ملخص
بنت الفصائل العراقية قوتها لأعوام على فرضية وجود إيران قوية قادرة على الحماية، لكن هذه المعادلة تغيرت، وهم يقرأون المشهد جيداً ويعرفون أن ميزان القوة لم يعد في مصلحتهم، ويرى مراقبون أن الفصائل انتقلت من خطاب الردع الإقليمي إلى حسابات البقاء داخل النظام، تحت ضغط أميركي بلغ حد اللاتفاوض.
بعد إعلان عدد من الفصائل المسلحة الموالية لإيران في العراق استعدادها القبول بحصر السلاح بيد الدولة، لم يعد السؤال محصوراً في ما إذا كان هذا التحول حقيقياً أم شكلياً، بل بات يتعلق بما إذا كانت البلاد أمام نهاية مرحلة نفوذ الميليشيات وإنهاء حال ازدواجية السلطة، أم أنها ربما تمثل مرحلة أولى في مسار طويل تقوده واشنطن لإعادة صياغة شكل النظام السياسي الذي أُسس عام 2003.
ولا يمكن التعاطي مع ما يجري في العراق خلال الأسابيع والأشهر الأخيرة بوصفه تطوراً سياسياً عادياً أو مراجعة بطيئة في المواقف، بل يبدو أقرب إلى تحول دراماتيكي وسريع في واحد من أعقد الملفات التي حكمت المشهد العراقي منذ عقدين، فبعد أعوام طويلة اعتُبرت فيها الفصائل المسلحة عصية على التفكيك، وعبرت عن رفضها بصورة قاطعة أي حديث عن نزع السلاح أو حصره بيد الدولة، بدأت اليوم فصائل رئيسة تمتلك ثقلاً برلمانياً ونفوذاً سياسياً واسعاً بالتراجع عن لهجتها السابقة، وتبدي استعداداً غير مسبوق للقبول بحصر السلاح، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي بلغ ذروته منذ أكثر من عام تقريباً.
حد فاصل
وبحسب مصادر سياسية مطلعة فإن التحول في مواقف قادة الميليشيات يعود لضغوط أميركية متراكمة بلغت ذروتها خلال الشهرين الأخيرين، وتحديداً بعد الانتخابات التشريعية التي شهدتها البلاد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وتقول مصادر سياسية رفيعة لـ "اندبندنت عربية" إن واشنطن انتقلت خلال الشهرين الأخيرين من سياسة التحذير وإدارة التوازن إلى لغة التهديد الصريح، لافتة إلى أنه خلال الفترة الماضية شهدت أجواء الميليشيات الموالية لإيران، وتحديداً ذات التمثيل السياسي، اجتماعات مكثفة للتوصل إلى حلول تجنبها أية ضربات عسكرية أو قرارات تبعدها من مشهد إدارة الدولة العراقية.
وتضيف المصادر أن ما عرقل التوصل إلى اتفاق نهائي بخصوص نزع سلاح الميليشيات كان يرتبط بالدرجة الأساس بمحاولة قادة تلك الفصائل "الحصول على تطمينات مباشرة من واشنطن في شأن عدم استهدافها في حال تخلت عن سلاحها"، لكن المصادر تشير إلى أن واشنطن لم تعط أية تطمينات، بل إن الرسائل الأميركية كانت كلها تدور في سياق أن نزع السلاح أمر "غير قابل للتفاوض"، مما دفع قادة الميليشيات داخل "الإطار التنسيقي" إلى التراجع ووضعها أمام معادلة ثنائية، إما التكيف مع الشروط الجديدة والبقاء داخل النظام، أو المخاطرة بالعزلة السياسية والعقوبات الاقتصادية وربما الاستهداف العسكري، بحسب المصدر.
تراجع تدريجي
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 بدت الفصائل المسلحة العراقية، ولا سيما الموالية لإيران، في ذروة تصلبها السياسي والعسكري، إذ كان خطابها السياسي ينطلق من مبدأ "وحدة الساحات" ويرفض أي نقاش في شأن السلاح أو حصره بيد الدولة، باعتباره جزءاً من معادلة ردع إقليمية أوسع، وخلال في تلك المرحلة وتحديداً قبل الانهيارات الكبيرة التي شهدها النفوذ الإيراني في المنطقة، كان قادة الفصائل يتحدثون بثقة عن موازين قوة مستقرة تستند إلى نفوذ إيراني واسع وقدرة على فرض واقع مختلف من غزة واليمن إلى العراق ولبنان وسوريا.
غير أن هذا الخطاب لم يدم طويلاً وتحديداً في الداخل العراقي حين بدأ يتآكل تدريجاً، ولعل أول حدث أدى إلى هذا التراجع من قبل الميليشيات العراقية كان الضربات الأميركية التي أعقبت الحرب نهاية عام 2023 واستهدفت قادة ميدانيين في حركة "النجباء"، مما أدى إلى تراجع مواقف الفصائل في العراق والاكتفاء بالبيانات وإيقاف أية عمليات تستهدف المصالح الأميركية، أو الدخول على خط الحرب في غزة ولبنان.
ولم يتوقف التحول في مواقف الميليشيات العراقية عند هذا الحد، إذ أدت الانكسارات المتتالية التي أصابت حلفاء طهران في لبنان وسوريا إلى تقليص هامش الحركة أمام الفصائل العراقية، ومع مرور الوقت تبين أن خطاب التصعيد لم يُترجم إلى فعل ميداني حقيقي، لا في غزة ولا في أي ساحة أخرى، وأن شعار "وحدة الساحات" تحول إلى عبئ سياسي أكثر من كونه ورقة قوة.
مراحل تحول خطاب الميليشيات
وفي هذا السياق يمكن تتبع التحول في خطاب ، زعيم ميليشيات "عصائب أهل الحق" قيس الخزعلي، بوصفه نموذجاً على التراجع من قادة الفصائل ذات التمثيل السياسي، إذ كان يمثل أحد أكثر الأصوات تصلباً خلال الأسابيع الأولى للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وكان يبدي رفضاً قاطعاً لأي حديث عن نزع السلاح، مؤكداً أن "سلاح المقاومة غير قابل للنقاش ما دامت التهديدات قائمة"، لكن المفارقة أنه مع تصاعد منسوب التهديدات والضغوط الأميركية وتراجع النفوذ الإيراني الإقليمي، تغير الخطاب من الرفض المطلق إلى إمكان القبول المشروط، ومن ثم التبني العلني لفكرة حصر السلاح بيد الدولة، وفي ذروة هذا التحول قال الخزعلي إن فصيله "جزء من الدولة ويؤمن بحصر السلاح بيدها".
ويبدو أن هذا التراجع لم يكن معزولاً عن التحولات الإقليمية، إذ شكلت حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل نقطة كسر إضافية أظهرت حدود قدرة طهران على حماية وكلائها في المنطقة، ووجهت رسائل واضحة مفادها أن معادلة الردع التي كانت قائمة لم تعد موجودة.
ومع عودة الرئيس دونالد ترمب للبيت الأبيض وتصاعد الرسائل التي تؤكد عدم القبول الأميركي بأية حكومة عراقية تضم جماعات مسلحة، وجد قادة الفصائل ذات التمثيل البرلماني أنفسهم أمام خيارين، إما التكيف والبقاء داخل النظام أو العزلة وربما الاستهداف، ويبدو أن كل تلك الظروف دفعت إلى هذا التحول الدراماتيكي في مواقف الفصائل الممثلة سياسياً التي بدأت تتحدث عن "دمج الميليشيات" و"إنهاء الوجود المسلح خارج سلطة الدولة"، مع بداية نقاشات تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، لتأتي تلك الخطوات لا بوصفها تنازلاً عقائدياً بل ثمناً ضرورياً للحفاظ على النفوذ السياسي والاقتصادي.
وفي المقابل حافظت الفصائل غير الممثلة سياسياً على موقفها المتشدد، فأكدت "كتائب حزب الله" أن "السلاح باق ما دام الاحتلال قائماً"، في حين شددت حركة "النجباء" على أن "الدعوة لنزع السلاح هي خضوع للهيمنة الأميركية"، رافضة أي تماه مع الضغوط الدولية.
