Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لا حداد ولا أمل... موتى حرب السودان "بلا توثيق"

غياب التواصل وانعدام جهة مركزية تجمع البلاغات جعلا الموت حدثاً معلقاً بلا يقين

فرضت الحرب إيقاعاً قاسياً على طقوس الموت وتحول الدفن من فعل وداع إلى إجراء طارئ (أ ف ب)

ملخص

فرضت الحرب إيقاعاً قاسياً على طقوس الموت نفسها، إذ تحول الدفن من فعل وداع إلى إجراء طارئ، ينجز على عجل وبأقل قدر من الظهور خوفاً من الاستهداف، ومن تكدس الجثامين، ومن المساءلة أو الاتهام، مما دفع آلاف الأسر إلى دفن موتاها من دون إبلاغ أي جهة، ومن دون تسجيل أسماء أو أسباب وفاة.

في خضم الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" منذ منتصف أبريل (نيسان) 2023، تتبدى قضية قتلى هذه الحرب الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف مأساة حقيقية لا يمكن حصرها بأرقام رسمية، بخاصة أن غالبية هؤلاء الضحايا لا يسجلون بأسماء بسبب انهيار نظم التوثيق المدني والطوارئ الصحية.

وبحسب مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، فإن نحو 3384 مدنياً قتل في النصف الأول من 2025 وحده في سياق الصراع المسلح، بينما تظهر بيانات جماعات تحليل النزاع أنه منذ اندلاع الحرب قد يكون هناك عشرات الآلاف ضمن الوفيات، مع تقديرات تشير إلى أن الرقم الحقيقي أعلى بكثير بسبب القتل المباشر، والجوع، والمرض، والظروف الإنسانية المتدهورة.

سجلات منهارة

الموظف في وزارة الصحة قاسم المجتبى قال، إنه "مع استمرار الحرب، تفككت البنية التي كانت تضبط دورة الحياة والموت في السودان. فالمستشفيات لم تعد مؤسسات علاجية بقدر ما أصبحت نقاط إسعاف بدائية، بينما خرجت مكاتب السجل المدني من الخدمة كلياً في معظم مناطق النزاع. فتعطل الكهرباء وانقطاع الإنترنت وهرب الكوادر وتدمير الأرشيف الورقي والإلكتروني جعل تسجيل الوفاة إجراء مستحيلاً لا أولوية له وسط سباق البقاء".

وتابع المجتبى قائلاً، "قبل الحرب، كانت أي وفاة تمر عبر سلسلة واضحة من الإجراءات تشمل التشخيص والتقرير الطبي وشهادة الوفاة، ثم التسجيل الرسمي. لكن اليوم، كل هذه الحلقات فقدت تماماً، إذ نعمل أحياناً في مبان بلا أبواب، ولا ثلاجات لحفظ الجثامين، وبلا أدوات كتابة أصلاً. وتصلنا جثث لمصابين بالقصف أو بطلق ناري، وأخرى لأشخاص ماتوا بسبب السكري أو الفشل الكلوي لأن العلاج انقطع. فلا أحد يسأل عن سبب الوفاة بقدر ما يسأل، أين ندفنه؟".

وواصل، "في كثير من الحالات لا نعرف اسم المتوفى، فقط رجل في الأربعينيات أو طفلة مجهولة، فالنازحون يأتون بلا أوراق، وهويات، وأحياناً من دون أقارب. ومن ثم نقوم بتدوين ما نستطيع على قصاصات ورق، لكن هذه الأوراق تضيع مع أول قصف أو نزوح جديد. ولا توجد جهة مركزية تتسلم البيانات، ولا شبكة تربطنا بوزارة الصحة أو السجل المدني".

ومضى الموظف بوزارة الصحة في القول، "الأخطر أن الضغط الإنساني يدفع الأسر لدفن موتاها فوراً، خوفاً من التعفن أو القصف أو الاعتقال. فلا وقت للانتظار، ولا قدرة على الالتزام بإجراءات رسمية غير موجودة أصلاً. وعملياً، الموت أصبح حدثاً صامتاً يمر أمام أعيننا من دون أثر إداري، نحن نشهد يومياً اختفاء الناس من السجلات، لا لأنهم لم يموتوا، بل لأن الدولة نفسها غابت".

دفن صامت

فرضت الحرب إيقاعاً قاسياً على طقوس الموت نفسها، حيث تحول الدفن من فعل وداع إلى إجراء طارئ، ينجز على عجل وبأقل قدر من الظهور خوفاً من الاستهداف، ومن تكدس الجثامين، ومن المساءلة أو الاتهام، مما دفع آلاف الأسر إلى دفن موتاها من دون إبلاغ أي جهة، ومن دون تسجيل أسماء أو أسباب وفاة.

مصطفى عثمان شاهد عمليات دفن الجثث في إحدى مناطق النزاع يروي، "لم نفكر في توثيق عمليات الدفن، ولم يكن ذلك وارداً أصلاً. فعند تواصل أعمال القصف، كان همنا الوحيد أن ننقذ من بقي حياً. فالجثث كانت في الشوارع والبيوت، والرائحة بدأت في الانتشار، حيث لا توجد سيارات إسعاف ولا شرطة ولا جهة تقول لنا ماذا نفعل. فقد جمعنا الموتى بأنفسنا، بعضهم من الجيران، وآخرين لا نعرف أسماءهم وقمنا بدفنهم بسرعة، وأحياناً ليلاً".

 

وأضاف عثمان، "في الغالب يكون الدفن في ساحات قريبة أو مقابر موقتة، لكن لا نكتب أسماء، ولا نلتقط صوراً، لأن الخوف يكون مسيطراً علينا من شدة القصف، والميليشيات، ومن أن يتهم الشخص بأنه طرف في الصراع لمجرد أنه وثق. فحتى الحديث عن عدد القتلى كان محفوفاً بالخطر".

ولفت الشاهد إلى أنه "في كثير من الحالات، لم يكن هناك أهل للميت أصلاً، أو كانوا قد نزحوا. يدفن الإنسان كرقم مجهول، أو بلا رقم تماماً. بعد أيام، لا يتذكر أحد العدد بدقة، لأن الصدمة كانت أكبر من الذاكرة. هكذا اختفى كثر من أي سجل، لا لأنهم غير مهمين، بل لأن الخوف أجبرنا على الصمت".

إعادة الدفن

في حين يقول مرتضى هاشم المتطوع في إعادة الدفن "بعد أشهر من الدفن العاجل عدنا إلى القبور ليس لأن الوقت صار مناسباً، بل لأن المشهد لم يعد يحتمل. فكثير من الجثامين دفنت على عجل تحت القصف أو أثناء النزوح، في ساحات منازل، أو أطراف أحياء، أو مقابر موقتة لم تجهز أصلاً للدفن. فلم يكن هناك وقت ولا أمان لكتابة الأسماء أو وضع علامات. وبعض القبور كانت مجرد حفر سويت بالتراب".

واستطرد هاشم، "عملية النبش ليست سهلة، لا نفسياً ولا إنسانياً. كنا نقف أمام القبر ونحن لا نعرف من فيه. فأحياناً يكون البلاغ من أسرة تبحث عن مفقود، وأحياناً نتحرك بمبادرات مجتمعية فحسب، خوفاً من أن تضيع القبور مع الأمطار أو إعادة البناء، وكنا نحاول التعرف على الجثامين من بقايا الملابس أو قطعة قماش مميزة، أو خاتم، أو بطاقة ممزقة، أو رواية أم تقول مثلاً (كان يلبس قميصاً أزرق يوم خرج ولم يعد). وفي كثير من الحالات، لا ننجح في التعرف وتكون الجثة قد تحللت، أو اختلطت بغيرها في دفن جماعي، وعندها نشعر أننا نعيد دفن أشخاص بلا أسماء للمرة الثانية. لكننا نفعل ذلك لأن الدفن في مقابر معروفة، حتى من دون اسم، أكرم من بقائهم في قبور موقتة منسية".

وزاد المتطوع، "ما نراه ليس فقط مأساة موت، بل مأساة غياب دولة، إذ لا توجد فرق رسمية، ولا بروتوكولات، ولا سجلات. فكل ما يحدث يعتمد على مبادرات فردية ومتطوعين، إذ أصبحت المقابر أرشيفاً بديلاً، وشاهداً صامتاً على حرب لم تكتف بقتل الناس، بل جردتهم من أسمائهم ومن حقهم في أن يعرفوا حتى بعد الموت".

أسر متشظية

أعاد النزوح القسري رسم الخريطة الاجتماعية للسودان، لكنه في المقابل محا الروابط التي تسمح بتتبع مصير الضحايا، حيث فر ملايين الأشخاص من بيوتهم من دون وثائق، وتفرقت العائلات بين مدن ومخيمات وحدود دولية. وفي ظل هذا التفكك، لم يعد ممكناً التأكد: من قتل؟ من فقد؟ ومن مات لاحقاً بسبب الجوع أو المرض؟ فغياب التواصل، وانعدام جهة مركزية تجمع البلاغات، جعلا الموت حدثاً معلقاً بلا يقين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

سارة النعيم أخت أحد المفقودين تقول، "خرج أخي مع أول موجة نزوح، قال إنه سيعود بعد أيام، ولم يعد. بحثنا عنه في المستشفيات، ومراكز الإيواء، والمقابر، وسألنا النازحين القادمين من نفس المنطقة، وكل مرة نسمع رواية مختلفة من أحد، فهناك من يقول إنه قتل، وآخر يقول إنه اعتقل، وأناس يقولون إنه نزح لدولة أخرى. فلا توجد شهادة وفاة، ولا بلاغ رسمي، ولا جهة تخبرنا بالحقيقة".

وتابعت، "نحن عالقون في المنتصف. لا نستطيع الحداد لأننا لا نملك يقين الموت، ولا نستطيع الانتظار إلى ما لا نهاية. فحتى المساعدات أو الإجراءات القانونية تتطلب إثباتاً لا نملكه. وفي الأوراق الرسمية، أخي غير موجود، لا حي ولا ميت. فهذا الفراغ هو أقسى ما نعيشه، لأن الحرب لم تسرق حياتهم فحسب، بل سرقت حقنا في المعرفة".

فقد معلق

الباحث الاجتماعي أحمد طيفور أفاد بأن "تفكك الأسر في سياق الحرب لا يقتصر على الفقد الجسدي، بل يمتد إلى انهيار المعنى الاجتماعي للموت نفسه. فحين يغيب التوثيق تعيش الأسرة حال ما نسميه الفقد المعلق، حيث لا حداد مكتمل ولا أمل واضح. وهذا النوع من الفقد ينتج اضطرابات نفسية مزمنة، ويضعف قدرة الأفراد على إعادة تنظيم حياتهم أو اتخاذ قرارات مصيرية، أما اجتماعياً، فتتحول الأسر إلى وحدات هشة. فالنساء على وجه الخصوص يواجهن تعقيدات قانونية واقتصادية لأن غياب شهادة الوفاة يعني غياب الحق في الإعالة، والميراث، أو حتى إثبات الوضع الأسري. فالأطفال يكبرون في ظل غموض يربك هويتهم وشعورهم بالأمان".

 

وأردف طيفور قائلاً، "على المدى البعيد، هذا الغياب الجماعي للتوثيق يخلق ذاكرة مجتمعية مشوهة، حيث يمحى الضحايا من السرد العام، وتترك الأسر وحدها في مواجهة الأسئلة. فما يحدث ليس فقط أزمة إنسانية، بل تفكك في البنية الاجتماعية نفسها، لأن المجتمع الذي لا يعرف عدد قتلاه، يعجز عن الاعتراف بجراحه أو معالجتها".

تعطيل متعمد

من جهته، قال القانوني سليمان صالح "عند النزاعات المسلحة تكون الأرقام ليست مجرد بيانات، بل هي أدوات قوة. وما يحدث في السودان اليوم هو تعطيل متعمد لمنظومة العد والتوثيق، لأن الرقم يعني مساءلة وشفافية، والاعتراف بالضحايا يعني مسؤولية سياسية وقانونية. وحين لا تنشر بيانات دقيقة، أو تنشر أرقام جزئية، يتم إعادة تعريف الضحية سياسياً، من يحتسب ومن يستثنى، ومن يعترف به ومن ينسى. هذا التلاعب يخلق فجوة كبيرة بين الواقع على الأرض وما يعلن رسمياً، ويحول المدنيين إلى ضحايا غير مرئيين في سجلات الحرب، على رغم أنهم يتعرضون للقتل والجوع والمرض بصورة يومية".

وتابع صالح، "إضافة إلى ذلك فإن غياب الشفافية لا يؤثر فقط على العدالة المستقبلية، بل على كل جوانب الاستجابة الإنسانية. فالمنظمات الدولية والمحلية تعتمد على البيانات لتوزيع المساعدات وتخطيط التدخلات الطارئة. وحين تكون الأرقام مشوهة أو غير مكتملة، تصبح الاستجابة ناقصة وغير عادلة، مما يزيد من معاناة المدنيين. فكثير من الوفيات غير المباشرة، الناجمة عن انقطاع الأدوية، ونقص الرعاية الصحية، والجوع، والتعرض للظروف المناخية، تستبعد من أي إحصاء رسمي، على رغم أنها غالباً أكثر من الوفيات المباشرة نتيجة القتال".

وبين صالح أنه "على المستوى القانوني يعني غياب الأرقام صعوبة توثيق جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية لاحقاً. فأي ضحية بلا رقم هي انتهاك مزدوج، أولاً لانتهاك حياتها، وثانياً لانتهاك حقها في الاعتراف والتوثيق. هذا يجعل أي محاسبة مستقبلية شبه مستحيلة، ويعقد جهود المنظمات الحقوقية والمحاكم الدولية في تقديم تقرير دقيق عن الجرائم المرتكبة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير