ملخص
المتابع لـ"بي بي سي" يعرف أن عبارة "أزمة وجودية" دأبت على ملاحقة المؤسسة من تدخلات حكومية بريطانية هددت استقلاليتها في زمن رئيسة الوزراء السابقة الراحلة مارغريت تاتشر وعلاقة بالغة التوتر مع المؤسسة لاتهامها بمحاباة اليسار وافتقاد الوطنية إلى اتهامات لقادتها بالعنصرية المؤسسية إلى فضيحة نجم المؤسسة جيمي سافيل أحد أكثر المتحرشين جنسياً في تاريخ بريطانيا، وغيرها الكثير مما جعل عبارة "أزمة وجودية" تتكرر في وصف مشكلات المؤسسة الأعرق على مدى تاريخها.
يكاد لا يخلو منهج دراسي في كليات إعلام الكوكب من فصل أو صفحات عن "بي بي سي". وإن خلا، فالتدريب العملي يتطرق إليها إما لسرد التاريخ، أو وصف الهيكل، أو تحليل المحتوى، أو البحث في كيفية الاستنساخ.
ويكاد يحفل سجل "بي بي سي" على مدى 103 أعوام بشكاوى جاءت من دول عدة على ظهر الأرض تتهمها إما بافتقاد الدقة التاريخية، أو التحيز، أو التحريف، أو النزاهة لأن معلومة أو خبراً أو تحليلاً جاء معادياً لمصلحة هنا أو معرياً لسياسة هناك.
مكانة مختلفة
حتى آلية الشكاوى، كثيراً ما وضعت "بي بي سي" في مكانة مختلفة ومتفردة بين بقية مؤسسات الكوكب الإعلامية. ويكفي أن حصيلة وتصنيف وتفنيد الحصاد الشهري والسنوي والعقدي للشكاوى ليصبح "دفتر الشكوى" مصدر إلهام ومثار أفكار يثري الساحات الإعلامية ويضع المؤسسة الأشهر في مكانة متفردة، سواء أحبها بعضهم وعدها نموذجاً يحتذى، أو تعاملوا معها على أنها ذراع سيادية بريطانية تخلط كثيراً من مصالح بريطانيا بقليل من أحوال العالم في إطار مهني مبهر.
اليوم، تواجه هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) أزمة، فهناك من يصفها بـ"الرهيبة" أو "الخطرة" أو "الحادة"، وهناك أيضاً من يعدها "أزمة وجودية"، بما في ذلك بعض من داخل المؤسسة ذاتها.
أزمة وجودية متكررة
المتابع لـ"بي بي سي" يعرف أن عبارة "أزمة وجودية" دأبت على ملاحقة المؤسسة، ولا سيما خلال العقود الأخيرة، من تدخلات حكومية بريطانية هددت استقلاليتها في زمن رئيسة الوزراء السابقة الراحلة مارغريت تاتشر وعلاقة بالغة التوتر مع المؤسسة لاتهامها بمحاباة اليسار وافتقاد الوطنية، إلى اتهامات لقادتها بالعنصرية المؤسسية، إلى فضيحة نجم المؤسسة جيمي سافيل الذي لم يكُن أحد أشهر مذيعي "بي بي سي" فقط، بل لقبه بعضهم بـ"القديس جيمي" لجمعه 49 مليون جنيه استرليني للأعمال الخيرية، واتضح في ما بعد أنه كان كذلك أحد أكثر المتحرشين جنسياً في تاريخ بريطانيا، إلى مشكلات في منظومة التمويل، ثم تهديدات فرضها العصر الرقمي وبزوغ نجم الـ"سوشيال ميديا" ومنصات رقمية منافسة وغيرها الكثير، مما جعل عبارة "أزمة وجودية" تتكرر في وصف مشكلات المؤسسة الأعرق على مدى تاريخها.
