ملخص
أفاد شهود أن الأوضاع الإنسانية في بلدتي ملكن والسلك أصبحت بالغة القسوة، وأن مظاهر الحياة توقفت تماماً، حيث اضطرت غالبية الأسر إلى الفرار من منازلها بشكل عاجل من دون التمكن من حمل ممتلكاتها، باستثناء بعض الاحتياجات الضرورية، في محاولة للنجاة بأرواحها.
بعد فترة جمود استمرت قرابة العام، عادت جبهة القتال بمحور النيل الأزرق للاشتعال من جديد بين الجيش السوداني وحلفائه من الحركات المسلحة والمقاومة الشعبية من جهة، وقوات "الدعم السريع" وحليفتها "الحركة الشعبية - شمال" من جهة أخرى، حيث اندلعت أمس الأحد، معارك عنيفة بين الطرفين في بلدتي ملكن والسلك في محلية باو بإقليم النيل الأزرق المجاور لدولتي جنوب السودان وإثيوبيا.
وبحسب مصادر عسكرية، فإن اشتباكات ضارية دارت بين القوتين استمرت ساعات عدة، حيث قادت قوات "الدعم السريع" تساندها قوات "الحركة الشعبية - شمال" هجوماً شرساً على الارتكازات المتقدمة للجيش في بلدتي ملكن والسلك، استخدم الطرفان خلالها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة، فضلاً عن الطيران المسير.
وبينما أكدت مصادر عسكرية أن الجيش تعامل مع هذا الهجوم بروح قتالية ويقظة تامة وتمكن من صد القوات المهاجمة، أجبرها على التراجع والانسحاب إلى مناطق متاخمة للحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان، بعد تكبدها خسائر كبيرة في العتاد والأرواح.
ذكرت قوات "الدعم السريع" في نشرة صحافية أنها سيطرت على عدد من المناطق الاستراتيجية بمحور النيل الأزرق هي: السلك وأحمر سيدك وملكن، وتمكنت من تأمينها بالكامل من قبضة الجيش، وذلك بعد عمليات دقيقة ومنسقة أسفرت عن دحر تلك القوات وفرار ما تبقى منها وقطع خطوط إمدادها بشكل كامل.
وبثت منصات تابعة لقوات "الدعم السريع" مقاطع فيديو تظهر سيطرتها على المناطق الثلاثة بالنيل الأزرق، فضلاً عن استعراضها عتاداً عسكرياً قالت إنها استولت عليه من قوات الجيش خلال المعركة.
ذعر ونزوح
وفقاً لشهود، فإن الهجوم الذي شنته "الدعم السريع" على البلدتين سبب حالة من الذعر والخوف وسط المواطنين، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين عاشوا ساعات عصيبة مع تصاعد وتيرة العنف وسط أصوات القصف والاشتباكات المفاجئة.
وأفاد الشهود بأن الأوضاع الإنسانية في بلدتي ملكن والسلك أصبحت بالغة القسوة، وأن مظاهر الحياة توقفت تماماً، حيث اضطرت غالبية الأسر إلى الفرار من منازلها بشكل عاجل من دون التمكن من حمل ممتلكاتها، باستثناء بعض الاحتياجات الضرورية، في محاولة للنجاة بأرواحها.
ونزحت أعداد كبيرة من المواطنين إلى مناطق متفرقة بالإقليم، فيما لجأ آخرون إلى الغابات والقرى المجاورة هرباً من القتال.
وأكد الشهود وجود نقص حاد في الغذاء ومياه الشرب، وانعدام شبه كامل للخدمات الصحية، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المراكز العلاجية بسبب استمرار حالة انعدام الأمن.
هجوم متوقع
بحسب مراقبين عسكريين، فإن الهجوم على ملكن والسلك كان متوقعاً حدوثه منذ نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي، في ضوء التحركات العسكرية التي تقوم بها قوات "الدعم السريع" على الأرض، من خلال حشدها آلاف العناصر في هذه الجبهة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأشار هؤلاء المراقبون إلى أن الصراع في محور النيل الأزرق لن يقتصر على المواجهات البرية، بل سيمتد إلى حرب المسيرات، خصوصاً أن هذه الجبهة تمثل نقطة تقاطع حدودية بين السودان وإثيوبيا وجنوب السودان.
وكان الجيش استبق هذه الأحداث بنقل تعزيزات من منطقة خشم القربة العسكرية بشرق السودان، في ديسمبر الماضي، إلى مقر الفرقة الرابعة مشاة بمدينة الدمازين، حيث أعلن قائد الفرقة الرابعة حينها نشر القوات في جبهات القتال تحسباً لأي سيناريوهات محتملة.