بداية لعبة مزدوجة
وعلى رغم تباين المواقف بين الفصائل ذات التمثيل السياسي والأخرى التي لا تحظى سوى بتمثيل ضعيف، يرى مراقبون أن ما يجري يمثل شكلاً من أشكال اللعبة المزدوجة ويشبه إلى حد ما ما تقوم به طهران من تقديم الإصلاحيين في مقابل تيارات "الحرس الثوري" الأكثر تشدداً، في محاولة لامتصاص الضغوط الأميركية والإبقاء على السلاح من خلال الفصائل خارج السلطة، وربما دفعها إلى الانكفاء أو الابتعاد من المشهد كما حصل بعد عام 2008 عندما تراجعت الميليشيات لأعوام، لكنها عادت للظهور عام 2013 قبيل سيطرة تنظيم "داعش" على مساحات واسعة من البلاد.
وفي هذا السياق يلفت رئيس منطقة الشرق الأوسط في مؤسسة "غالوب الدولية" منقذ داغر إلى أن "ما يجري اليوم لم يكن مفاجئاً ولا يمكن وصفه بالتحول البنيوي الكامل، لكنه أيضاً أبعد من مجرد مناورة تكتيكية"، مضيفاً أن "هذا التحول كان متوقعاً منذ فترة لكنه تسارع بعد السابع من أكتوبر 2023 ثم حرب الـ 12 يوماً بين إيران وإسرائيل".
ويقول داغر إن "هذه الفصائل بنت قوتها لأعوام على فرضية وجود إيران قوية قادرة على الحماية وفرض النفوذ الإقليمي، لكن هذه المعادلة تغيرت جذرياً وهم يقرأون المشهد جيداً ويعرفون أن ميزان القوة لم يعد في مصلحتهم"، متابعاً "نحن اليوم نعيش عصر الهيمنة الأميركية على المنطقة والعربدة الإسرائيلية"، مبيناً أن "هذا هو العامل الحاسم في إعادة تموضع الفصائل".
وبحسب داغر فإن "العامل الأمني لا يعد المحرك الوحيد لتلك التحولات"، لافتاً إلى أن "المصالح المالية باتت تلعب دوراً أكثر حسماً وربما أكثر تأثيراً من الخوف ذاته"، فتلك الجماعات كما يعبر داغر "باتت تمتلك شبكات مصالح مالية كبرى مرتبطة بالسلطة والوزارات ومفاصل الدولة، وهي غير مستعدة للتخلي عنها"، ولعل التحولات التي تحيط بالمشهد العراقي لا تقتصر على الفصائل بل تشمل أيضاً موقف الحكومة التي تخلت عن الخطاب القديم الذي كان يربط نزع السلاح بخروج القوات الأجنبية، بل بات مطلباً قائماً بذاته وثمناً للاستقرار وتحسن الاقتصاد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قدرة الحكومة على الحسم
ولا يعد هذا التحول في الخطاب كافياً لحصوله على أرض الواقع، ولا يعني قدرة حكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني على تحقيقه، خصوصاً أنها تعيش أيامها الأخيرة، وفي هذ السياق يرى رئيس "مركز التفكير السياسي" إحسان الشمري أن الحديث عن حسم ملف حصر السلاح في ظل الحكومة الحالية "غير واقعي سياسياً"، لأن هذه الحكومة منتهية الصلاحية عملياً وبيئتها السياسية الداعمة تتفكك وتتجه نحو تحالفات جديدة، مضيفاً أن "الفصائل المسلحة هي من أوصلت السوداني إلى السلطة"، ولا يمكن توقع أن تدخل الحكومة "في مواجهة مباشرة مع القوى التي شكلتها"، مبيناً أن هذا الملف سيكون "منوطاً بالحكومة المقبلة لا الحالية"، إذ يربط الشمري أي تحرك فعلي باتجاه حسم ملف الفصائل بـ "وجود ضمانات أميركية واضحة"، محذراً من أن غياب هذه الضمانات قد يحول المسار إلى لحظة مواجهة وارتدادات أمنية وسياسية يصعب احتواؤها.
أما على مستوى الفصائل فيرى الشمري أن "الانقسام وقع فعلياً بين الفصائل التي تمتلك أجنحة سياسية وأعلنت استعدادها حصر السلاح، وبين تلك التي ترفض هذا المسار"، إلا أنه يستبعد تحول هذا الانقسام إلى صدام مسلح في المرحلة الراهنة، مرجحاً أن ما سيحدث هو مرحلة "تبادل اتهامات سياسية وإعلامية لا مواجهة ميدانية"، لكن هذا المشهد قد يتغير "إذا وجهت ضربات مباشرة إلى قادة بعض الفصائل أو إذا عادت المواجهة المفتوحة بين إسرائيل وإيران، بما يعيد خلط الأوراق".
وفي ما يخص الحديث عن إعادة تشكيل النظام السياسي يميز الشمري بين رؤيتين متباينتين، الأولى أميركية تسعى إلى "إعادة هيكلة النظام الذي أُسس عام 2003 بهدف إنهاء تأثير الميليشيات وسيطرتها على مؤسسات الدولة، ومنع إعادة إنتاج التوازن القديم بين واشنطن وطهران"، أما الثانية فداخلية وتميل إلى "إدارة التراجع عبر تبادل الأدوار وإعادة توزيع النفوذ داخل الإطار التنسيقي والنظام السياسي لا تفكيكه بالكامل".
إعادة هيكلة النظام السياسي
وعلى رغم التطمينات التي تحاول الفصائل المسلحة تقديمها في ملف حصر السلاح بيد الدولة لكن مصادر أخرى تشير إلى أن هذا المسار قد لا يكون كافياً بالنسبة إلى واشنطن، فتلك الخطوات تهدف بالدرجة الأساس إلى تجنيب الفصائل ضربات عسكرية مباشرة، لكنها لا تعني بالضرورة قبولاً أميركياً باستمرار أدوارها السياسية المؤثرة داخل بنية السلطة العراقية بعد تسليم السلاح.
وتذهب هذه المقاربة إلى أبعد من مجرد تفكيك الميليشيات ونزع سلاحها لتشمل إعادة هيكلة أوسع للنظام السياسي بما يقلص نفوذ الجماعات القريبة من إيران داخل مؤسسات الدولة، لا على المستوى السياسي وحسب بل أيضاً في المفاصل الأمنية والقضائية.
وفي هذا السياق لفت مراقبون إلى أن مسار إعادة الهيكلة لن يتوقف عند حدود الميليشيات بل سيتعدى ذلك إلى كل دوائر السلطة في العراق، بما في ذلك السلطة القضائية التي تعرضت خلال الأعوام الماضية لانتقادات شديدة من واشنطن، وكان آخرها نشر عضو الكونغرس الأميركي جو ويلسون قبل أيام صورة لرئيس مجلس القضاء الأعلى بالعراق فائق زيدان، معتبراً أنه لم يكن ينبغي له الإشادة بدور الفصائل المسلحة في مسار نزع السلاح وحصره بيد الدولة.
وتشير تقديرات متداولة في دوائر داخل الإدارة الأميركية إلى أن فائق زيدان يُنظر إليه بوصفه أحد المحاور الرئيسة للنفوذ الإيراني في العراق، ويعزز هذا التقدير تصريحات سابقة لعضو لجنتَي القوات المسلحة والعلاقات الخارجية النائب الجمهوري مايك والتز، والذي تحدث في يوليو (تموز) 2024 عن تقديم تعديلات على مشروع قانون "المخصصات الخارجية" تُصنف مجلس القضاء الأعلى ورئيسه ضمن "الأدوات الخاضعة للنفوذ الإيراني"، واصفاً زيدان بأنه "في قلب مشروع إيراني لتحويل العراق إلى دولة تابعة"، وهو ما يعكس، بحسب المصادر، أن المرحلة المقبلة قد تكون بالغة الحساسية مع احتمالات مفتوحة لتطورات سياسية وأمنية واقتصادية، في إطار مسار لا يستهدف السلاح وحده بل يسعى إلى إعادة ضبط توازنات السلطة بأكملها، وربما إعادة النظر في مواقع النفوذ داخل أعلى مؤسسات الدولة ومنها المؤسسة القضائية.