ملخص
أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل المباشر فقط، بل قدرتها على إعادة برمجة اللغة التي يفكر بها الناس ويتحدثون من خلالها.
لم تغير الحرب المشتعلة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 32 شهراً موازين القوة والخراب المادي فحسب، بل أعادت تشكيل اللغة بوصفها أحد أخطر ساحات الصراع غير المرئي. فقد تسللت مفردات العنف من البيانات العسكرية إلى الخطاب اليومي، وتحولت الكلمات إلى أدوات استقطاب وإقصاء، بينما تصاعد خطاب الكراهية والعنصرية تحت ضغط الخوف والانقسام.
ومع هيمنة وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي في المجتمع تسارعت خطوات إعادة إنتاج هذا الخطاب وتطبيعه، مما ترك أثراً عميقاً على الوعي الجمعي وصورة الآخر، إذ لم تعد الحرب تُروى بوصفها حدثاً عابراً، بل تسللت إلى اللغة ذاتها.
جدار جديد
يقول الباحث في اللغة والهوية جمال نصر الدين إن "أخطر ما تفعله الحروب ليس القتل المباشر فقط، بل قدرتها على إعادة برمجة اللغة التي يفكر بها الناس ويتحدثون من خلالها". وأضاف أن "المشهد السوداني يكشف بوضوح كيف خرجت المفردات العسكرية من نطاق البيانات الرسمية وغرف العمليات لتستقر في الخطاب اليومي، بل وفي اللغة العاطفية للأفراد، فكلمات مثل التمشيط والارتكاز والحسم لم تعد توصيفات تقنية، وإنما تحولت إلى أدوات تفسير للواقع وتبرير له".
وواصل حديثه، "هذا التحول اللغوي لا يحدث بمعزل عن العنف، بل يعمل على تطبيعه، إذ تُستخدم المفردات القاسية بطريقة اعتيادية، مما يخفف من وقعها النفسي ويجعل القتل والتهجير جزءاً من سردية يومية مألوفة. والمشكلة الأعمق تكمن في أن اللغة حين تفرغ من بعدها الإنساني، تصبح وسيلة لنزع الإنسانية عن الآخر، لا سيما حين تُربط مفردات الحرب بهويات اجتماعية أو جغرافية بعينها".
وبيّن الباحث في اللغة والهوية أن "هذا التغير يترك أثراً طويل المدى على الذاكرة الجماعية، إذ تنشأ أجيال تتعامل مع العنف بوصفه لغة طبيعية، لا استثناءً طارئاً واستعادة خطاب أكثر توازناً لا تبدأ من وقف الحرب وحده، بل من تفكيك هذه اللغة، وإعادة مساءلة الكلمات التي نستخدمها يومياً، قبل أن تتحول إلى جدار جديد يفصل بين السودانيين ويعيد إنتاج الصراع بصور مختلفة".
انقسام واقصاء
مع احتدام الصراع لم تعد اللغة مجرد وسيلة تعبير، بل تحولت إلى أداة تصنيف وإقصاء، وهنا أوضح الباحث في الخطاب الإعلامي عبدالله المهندس أن "الحرب في السودان أسهمت في تفكيك الحدود الفاصلة بين الوصف والتحريض، فاللغة التي تستخدم اليوم في الفضاء العام لم تعد محايدة، بل محملة بدلالات عنف صريح أو ضمني. وأخطر ملامح هذا التحول يتمثل في الانتقال من توصيف الأفعال إلى وصم الجماعات، إذ جرى تعميم مفردات مثل “الخونة” و“العملاء” و“الدعامي” و“الفلولي” لتصبح علامات هوية، لا أوصافاً سياسية موقتة".
وقال المهندس إن "خطاب الكراهية يعمل وفق آلية تبسيط حاد تختزل المجتمع في ثنائيات صلبة: نحن أو هم، ضحية أو جلاد، وطني أو خائن، وهو ما يلغي أي مساحة للرمادي أو للاختلاف المشروع". واستطرد، "هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بعكس حال الانقسام، بل يعمقها، لأنه يخلق سرديات جاهزة تغني عن التفكير النقدي، وتمنح المتلقي شعوراً زائفاً باليقين والانتماء في لحظة خوف جماعي".
ولفت إلى أن "خطورة هذه اللغة تتضاعف حين تتقاطع مع الانتماءات العرقية والجهوية، إذ تتحول الكراهية من موقف سياسي إلى بنية ثقافية كامنة، يعاد إنتاجها عبر النكات، والتعليقات، وحتى الخطاب اليومي العابر". وزاد "هذا الانزلاق يهدد النسيج الاجتماعي على المدى الطويل، لأنه يرسخ ذاكرة لغوية مثقلة بالإقصاء، تجعل أي حديث لاحق عن المصالحة محفوفًا بالشك وعدم الثقة".
ومضى الباحث في الخطاب الاعلامي في القول، "استمرار تداول خطاب الكراهية من دون مساءلة إعلامية أو أخلاقية يضع المجتمع أمام خطر إعادة إنتاج الحرب بصورة رمزية حتى بعد توقف السلاح، وفي تقديري أن تفكيك هذا الخطاب لا يبدأ بالقوانين وحدها، بل بإعادة الاعتبار للغة بوصفها مسؤولية جماعية، والاعتراف بأن الكلمات، في سياق الحرب، قد تكون أكثر فتكاً من الرصاص".
ضبط الخطاب
وفي المقابل يرى الباحث في علم الاجتماع الثقافي الزبير محمد أن "تحميل اللغة وحدها مسؤولية تصاعد العنف وخطاب الكراهية قد يغفل السياق الأوسع للحرب. فالتحولات اللغوية ليست سبباً بقدر ما هي نتيجة مباشرة لانهيار الدولة وتفكك المنظومة الأخلاقية والمؤسسية، ومعلوم أن المجتمعات في لحظات الصراع تميل تاريخياً إلى تبسيط خطابها".
ونبه محمد إلى أن "استخدام مفردات حادة أو تصنيفية لا يعني بالضرورة تبنياً واعياً لخطاب الكراهية، بل يعكس في كثير من الأحيان محاولة الأفراد لإيجاد معنى في واقع فوضوي وغير قابل للفهم". وأردف، "الخطر الحقيقي لا يكمن في اللغة المتداولة بحد ذاتها، وإنما في غياب مؤسسات قادرة على إعادة ضبط الخطاب العام واحتوائه".
وأكد الباحث في علم الاجتماع الثقافي أن "الرهان على تنقية اللغة بمعزل عن معالجة جذور الصراع السياسية والاقتصادية قد يكون رهاناً رمزياً أكثر منه عملياً لأن الخطاب لن يستعيد توازنه إلا مع استعادة الأمان، وعودة المجال العام، ووجود إعلام مهني قادر على الفصل بين التعبير عن الغضب المشروع والتحريض المنهجي. ومهما بلغت حدتها، تبقى انعكاساً لما يعيشه المجتمع، لا محركاً وحيداً لمساره".
منصة مزدوجة
مع توسع استخدام المنصات الرقمية تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة محورية لإعادة إنتاج خطاب الحرب وتضخيمه. وبحسب الباحث في الإعلام الرقمي أمجد مصطفى فإن "وسائل التواصل الاجتماعي في السودان أصبحت منصة مزدوجة، تجمع بين التعبير اليومي للمواطنين وبين أدوات التحريض الممنهجة، والمحتوى القصير الميمز، فالفيديوهات المبتسرة تعمل على تبسيط الصراع وتحويله إلى سرديات قطبية، في حين تعمل الخوارزميات الرقمية على تضخيم المحتوى الأكثر تشويقاً أو استفزازاً ما يسرع انتشار الخطاب العنيف ويجعله يبدو وكأنه رأي عام".
واستطرد مصطفى "هذا الانتشار لا يقتصر على التحريض المباشر، بل يشمل إعادة تشكيل اللغة نفسها، إذ تُختزل المفردات المعقدة للعنف والتاريخ في وسوم ونكات وأيقونات بصرية، مما يسهل استيعابها من جميع شرائح المجتمع ويطبعها في الذاكرة الجماعية. هذا التأثير يتجاوز الإعلام التقليدي لأنه يدخل في تربية الشباب على مفاهيم محددة عن الآخر ويخلق بيئة يصعب فيها فصل الواقع عن الخطاب الرقمي".
وأشار الباحث في الاعلام الرقمي إلى أن "التحدي الأكبر يكمن في عدم قدرة المجتمع المدني والمؤسسات الإعلامية على مقاومة هذه اللغة الرقمية، فحتى وسائل الإعلام المهنية تتأثر بسرعة المحتوى المتداول على المنصات، مما يجعل من الصعب الحفاظ على خطاب متوازن أو تقديم سرديات تصالحية. وأي محاولة لإعادة إنتاج لغة سلمية تتطلب تدخلا متعدد المستويات، وتثقيف رقمي، وسياسات محتوى، ومساءلة خوارزميات، لأنه من دون هذا التدخل، ستستمر وسائل التواصل الاجتماعي في كونها مضاعفاً للخطاب العدائي بدلاً من كونه منصة للتفاهم".
أدوات تعظيم
من جانبها ترى المتخصصة في الإعلام الرقمي سارى فاضلابي أن "تحميل وسائل التواصل الاجتماعي وحدها مسؤولية تفشي خطاب العنف والكراهية في السودان قد يكون مبسطاً للغاية لأن المنصات الرقمية هي مجرد وسيلة لعكس الأحداث والمشاهد التي تدور في المجتمع قبل أن تخلق الانقسامات المجتمعية، إذ إن المستخدمين أنفسهم هم من يختارون نشر المحتوى الأكثر جذباً أو إثارة، مما يجعل المنصات أدوات تعظيم وليست سبباً مباشراً للصراع. فكثير من المشاركات الرقمية لا تعكس تبنياً واعياً للكراهية، بل محاولات فردية للتعبير عن الخوف، والغضب، أو فقدان السيطرة على الواقع".
وزادت، "على رغم التأثير الكبير لخوارزميات المنصات، ليست فاعلة بمعزل عن طبيعة الاستخدام، فالمجتمعات في أوقات النزاع تميل تاريخياً إلى تعزيز الرسائل القطبية أو المثيرة، سواء عبر الإعلام التقليدي أو الرقمي. والتركيز على المنصات وحدها قد يلهي عن ضرورة معالجة جذور الانقسام الاجتماعي والسياسي، فهي أدوات تنعكس عليها النزاعات أكثر مما تنتجها".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ونوهت المتخصصة في الإعلام الرقمي إلى أن "إعادة إنتاج خطاب متوازن على وسائل التواصل الاجتماعي ممكن، لكنه يتطلب وعياً جماعياً وتعليماً رقمياً وإشرافاً إعلامياً مهنياً، فالمنصة ليست العدو، بل انعكاس لتفاعلات المجتمع".
مستقبل الخطاب
بعدما أعادت الحرب تشكيل اللغة، يبقى السؤال الأكبر، كيف سيؤثر هذا التحول في المجتمع السوداني بعد انتهاء النزاع؟ يقول الباحث في الدراسات الاجتماعية الهادي خالد إن "اللغة ليست مجرد أداة تواصل، بل مؤشر إلى الحالة النفسية والاجتماعية للمجتمع، والتحولات التي شهدها الخطاب السوداني تعكس صدمة جماعية، وفي نظري أن مفردات الحرب والكراهية التي رافقت هذه الحرب لن تختفي تلقائيا، بل ستظل حاضرة في الذاكرة الجماعية، ومؤثرة على طريقة التعامل مع الآخر، والمصالحة، وبناء الهوية الوطنية بعد الحرب".
وتابع خالد، "إعادة تشكيل الخطاب لن يجري إلا عبر جهود متزامنة تشمل الإعلام والتعليم والنشاط المدني مع إدراك أن الكلمات تحمل في طياتها إمكانات التهدئة أو التصعيد، حسب سياق استخدامها".
وأشار الباحث في الدراسات الاجتماعية إلى أن "اللغة المستقبلية للمجتمع السوداني ستتحدد بمدى قدرة الأفراد على مراجعة مفرداتهم، واستعادة المصطلحات الأخلاقية، وتبني خطاب تعايشي، وأي محاولة لمصالحة حقيقية يجب أن تبدأ من تفكيك هذه اللغة وتحليلها بوعي، لأنها تشكل الجسر بين التجربة التاريخية وإمكانية التعافي الجماعي. والإعلام والفضاء الرقمي سيكونان أدوات حاسمة في إعادة صياغة الخطاب لأنهما يمتلكان القدرة على ترسيخ لغة التفاهم أو استمرار الانقسام، بما يجعل المستقبل اللغوي للمجتمع رهيناً بالتعامل مع هذه الأدوات".