وفي أبريل (نيسان) الماضي، تمكن الجيش من السيطرة على مناطق ملكن والسلك ودحر قوات "الدعم السريع" التي سيطرت على هذه المواقع بعد هزيمتها في ولاية سنار المتاخمة للإقليم في نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.
وتعد محلية باو من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية بالنظر إلى موقعها الجغرافي، حيث تقع بين الدمازين شمالاً والكرمك جنوباً، وتحدها دولة جنوب السودان من الغرب. وأنها عبارة عن سلسلة جبال وتلال غنية بالغطاء النباتي والمراعي، وتعد واحدة من سبع محافظات في إقليم النيل الأزرق، ومركزاً مهماً لقبائل الأنقسنا، والبرتا، والهمج وغيرها.
إنهاء التمرد
سياسياً، أكد القائد العام للجيش السوداني عبدالفتاح البرهان رفضه لأي وقف لإطلاق النار في بلاده لا يستند إلى شروط جوهرية تعالج جذور الصراع.
وأكد البرهان في مقال نشرته مجلة "ألماناك دبلوماتيك" التركية أن أي تسوية تسمح بوجود قوى مسلحة خارج إطار الدولة تمثل تهديداً مباشراً لوحدة البلاد وسيادتها، موضحاً أن السودان يواجه اختباراً يمس سيادة الدولة، وأن الأزمة الراهنة لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد مواجهة بين تشكيلين مسلحين.
وأشار إلى أن الدعوات الإقليمية والدولية لوقف إطلاق النار، بما في ذلك الجهود التي قادتها الآلية الرباعية والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد)، لن تكون مجدية ما لم تفضِ إلى إنهاء السيادة الموازية ونزع سلاح القوات المتمردة.
ونوه إلى أن أي هدنة لا تتضمن انسحاب القوات المتمردة من المناطق التي سيطرت عليها وتجريدها من السلاح الثقيل والمتوسط، لن تكون سوى تجميد مؤقت للصراع، وليس حلاً دائماً له، معتبراً أن التجارب السابقة أثبتت أن وقف النار من دون ترتيبات أمنية صارمة يمنح هذه القوات فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.
وأوضح البرهان أن الشروط التي تطرحها القيادة العسكرية لوقف إطلاق النار تشمل الانسحاب من الأعيان المدنية، وإخراج الأسلحة الثقيلة والمتوسطة من المدن، وإنهاء أي مركز قوة عسكرية يعمل خارج منظومة القيادة الرسمية للدولة، مضيفاً أن هدف القوات المسلحة لا يتمثل في إدارة الأزمة، بل في إعادة السودان إلى مسار دولة المؤسسات.
وبين قائد الجيش السوداني أن المرحلة المقبلة، وفق رؤية القيادة العسكرية، تقوم على بناء جيش وطني واحد، مهني وقومي، يبتعد عن العمل السياسي، إلى جانب استكمال مسار التحول الديمقراطي وصولاً إلى انتخابات حرة، بعد فرض سيادة القانون وإنهاء التمرد بشكل كامل.
أول اجتماع للوزراء في الخرطوم
إلى ذلك، عقد مجلس الوزراء السوداني، أمس الأحد، اجتماعه الأول الخاص عقب عودة الحكومة الاتحادية من بورتسودان إلى الخرطوم.
وقال وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر، في تصريحات صحافية، إن مجلس الوزراء أنهى اجتماعه الأول بالخرطوم كتدشين عملي لعودة الجهاز التنفيذي لمزاولة نشاطه من العاصمة.
وأضاف الإعيسر، أن كافة الوزارات الاتحادية قد عادت إلى الخرطوم، مع الإبقاء على مكاتب تنسيق صغيرة في بورتسودان لبعض الوزارات، لا سيما الخارجية والمالية.
وأفاد بأن الاجتماع الذي ترأسه رئيس الوزراء كامل إدريس ناقش ضرورة مراجعة الجبايات، وقضايا مكافحة المخدرات والتهريب، فضلاً عن استعراض رؤية رئيس الوزراء للمشروعات القومية الكبرى، ومناقشة ملف الهوية الرقمية الوطنية.
وكانت الحكومة السودانية والمؤسسات الاتحادية اتخذت من بورتسودان، شرقي البلاد، عاصمة موقتة لنحو 30 شهراً منذ اندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023.