا الهجوم لا يزال حتى اليوم يعد من أكثر الحوادث الدبلوماسية دموية في التاريخ الحديث، لما تبعه من تداعيات سياسية وأمنية في واشنطن وطرابلس وبنغازي.
اعتقال المنفذين
بعد عامين من الهجوم الدموي وتحديداً في عام 2014، شنت قوات أميركية خاصة عملية قبض نوعية في ليبيا استهدفت أحمد أبو ختالة، وهو قيادي مشتبه بانتمائه لتنظيمات مسلحة في بنغازي، ونقلته إلى الولايات المتحدة لمحاكمته، وقضت محكمة أميركية لاحقاً بسجنه لأعوام طويلة بتهم تتعلق بالإرهاب والقتل والتآمر.
وفي حادثة ذات صلة، قتل علي عوني الحزي، وهو أيضاً أحد المشتبه بهم الآخرين في الهجوم، في ضربة جوية أميركية بمحافظة ديالى العراقية في عام 2015، بإطار جهود واشنطن لتعقب العناصر المتشددة المتورطة في بنغازي وغيرها من العمليات.
وفي عام 2017، أعلنت وزارة العدل الأميركية القبض على مصطفى الإمام، المواطن الليبي، ووجهت إليه اتهامات فيدرالية بالمشاركة في الهجوم ذاته.