نكهة مختلفة
"الأزمة الوجودية" الأحدث تأتي بنكهة مختلفة وسيناريوهات مستقبلية جميعها ينبئ بتغيرات كبرى، والشرارة هي تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمقاضاة المؤسسة بمليار دولار بسبب الفيلم الوثائقي "ترمب: فرصة ثانية؟" الذي أعدته وبثته "بي بي سي" في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2024، أي قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية التي أتت بترمب رئيساً للمرة الثانية، وتضمن مقاطع يقول محامو ترمب إنها خضعت لتعديلات "كاذبة وتشهيرية وخبيثة ومهينة ومثيرة للجدل" على خطاب ألقاه ترمب قبل اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير (كانون الثاني) عام 2021، وتقول "بي بي سي" إنه كان "تحريراً أو تعديلاً أخطأ التقدير" وجعل خطاب ترمب وكأنه "يدعو إلى العنف بصورة مباشرة".
ذبح الخطاب
وبعيداً من الشد والجذب بين ترمب وفريقه القانوني والرئاسي من جهة، و"بي بي سي" وكيانها وفريقها القانوني من جهة أخرى، واعتذار الأخيرة مع التأكيد أنه لا يوجد سند قانوني لترمب لمقاضاة الهيئة وأنها لم تعرض الوثائقي مجدداً، واستقالة المدير العام لـ"بي بي سي" تيم ديفي والرئيسة التنفيذية للأخبار ديبرا تيرنس، وتأكيد ترمب خلال حديث إلى "فوكس نيوز" قبل أيام أنه "ملزم مقاضاة ’بي بي سي‘ بسبب طريقة تحرير جزء من خطابه، مما جعل الخطاب مشوها" مستخدماً كلمة Butchered أي "مذبوحاً"، وطريقة عرضه "خادعة"، وكذلك بعيداً من دخول رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر على خط الأزمة بقوله إنه يدعم أن تكون هيئة الإذاعة البريطانية قوية ومستقلة، لكن عليها أن ترتب "أمورها الداخلية"، تبقى الأزمة الحالية أبعد من مجرد "خناقة" بين رئيس دولة "أجنبية" وهيئة إعلامية.
وبعيداً من تلميحات أو اتهامات بأن بريطانيا الرسمية مستمرة في الانقياد خلف أميركا لإرضاء حليفتها الأقوى، فإن هذه ليست أية هيئة إعلامية، وهذا ليس أي رئيس. إنها الهيئة الإعلامية الأشهر في العالم، والمنتمية إلى دولة كبرى تعاني حزمة من المشكلات المصيرية من انخفاض ثقة بين الحكومة والبريطانيين وانقسامات داخل حزب العمال وتحديات اقتصادية مستمرة، وأخرى تتعلق بالخدمات العامة من صحة وضمان اجتماعي، وانقسامات اجتماعية تتعلق بالهجرة واللجوء والهوية الوطنية. وإنه رئيس الدولة الأقوى في الكوكب، والأكثر إثارة للجدل وتأثيراً في دول العالم خلال فترته الرئاسية الحالية.
"بي بي سي" والزهو
على مدى عقود و"بي بي سي" تفاخر بقواعد الموضوعية والحياد والاستقلالية والدقة وتمثيل طيف واسع من التحليلات والمواقف من دون انحياز، وعلى مدى عقود أيضاً والهيئة تواجه اتهامات مرة من اليمين بانحيازها صوب اليسار، ومرة من اليسار بانحيازها صوب اليمين، وعلى مدى عقود والهيئة تباهي أيضاً بآليات التدقيق الداخلي والتصحيح الذاتي والتحقيق في ما يردها من شكاوى. إنها العقود التي أهلتها لتكون قدوة وإن اختلف كثرٌ مع محتواها، ونموذجاً وإن عدها بعضهم لسان حال المصالح البريطانية بصورة أو بأخرى.
علاقة "بي بي سي" بالحكومة، أية حكومة، بريطانية بالغة التعقيد، فهي هيئة بث عامة مستقلة، تخضع لترخيص وتنظيم من قبل "هيئة الاتصالات البريطانية". ومسؤوليتها تقديم بث عام محايد في بريطانيا، وتعد من "الأصول الاستراتيجية الوطنية". وعلى رغم تردد وصف "مستقلة" كثيراً مع كل إشارة إلى الهيئة، فإن الاستقلال التام يظل أمراً شديد المثالية، بين أمور تنظيمية من قبل هيئة البث العامة وميثاق ملكي ينظم عملها ومجلس تنفيذي داخلي يعين رئيسه وأعضاءه غير التنفيذيين الملك بناء على توصية الوزراء.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"خناقة" ترمب و"بي بي سي" ربما سلطت قدراً أكبر من الضوء على معضلة الحياد والموضوعية المتعلقين بتغطيات الهيئة، لكنه تسليط بسبب أهمية الموضوع وهوية أبطاله المهمة والمؤثرة، وليس اكتشافاً فاجأ الجميع.
اتهامات عدم الموضوعية
اتهامات أو تلميحات أو شكاوى أو تعليقات تذكر عبارات مثل "عدم الموضوعية" أو "افتقاد النزاهة" تلاحق "بي بي سي" على مدى أعوام. إنها الملاحقة الغريبة التي تجمع طرفي النقيض في كل شكوى، فاليمين يشكو من الانحياز إلى اليسار والعكس، وأعداء الهجرة واللجوء يشكون من الانحياز إلى مبادئ الترحيب بالوافدين، والعكس، وإسرائيل تشكو الانحياز إلى الجانب الفلسطيني، والعكس، وأنصار "بريكست" أو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي شكوا من انحياز إلى البقاء، والعكس، ومعارضو غزو العراق شكوا من تغطية منحازة إلى قرار الحرب والعكس، وذلك على مدى عقود.
النزاهة وافتقادها
وبحسب إحصاءات وأرقام "بي بي سي" نفسها وقياسات رأي على مدى أعوام، تتبوأ شكاوى المتلقين من مسائل تتعلق بافتقاد النزاهة وعدم الانحياز مكانة الصدارة دائماً.
وفي وقت يحمل اسم "بي بي سي" كثيراً من المعاني الوطنية للبريطانيين على اختلاف توجهاتهم وفئاتهم، ولا سيما بين الأجيال الأكبر سناً، إلا أن استطلاعات وقياسات الرأي التي تجرى في بريطانيا، وتحليل مواقف البريطانيين منها خلال العقد الأخير تشي بتغيرات واختلافات لا تتعلق بالهيئة فقط، لكن بالمجتمع وتركيبته الاجتماعية والثقافية، ومشهده السياسي، وكذلك موقف بريطانيا وموقعها من العالم وفيه.
والتقرير الأحدث الذي أصدرته "أوفكوم" (هيئة تنظيم الاتصالات) البريطانية خلال الصيف الماضي عن "استهلاك الأخبار في المملكة المتحدة: 2025" يقر بأن الغالبية باتت تستهلك الأخبار عبر الإنترنت أكثر من التلفزيون والإذاعة والصحف، وعلى رغم ذلك لا تزال "بي بي سي" المزود الأكبر للأخبار في بريطانيا. وعلى رغم تحول أعداد كبير إلى الإنترنت كمنصة رئيسة للأخبار، فإن مقدمي الخدمات الإخبارية، وعلى رأسها "بي بي سي"، لا تزال الأعلى تقييماً من ناحية الثقة والدقة والنزاهة. وأشار التقرير كذلك إلى أن 96 في المئة من البالغين يشاهدون أو يستمعون أو يقرأون الأخبار بصورة أو بأخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن طريقة الوصول إلى الأخبار تتطور باستمرار. وتظل "بي بي سي" الأكثر انتشاراً في بريطانيا، تليها "ميتا"، ثم "غوغل" وآي تي في".
فجوات الأجيال
بالطبع، تبقى الأجيال الأصغر سناً هي الأكثر اعتماداً بصورة واضحة على المنصات والـ"سوشيال ميديا"، إذ يستخدمها ثمانية بين كل 10 شباب في الفئة العمرية بين 16 و24 سنة. ولا تزال الـ"سوشيال ميديا" الوسيلة الرئيسة للوصول إلى الأخبار بين هذه الفئة.
والفجوة الحادثة والمتزايدة بين منظومة الأخبار بصورتها التقليدية ولو على أثير الشبكة العنكبوتية، و"بي بي سي" في القلب منها، من جهة، وبين الأجيال الأصغر سناً حلقة واحدة في سلسلة طويلة من المشكلات المصيرية التي تتعرض لها الهيئة. وأزمتها مع الرئيس الأميركي ترمب كشفت الغطاء عما تعانيه، ولم تتسبب فيه.
حلقة في سلسلة؟
يعتقد بعضهم بأن أزمة ترمب مع الهيئة البريطانية الأشهر حلقة في سلسلة المواجهات التي يخوضها الرئيس الأميركي مع المؤسسات الإعلامية، ولا سيما التي لا تكنّ له الود السياسي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الشخصي، فسجل ترمب حافل بدعاوى قضائية رفعها ضد كبرى المؤسسات الإعلامية وصحافيين وإعلاميين.
ويبدو أن علاقة الرئيس بالإعلام تتبع نمطاً ما، فترد تقارير أو تطرح آراء أو تنشر مواقف ما في وسيلة إعلام يعدها الرئيس معادية أو خاطئة أو ضارة، فيبادر إلى التهديد برفع دعوى قضائية أو إقامة الدعوى بالفعل، مطالباً بتعويضات تراوح ما بين بضعة ملايين أو مليارات الدولارات، وذلك لترويض الإعلام "الجانح" وتدجين "الشارد". لذلك يبدو تفسير معركته وتهديده بمقاضاة "بي بي سي" حالياً في ضوء هذه الجهود منطقياً. لكن تظل أزمة "بي بي سي" أعمق من معركة الوثائقي والمليار دولار.
شكاوى مستمرة
من جهة، تتلقى الهيئة شكاوى من دول ومؤسسات وأفراد بالمقاضاة بسبب تغطيات أو محتوى إعلامي بصفة مستمرة. ويبقى تهديد ترمب الأعلى صوتاً والأخطر، لكن ما اقترفه القائمون على الوثائقي من اجتزاء تحريري وتحوير في المعنى وتطويع من أجل توصيل رسالة سياسية بعينها، يشير إلى أن الهيئة تعاني بالفعل عواراً في تطبيق قواعد المهنية والصدقية والشفافية التي تتباهى بها والتي اكتسبت سمعتها العالمية على مدى عقود بناء عليها.
من اتهامات من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي بالتغطية والتحليل المتحيزين إلى الطرف الآخر، إلى انتقادات لاذعة بسبب تغطية حرب العراق وأن خطها التحريري الذي اعتنق مبدأ "تضخيم" الحكومة البريطانية لخطر أسلحة الدمار الشامل في العراق "لم يكن له أساس من الصحة"، وشكاوى متكررة من دول مثل الصين وروسيا اعتراضاً على توجهات تصفها هذه الدول بـ"غير الحقيقية" أو "غير المنضبطة" وغيرها الكثير، لم ينَل أي من هذه الاتهامات من كيان الهيئة أو مثل تهديداً وجودياً لها كما يحدث حالياً.
صعود اليمين
إن صعود التيار اليميني في دول عدة، بينها أميركا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وغيرها، يضع الإعلام، ولا سيما إعلام الخدمة العامة وغيره من المؤسسات الإعلامية غير المصنفة يمينية في دائرة الخطر.
وحرب ترمب على ما يسمى "الإعلام الليبرالي" أو ما يعرف عنه بالاتجاه اليساري أو المائل جهة اليسار يمثل كابوساً سياسياً واجتماعياً وثقافياً لكثير من المؤسسات الإعلامية التي اعتادت العمل في أجواء تتسم بالتعددية والحرية والليبرالية.
والعلاقة بين اليمين السياسي والإعلام الليبرالي والمستقل وبالطبع اليساري لم تكُن يوماً علاقة صدامية كما هي عليه اليوم، فحتى "بي بي سي" نفسها تعي أن درجات الثقة فيها تتأثر بالهوى السياسي. وبعنوان "الثقة في بي بي سي تتأثر بصورة كبيرة بالهوى السياسي" كتب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برونل البريطانية ستيفن دافيد بيركينغ في "ذا كونفيرسيشين" قبل أيام أن نتائج استطلاع أجراه وعدد من زملائه بين ديسمبر (كانون الأول) عام 2022 ويونيو (حزيران) عام 2024 عن ثقة المتلقين بـ "بي بي سي" كشف عن اختلافات ملحوظة بين آراء الأشخاص ذوي الانتماءات السياسية الحزبية اليسارية واليمينية.
وعلى مقياس ثقة من واحد إلى سبعة، بلغ متوسط ثقة الناخبين الديمقراطيين الليبراليين بـ"بي بي سي" 4.54 وناخبي حزب العمال 3.88 والمحافظين 3.17، وجاءت الثقة الأقل بين أنصار حزب "إصلاح المملكة المتحدة" (ريفورم) اليميني الشعبوي (قبل أن يتحول حزباً) بـ2.16 نقطة.
وبلغت الثقة ذروتها عند يسار الوسط، وانخفضت عند الوسط، وبقيت منخفضة عند اليمين، مما يعني، بحسب بيركينغ أن شرائح الناخبين الذين كانوا الأقل ثقة بـ"بي بي سي" باتت توجهاتهم السياسية الأكثر صعوداً حالياً، مما يشكل تحدياً كبيراً لمكانة "بي بي سي" التي تفقد جمهورها الذي يمثل، عبر صناديق الاقتراض، البيئة السياسية التي تعمل ضمنها بصورة متزايدة، ويشير إلى أن هذا يفسر سبب اندلاع الأزمة حالياً، إذ إن التيارات السياسية التي شككت في "بي بي سي" لأعوام، لم تعد هامشية، بل أصبحت محورية في السياسة الوطنية الحالية.
تصورات الهوية الحزبية
وبحكم ضلوع "بي بي سي" في مواضيع دولية وتحولها أحياناً إلى ساحة معركة ثقافية رمزية على نطاق أوسع، أصبح المشهد الإعلامي البريطاني أكثر عدائية، وأكثر خضوعاً لتصورات الهوية الحزبية وليس الأداء الإعلامي. والوضع الصعب الراهن لم يعد يتعلق بمعركة الهيئة مع ترمب، أو اتهامات بالتحيز وافتقاد النزاهة، لكن يتعلق بشرعية الهيئة في وجهات النظر السياسية المختلفة في العالم. ويشير بيركينغ إلى أن معضلة "بي بي سي" ليست إدارية، يجري حلها باستقالة أصحاب مناصب قيادية، بل هي سياسية وثقافية، وعليها أن تتفاعل مع الطريقة التي يراها بها البريطانيون، ومعرفة من يتابعها، ولماذا، وإن لم تفعل فهي تخاطر بدورها كهيئة بث لكل البريطانيين وإعلام خدمة عامة، وبوجودها ضمن مجتمع بات منقسماً بشدة.
وبحسب استطلاع أجرته مؤسسة "يوغوف" (شركة متخصصة في بحوث السوق على الإنترنت) قبل أيام، قال 31 في المئة من البريطانيين إن "بي بي سي" منحازة بصورة عامة تجاه التيار السياسي اليساري، ورأى 19 في المئة إنها منحازة جهة اليمين، وذكر 19 في المئة أنها غير منحازة، وقال 31 في المئة إنهم لا يعرفون!
وأفاد 26 في المئة بأنهم يتابعون قصة استقالة قيادات في "بي بي سي" عن كثب، وأوضح 47 في المئة أنهم على علم بالمسألة، لكن لا يتابعونها عن قرب.
فقدان ثقة ومكانة
إن صعود اليمين وانقسام المجتمع وهيمنة مشكلات وهموم تتعلق بالاقتصاد والهجرة واللجوء ونظام التأمين الصحي والتضخم وفرص العمل وغيرها أمور تلقي بظلالها على "بي بي سي"، ومعها تكرار الاتهامات الموجهة لها بالانحياز والموضوعية، مما يفقدها قدراً معتبراً من الثقة التاريخية والمكانة العريقة.
وتضاف إلى كل ما سبق معضلة التمويل التي تلوح في الأفق بصورة متصاعدة، فمعروف أن الهيئة تعتمد في جزء كبير من تمويلها (نحو 75 في المئة) على "رسوم ترخيص"، وهي رسوم سنوية يجري تحصيلها من أي بيت بريطاني يشاهد بثها التلفزيوني المباشر، أو يسجل البرامج، أو يستخدم خدمة البث المباشر وتقدر بنحو 174.5 جنيهاً استرلينياً (نحو 299 دولاراً أميركياً)، وعدم سداد هذه الرسوم يعد جريمة.
شبح التمويل
وتغير عادات المشاهدة، مع الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وزيادة المنافسة يضعان مصدر التمويل الرئيس للهيئة في مهب الريح. ويتزامن ذلك واقتراب موعد التفاوض مع الحكومة على الميثاق المحدد لقواعد حوكمة الهيئة عام 2027.
وتوقعات الضغط على "بي بي سي" للخروج بخيارات تمويل مختلفة، مع عدم تحميل موازنة الدولة أحمالاً إضافية، تضع "بي بي سي" لا في مهب الريح فقط، بل تدفعها إلى قبضة سياسية كثيراً ما احتفظت بمكانها بعيداً منها، في الأقل بحسب المعلن.
يشار إلى أن زعيم حزب "إصلاح المملكة المتحدة" نايجل فاراج، قال قبل أيام تعليقاً على أزمة وثائقي ترمب "لقد كانت هيئة الإذاعة البريطانية متحيزة مؤسسياً لعقود". ودعا إلى تأسيس "هيئة إذاعة بريطانية مصغرة للغاية"، مضيفاً أنه تحدث مع الرئيس ترمب عن الفيلم الوثائقي وأنه (ترمب) قال له "هل هذه هي الطريقة التي تعامل بها أفضل حلفائك؟".
وتعود الكرة لساحة "الحلفاء"، حيث معضلة التمويل وقبضة السياسة وصعود اليمين ومخاوف من لجوء منصات إعلام الخدمة العامة والليبرالية والمستقلة إلى إعطاء مزيد من المجال لليمين المتطرف الصاعد، خوفاً من اتهامهم بالتحيز أو تجاهل الرأي الآخر، وربما الإمعان في تغيير دفة تغطية مواضيع مثل الهجرة واللجوء والهوية والأمن لتواكب أصحاب اليد العليا في المشهد السياسي ولو كان ذلك بدافع حب البقاء.
وتضاف إلى ما سبق مخاوف من استمرار تحول الإعلام الليبرالي إلى طرف أو لاعب في الصراع السياسي، وكأن معركة البقاء تدور بين تيار يمين سياسي بأدواته وأذرعه وتيار وسطي أو يساري بأدواته وأذرعه التي يجب دحضها لإثبات غلبة التيار الصاعد.