Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انسحاب أم فخ: لماذا دفع السوداني بالمالكي لرئاسة وزراء العراق؟

يشكل ترشيح رئيس الوزراء السابق استفزازاً قد يدفع قوى فاعلة في مقدمها "التيار الصدري" إلى إعادة تحريك الشارع

لقاء سابق جمع بين السوداني والمالكي (وسائل إعلام عراقية)

ملخص

تقول مصادر إن حسابات السوداني تقوم على أن فشل تمرير المالكي سيعيد الكرة مجدداً لملعبه، باعتباره أحد طرفي التفاهم الأصلي الذي لم يُكتب له النجاح، مما يفتح الباب أمام إعادة ترشيحه لولاية ثانية.

بعد تصاعد الحديث حول توجه "الإطار التنسيقي للقوى الشيعية" نحو ترشيح زعيم "ائتلاف دولة القانون" نوري المالكي، أو التفاهم عليه كمرشح محتمل لرئاسة الوزراء، تصاعدت التساؤلات في الأوساط السياسية والشارع العراقي في شأن جدية هذا المسار وإمكان تمريره، وهذه التساؤلات لم تكن شكلية بل جاءت صريحة وحادة، انطلاقاً من حقيقة أن المالكي يعد من أكثر الشخصيات جدلية في المشهد السياسي العراقي، حدّ أن كثيرين لم يتصوروا أن يُقدم "الإطار التنسيقي" في هذا التوقيت تحديداً على إعادة طرح اسمه لهذا المنصب.

موقف مسبق للمرجعية

ولم ينبع الاستغراب فقط من الأسباب الداخلية المعروفة والمتعلقة بإرث ثمانية أعوام من الحكم (2006 - 2014) وما رافقها من انقسامات حادة، ومرحلة صعود تنظيم "داعش" وملفات الاستهدافات الطائفية، فضلاً عن العداء العميق والمفتوح مع قوى شيعية وازنة وفي مقدمها "التيار الصدري" بزعامة مقتدى الصدر، وكذلك لا يمكن فصل هذا الجدل عن موقف المرجعية الدينية العليا التي سبق أن عبّرت بوضوح عن رفضها تجديد ولاية المالكي، ولا سيما عام 2014 حين طالبت باختيار رئيس وزراء جديد، وعدم التجديد لمن أخفق.

غير أن تعقيد هذا الملف لا يتوقف عند الداخل العراقي وحده بل يتصل مباشرة بالتحولات العميقة التي تشهدها المنطقة، فالدور الإيراني لم يعد في ذروة تمدده السابق مع تصاعد الحديث عن أزمات داخلية عميقة واحتمالات إضعاف قد تنعكس بصورة مباشرة على نفوذ إيران الإقليمي، ولا سيما في العراق.

أزمات داخلية وضغوط خارجية

بدا الشارع العراقي منقسماً بين صدمة واستغراب حقيقيين إزاء فكرة إعادة ترشيح المالكي خلال هذه المرحلة، وبين من يرى أن ما يجري لا يعدو كونه مناورة سياسية من قبل "الإطار التنسيقي"، تقوم على دفع الاسم الأكثر جدلية إلى الواجهة تمهيداً لتمرير أي مرشح آخر لاحقاً، بوصفه الخيار الأقل كلفة على الصعيد الدولي أو الإقليمي، وضمن هذه الأجواء كشفت مصادر رفيعة من داخل الإطار التنسيقي لـ "اندبندنت عربية" عن تفاصيل دقيقة تتعلق بملف ترشيح نوري المالكي، مؤكدة أن الأزمة لم تبدأ بقرار دعم مباشر لترشيحه بقدر ما جاءت نتيجة فشل التفاهم بين القوتين الأكبر داخل الإطار، وهما كتلة المالكي وكتلة رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني.

وبحسب المصادر فإن قيادة "الإطار التنسيقي" رأت منذ البداية أن الطرفين يمتلكان الثقل العددي والسياسي الأكبر، مما يفرض عليهما حسم ملف الترشيح بينهما قبل الذهاب إلى أية مفاوضات أوسع مع بقية الأطراف، إلا أن هذه المحاولات تعثرت، بحسب المصادر، خصوصاً مع تمسك المالكي بعدم القبول بتجديد ولاية السوداني، مما دفع الأخير، وفق ما نقلته المصادر، إلى اتخاذ خطوة تكتيكية بقوله "إذاً أنا أنسحب ولتترشح أنت".

 

وتوضح المصادر أن هذا الموقف لم يكن دعماً لترشيح المالكي بقدر ما كان تنازلاً موقتاً عن الترشيح مع إدراك السوداني المسبق أن تمرير المالكي سيصطدم بعوائق كبرى داخل الإطار نفسه، في ظل مرحلة إقليمية بالغة الحساسية وتعقيدات داخلية متراكمة.

"لا مشكلة مع واشنطن والفصائل معنا"

وفي خضم محاولات تحليل خطوة تنازل السوداني للمالكي قالت النائبة عن "ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يتزعمه السوداني، عالية نصيف، إن التنازل جاء من دون إملاءات، لافتة إلى التوصل لـ "مستوى عال من التنسيق البرلماني بين ائتلافي 'دولة القانون' و'الإعمار والتنمية'، مع تشكيل قاعدة نيابية من 81 نائباً لدعم عمل الحكومة"، واللافت في حديث النائبة نصيف هو إشارتها الصريحة إلى أن الائتلافين يعتبران نفسيهما "تياراً مدنياً، ومعهما فصائل تعمل ضمن العملية السياسية، ولا توجد مشكلة مع الجانب الأميركي الذي يتحفظ فقط على الفصائل الخارجة عن العمل السياسي".

في مقابل ذلك كان النائب عن ائتلاف "التنمية والإعمار" منصور البعيجي قد أكد أن السوداني "تنازل لمصلحة المالكي ليكون المرشح الأبرز لرئاسة الحكومة المقبلة، وذلك على خلفية الاعتراضات التي واجهها السوداني داخل الإطار التنسيقي"، متابعاً أن "الإطار" كان قد حسم موقفه منذ أكثر من شهر بـ "ترشيح المالكي والسوداني"، ولافتاً إلى أنه في حال عدم تمرير المالكي فالسوداني هو الأجدر بتسلّم المنصب.

وفي السياق تداولت منصات عراقية عدة ما نقله النائب السابق والمقرب من مكتب المرجعية، عبدالهادي الحكيم، كرد من مرجعية النجف على رسالة قادة "الإطار التنسيقي"، مبيناً أن رد محمد رضا السيستاني "على مضمون ما أحببتم الاستفسار عنه من المرجعية العليا خلال اجتماعكم اليوم، فأجابني برسالته التالية التي في ما يلي نصها: سبق أن أوضحت المرجعية الدينية العليا أنها ترفض أن تطرح عليها أسماء المرشحين لموقع رئاسة مجلس الوزراء، فلماذا إعادة المحاولة؟".

وعلى رغم ذلك خلا البيان الرسمي لقادة "الإطار" بعد اجتماعهم أول من أمس من أية إشارة لاتفاق حول مرشحي منصب رئيس الوزراء المقبل، وقال "الإطار التنسيقي" في بيانه إن "الاجتماع شهد أجواء إيجابية ونقاشات مسؤولة أسفرت عن تطورات مهمة ومؤشرات متقدمة، وبما ينسجم مع متطلبات الاستقرار السياسي والمصلحة العليا للبلاد".

عقدة المرجعية وخشية تفجير الشارع

وبعد هذا التطور اشترطت أطراف مؤثرة داخل "الإطار التنسيقي" ضرورة حصول ترشيح المالكي على قبول المرجعية الدينية العليا، وهو شرط تصفه المصادر بأنه شبه مستحيل، في ظل قناعة واسعة داخل "الإطار" بأن المرجعية لن تمنح هذا الغطاء.

وفي موازاة ذلك يتحدث المصدر عن تصاعد اعتراضات من قيادات بارزة ومن بينها قيس الخزعلي وعمار الحكيم، والتي عبّرت عن "خشيتها من أن يؤدي ترشيح المالكي إلى استفزاز زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر" الذي يمتلك تاريخاً طويلاً من العداء السياسي مع المالكي.

وترى الأطراف أن "استفزاز الصدر في هذا التوقيت قد يدفعه إلى إعادة تحريك الشارع، ليس من بوابة العملية السياسية بل عبر الاحتجاج، بما قد يفتح الباب أمام أزمة أوسع وأشد تعقيداً من الأزمات القائمة حالياً".

رفض خارجي وحسابات ما قبل "سافايا"

أما على المستوى الخارجي فتدرك أطراف "الإطار التنسيقي" أن ترشيح المالكي لن يحظى بقبول دولي أو إقليمي يُذكر، فباستثناء طهران لا يبدو أن أي طرف فاعل مستعد لدعم هذا الخيار، بل إن الترشيح قد يواجه رفضاً أميركياً واضحاً، إذ يسعى "الإطار" إلى حسم ملف رئاسة الوزراء قبل وصول المبعوث الأميركي مارك سافايا، في محاولة لتقليص تأثيره المحتمل في مشاورات تشكيل الحكومة.

وتشير المصادر إلى أن حسابات السوداني تقوم على أن "فشل تمرير المالكي سيعيد الكرة مجدداً لملعبه، باعتباره أحد طرفي التفاهم الأصلي الذي لم يُكتب له النجاح، وهو ما يفتح الباب أمام إعادة ترشيحه لولاية ثانية"، ويقول رئيس المركز العراقي - الأسترالي للدراسات أحمد الياسري إن ترشيح نوري المالكي لا يمكن قراءته بمعزل عن مجموعة من السيناريوهات السياسية المعقدة، مشيراً إلى أن هذا الترشيح يندرج ضمن أكثر من مسار محتمل لكل منها تداعياته الداخلية والخارجية.

 

وبحسب الياسري فإن السيناريو الأول يتمثل في أن يكون "الإطار التنسيقي" قد تعمد ترشيح المالكي في محاولة لاستفزاز الولايات المتحدة وإرسال رسالة سياسية مفادها أن "قوى الإطار غير معنية بإرادة دونالد ترمب أو بتوجهات واشنطن في رسم شكل الحكومة العراقية المقبلة"، خصوصاً مع الحديث عن تصاعد مؤشرات الاستنفار العسكري والسياسي الأميركي في المنطقة.

"مادورو عراقي"

ويرى الياسري أن هذا السيناريو "قد تكون عواقبه وخيمة"، إذ قد يدفع باتجاه مواجهة مفتوحة، بخاصة أنه يُنظر إلى المالكي "كأحد أبرز الوجوه القريبة من إيران في الداخل العراقي، فضلاً عن ارتباط اسمه بملفات طائفية وقضايا فساد وسجل طويل من التوتر مع الولايات المتحدة، إضافة إلى اتهامات بدعم جماعات مسلحة"، مبيناً أن هذا الأمر ربما يحفّز على إعادة تكرار "سيناريو مادورو عراقي".

ويوضح المتحدث ذاته أن "السيناريو الثاني يفترض أن ترشيح المالكي ليس ترشيحاً حقيقياً بقدر ما هو مناورة سياسية لكسب الوقت وحرق الأسماء الثقيلة، ووفق هذا المسار فإن 'الإطار التنسيقي' قد يكون دفع بالمالكي إلى الواجهة ليصطدم برفضين داخلي واسع ودولي متوقع، مما يؤدي لاحقاً إلى إعادة خلط الأوراق وفتح الطريق مجدداً أمام محمد شياع السوداني أو أي مرشح آخر باعتباره خياراً أقل استفزازاً للداخل والخارج".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار رئيس المركز العراقي- الأسترالي إلى أن من بين المسارات مسار ثالث يقوم على احتمال أن يكون المالكي "قد فتح قنوات تواصل باكرة مع الأميركيين، ويستند هذا الطرح إلى الطبيعة البراغماتية لـ 'حزب الدعوة' الذي يملك تاريخاً في التكيف مع المتغيرات الإقليمية والدولية وتبديل خطابه السياسي عند الحاجة"، متابعاً أنه "قد يكون المالكي قدّم نفسه لواشنطن بوصفه قادراً على حسم ملف السلاح المنفلت عبر الصدام المباشر، مستنداً إلى تجربته السابقة في صولة الفرسان عام 2008"، ومبيناً أن هذا الطرح يبدو مغايراً لـ "نهج الاحتواء الذي اعتمده كل من رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي والسوداني إزاء سلاح الميليشيات".

غير أن هذا السيناريو، بحسب الياسري، يصطدم بعقبات كبيرة أبرزها "تعقيد المشهد الإيراني الحالي وتراجع قدرة طهران على فرض تسويات مريحة، فضلاً عن الرفض الشعبي والسياسي الواسع داخل العراق"، ليختم بالقول إن الرفض المحتمل لترشيح المالكي سيتخذ مستويين، خارجي يرتبط بـ "التحولات الإقليمية والضغط الأميركي"، وداخلي يُرجح أن يدفع هذا الترشيح قوى مثل "التيار الصدري" والجماعات المدنية وأطرافاً سنيّة واسعة إلى "رفضه وربما النزول إلى الشارع، استناداً إلى تجربة تاريخية طويلة ومشحونة مع المالكي".

صراع على مفاتيح اللعب

في المقابل يرى الكاتب والصحافي مصطفى ناصر أن "السوداني يعتقد أنه سياسي بارع وماكر وقادر على تصدير المالكي كواجهة لـ 'الإطار التنسيقي' إلى المشهد، بوصفه الشخصية التي ستُقدّم إلى الولايات المتحدة على أنه رجل إيران في العراق، وغير القادر على تحقيق مشروعية ترشحه في انتخابات مليئة بالمشكلات والشكوك"، موضحاً أن "السوداني حصر الترشح بينه وبين المالكي ثم قدم منافسه بديلاً عنه، اعتقاداً منه أن هذا الخيار سيعيد الكرة لاحقاً لملعبه، غير أن المالكي أذكى سياسياً من السوداني ويمتلك خبرة أوسع وأعمق، فقبل الترشح ليبيع السوداني الوقت ويتلقى رجع صدى اسمه داخل 'الإطار التنسيقي' الشيعي الذي يمتلك نحو 180 مقعداً".

وبحسب ناصر فإن المالكي "أصبح اليوم أعلى كعباً من السوداني في مسألة ترشيح الشخصية المناسبة للظرف والتي يمكن أن تحظى بقبول واشنطن، ليعود عراباً وصانعاً للملوك، فيما ينهار تحالف السوداني ويُنسى دوره سياسياً".

وشدد ناصر على أن "المالكي لن يكون رئيساً للوزراء وكل ما يريده هو أن يكون صانع الملوك وراعي العملية السياسية، بينما كل ما يريده السوداني هو الحصول على ولاية ثانية ثم العودة من حيث أتى".

وتتقاطع هذه القراءة مع معطيات الكواليس التي تشير إلى أن معركة الترشيح لم تعد تدور حول اسم رئيس الوزراء المقبل بقدر ما أصبحت صراعاً على من يمتلك مفاتيح اللعبة السياسية ضمن مرحلة إقليمية شديدة الاضطراب، ففي وقت يحاول السوداني توظيف الاسم الأكثر جدلية لإعادة تموضعه، نجح المالكي في استثمار اللحظة للعودة لاعباً مركزياً لا مرشحاً بالضرورة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير