Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تأثر السودانيون بصدمة مجازر الحرب؟

هناك ملايين الأسر باتت بلا مأوى وأمن وتعيش حال خوف دائمة

حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي يشير بيده لدى وصوله إلى أحد مخيمات النزوح في بلدة الدبة، شمال السودان، 26 نوفمبر (أ ف ب)

ملخص

قال الاختصاصي النفسي محمد عبدالسلام "الصدمة لا تبدأ عند لحظة الانفجار فقط، بل في اللحظات التالية مباشرة، حين يجد الإنسان نفسه واقفاً في وسط الدمار، عاجزاً عن فهم ما حدث، فكثيرون يصفون تلك اللحظة بقولهم إن الزمن يتوقف".

منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات "الدعم السريع" في الـ15 من أبريل (نيسان) عام 2023، دخل السودان في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. وبحسب تقديرات الأمم المتحدة ومنظمات دولية، فإن أكثر من 8.5 مليون شخص أجبروا على النزوح داخل البلاد، بينما فر نحو 3.9 مليون إلى دول مجاورة. في وقت أدى النزاع إلى مقتل آلاف المدنيين جراء القصف المدفعي والجوي، فضلاً عن الانتهاكات الوحشية المختلفة، ولم يقتصر الألم على الموت، فهناك ملايين الأسر باتت بلا مأوى وأمن، وتعيش حال خوف دائمة، مما يجعل الصدمة الجماعية مجرد بداية لمعاناة أعمق.

إجراء احترازي

خليفة عبدالله نجا من أحداث مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور عقب سقوطها في يد "الدعم السريع"، روى حالته النفسية قائلاً "منذ ذلك اليوم تغيرت طريقة حياتي بصورة كبيرة، فأصبحت أستيقظ بسهولة على أي صوت، وبات نومي متقطعاً، وفي الغالب لا يتجاوز بضع ساعات. قبل الخروج من المنزل أراجع الطريق المحتمل أن توجد فيه نقاط تفتيش، وكذلك الشوارع التي شهدت اشتباكات أخيراً، وحركة الناس في المنطقة"، وأضاف عبدالله "هذه الإجراءات أصبحت جزءاً من الروتين اليومي. أما داخل المنزل فهناك أيضاً إجراءات أقوم بها كتفقد النوافذ قبل النوم، وتجهيز حقيبة صغيرة تحتوي على الوثائق الأساسية وبعض الأغراض. والسبب بسيط هو احتمال الانتقال السريع إلى أي مكان أخر وبات هذا الاحتمال موجوداً دائماً"، وتابع "ظلت المشاهد والأصوات الموجعة التي حدثت في الفاشر تعيد نفسها ذهنياً، لكنها ليست على صورة مشاعر أو كوابيس، بل كاستدعاء تلقائي للحدث، فالدماغ يظل في حال يقظة، ولا يعود بسهولة للوضع السابق، كما أجد نفسي أتابع حركة الناس والطرق والمخارج وهذا ليس بدافع الخوف، بل كإجراء احترازي أصبح مرتبطاً بالحياة اليومية. هذا الأمر أثر في علاقاتي الاجتماعية التي تقلصت لأبعد حد، ولم يعد هناك مجال للأنس وتفقد الناس كما في السابق، فالالتقاء بالآخرين أصبح محدوداً وغير منتظم. النجاة من المجزرة لا تعني العودة للحياة السابقة، هي انتقال إلى نمط عيش يعتمد على التوقع والاستعداد وإدارة الأخطار".

ذاكرة مثقلة

أما سجود يحيى الناجية من مجزرة الجزيرة فقالت "بعد كل هجوم، يبقى الجزء الأصعب هو التعامل مع المشاهد التي تستقر في الذاكرة. فالصور لا تختفي، لكنها تتحول إلى معلومات ثابتة يسترجعها الدماغ بصورة متكررة، ففي البداية، كنت أعتقد أن الأمر موقت، لكن مع تكرار الاعتداءات أصبح من الواضح أن الذاكرة تعمل بطريقة مختلفة، إذ تسجل التفاصيل، ثم تعيد تشغيلها في كل موقف يشبه الظروف التي سبقت الهجمات"، وتابعت "أثناء التنقل داخل الحي، كنت أتفحص نقاط الانهيار في المباني، وأراقب آثار القصف القديم والجديد. وكانت هذه محاولة لتقدير مستوى الخطر في أية لحظة. فالدماغ يتعامل مع المكان كخريطة أعدها وفقاً لما شاهده سابقاً. في حين بات التواصل مع الآخرين محدوداً ليس بسبب الانعزال، بل لأن معظم الناس منشغلون في التعامل مع الضروريات اليومية، وتوفير الماء، والأمان، والبحث عن الغذاء، وإيجاد مسار آمن للتحرك، حتى النقاشات أصبحت قصيرة ومرتبطة بالوضع الميداني والبحث عن مناطق العبور، ومصادر الإمداد، وتغير حركة المجموعات المسلحة"، ولفتت يحيي إلى أنه "في الحياة اليومية، لا توجد خطط بعيدة المدى، فكل شيء يحسب على مستوى الساعات أو اليوم الواحد. حتى القرارات البسيطة، مثل الانتقال بين حي وآخر، تحتاج إلى مراجعة ومعرفة محدثة بما يجري على الأرض. على مستوى الشعور الشخصي، لا أصف نفسي بالخائفة أو القلقة، فالأمر أقرب إلى تنظيم مستمر للمعلومات ومحاولة الحفاظ على أقل قدر من الاستقرار، وبالتالي ما نعيشه لا يسمح بانفعالات كبيرة، بل يتطلب تركيزاً عملياً وإدارة دقيقة للخيارات المتاحة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجمد الجسد

في السياق، أوضح الاختصاصي النفسي محمد عبدالسلام أنه "من واقع عملي اليومي مع الناجين في أحد المخيمات، الصدمة لا تبدأ عند لحظة الانفجار فقط، بل في اللحظات التالية مباشرة، حين يجد الإنسان نفسه واقفاً في وسط الدمار، عاجزاً عن فهم ما حدث، فكثيرون يصفون تلك اللحظة بقولهم إن الزمن يتوقف"، وتابع عبدالسلام "قابلت أمهات قلن لي سمعنا الانفجار، لكن أجسادنا تجمدت ولم نستطع الصراخ ولا الحركة كأن وعينا انطفأ للحظات. ما يحدث في تلك اللحظة هو ما نسميه الذهول الصدمي، فهو رد فعل عصبي فطري يحدث عندما يكون الحدث أعنف من قدرة العقل على استيعابه، فيفصل الوعي نفسه لحماية الإنسان من الانهيار الكامل. في مناطق كثيرة عقب المجازر مباشرة يكون الصمت سيد الموقف. هذا الصمت هو صورة من صور التجمد النفسي، وحال يتوقف فيها الجسد عن التفاعل، لأن الخطر يفوق طاقة الإنسان، فهناك كثيرون يقولون لي لم نشعر بشيء، حتى الخوف لم نشعر به، كأن أرواحنا خرجت من أجسادنا ووقفت بعيداً تنظر". ورأى الاختصاصي النفسي أن "الحقيقة المؤلمة في السودان أن الصدمة ليست حدثاً واحداً، بل حدث متكرر، فحين يعيش الإنسان القصف أياماً متتالية، ويرى الموت أكثر مما يرى الحياة، فإن جهازه العصبي يصل إلى مرحلة يفقد فيها القدرة على الشعور بالصدمة نفسها".

تعاف تدريجي

من جهته، قال الاختصاصي النفسي سامي العوض "معالجة الصدمة الجماعية لا تعني إزالة الألم أو التجارب، بل التعامل معها بطريقة تمنع تدهور الصحة النفسية وتساعد الأفراد في استعادة حد أدنى من الوظائف اليومية، وتبدأ العملية بتثبيت الأمان والاستقرار اليومي من خلال توفير بيئة آمنة قدر الإمكان، مع روتين يومي واضح يشمل الغذاء والنوم والمأوى ومراقبة الأخطار الواقعية، إذ يمنح الروتين الدماغ إشارات على إمكان التحكم في الحياة، مما يخفف من حال اليقظة المفرطة والمستمرة"، وتابع العوض "نقوم أيضاً بالتقييم النفسي على مستوى الفرد والجماعة لتحديد أعراض الصدمة مثل الذكريات المتكررة، والانسحاب الاجتماعي، والقلق واضطرابات النوم، لأن الصدمة الجماعية تؤثر في التفاعلات بين الناس. ويعتمد العلاج على تدخلات نفسية عملية تركز على تطوير آليات التكيف، بدلاً من محاولة تغيير الماضي، فضلاً عن تمارين التنفس والاسترخاء وأنشطة روتينية للأطفال لتخفيف التوتر، بهدف مساعدة الناجين في إدارة استجاباتهم العصبية والتكيف مع الواقع الحالي"، وواصل "كما نعمل على تعليم إدارة الذكريات والصدمات باستخدام استراتيجيات لتقليل التكرار التلقائي للذكريات المؤلمة مثل الكتابة المنظمة عن الأحداث وإعادة صياغة المشاهد في سياق آمن وتقنيات الانتباه الواعي، بحيث يساعد الدماغ في معالجة الصدمة تدريجاً من دون الانغماس في العاطفة أو الانهيار النفسي. إلى جانب ذلك، يشكل الدعم المجتمعي والمشاركة في النشاطات التطوعية عاملاً أساسياً في تعزيز الإحساس بالقدرة والسيطرة وتقليل العزلة النفسية التي تزيد من آثار الصدمة". وبين الاختصاصي النفسي أن معالجة الصدمة الجماعية في سياق النزاعات المسلحة ليست علاجاً سريعاً، بل عملية مستمرة يتركز فيها الجهد على الاستقرار اليومي، وتطوير مهارات التكيف والدعم الاجتماعي المستمر، مع إدراك أن الشفاء الكامل قد يحتاج إلى سنوات طويلة في ظل استمرار الوضع غير المستقر.

توازن نفسي

من جهتها، أفادت نجلاء فاروق التي تعمل في مجال الدعم النفسي والاجتماعي بأن "معظم النازحين يعتمدون على روتين بسيط لإدارة حياتهم اليومية، كالاستيقاظ المبكر، وتجهيز الطعام، وترتيب الأغراض الأساسية، ومراقبة الوضع حولهم بتمعن، فكل هذه الممارسات تأتي استجابة مباشرة للظروف المحيطة بهم"، وأضافت فاروق "الدعم الاجتماعي موجود لكنه محدود، فالأسر تحاول مساعدة بعضها بعضاً، والجيران يتبادلون المعلومات حول المناطق الخطرة أو مصادر المياه والطعام. فهناك مجموعات صغيرة من النازحين تقوم بتنظيم أنشطة محدودة للأطفال، كنوع من التوازن النفسي ولإبقاء الروتين مستمراً، إضافة إلى وجود مبادرات مجتمعية ودينية، وغيرها من المشاركات التي تدعم الجوانب النفسية"، وأشارت العاملة في مجال الدعم النفسي والاجتماعي إلى أن العمل التطوعي وإن كان في أبسط أشكاله، يشكل جزءاً من التكيف، بيد أن المشاركة في توزيع المساعدات أو تنظيم النقل للأسر النازحة تساعد الأشخاص في استعادة الإحساس بالفاعلية، وتقليل شعور العجز.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات