Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جان كوكتو في "حلبة الأول من مايو": الموت مرغوب إن كان إسبانيا

مصارع الثيران يهدي الشاعر الفرنسي ثوره القتيل فيرد الأخير بنص خارج دروبه المعتادة

جان كوكتو مبدع فرنسي شديد الباريسية والخصوصية لكنه اهتم بالأبعاد الإسبانية (أ ف ب)

ملخص

من يعرف أشعار كوكتو ونصوصه ومسرحياته وأفلامه على تنوعها وغرابتها وشاعريتها يعرف أن هذا كله إنما لامس جوهر هواجسه وهمومه الفكرية والإنسانية.

لا تغيب إسبانيا أبداً عن بال الأدباء والفنانين الفرنسيين الكبار. فالجارة الجنوبية هي أقرب من أن تنسى. وكذلك فإن إسهامات الفنانين والكتاب الإسبان في انبعاث الحياة الثقافية الفرنسية، في الأقل، منذ بدايات القرن الـ20، دائماً ما تجعل الأكثر انفتاحاً وأريحية بين المبدعين الفرنسيين، يشعرون بها ويحسون بأنها تكاد تكون جزءاً منهم. بل إن كثراً من المبدعين الإسبان، عندما بحثوا عن آفاق عالمية جديدة أحياناً، ولكن هرباً من التزمت الديني وانبعاثات متتالية للفاشية، لم يجدوا أمامهم إلا أن يتبنوا فرنسا في شكل كلي، وغالباً إلى درجة بات معها من العبث التفريق بين كونهم إسباناً وكونهم فرنسيين.

كل هذا معروف ونتائجه متوقعة دائماً، غير أن الأبعد من التوقع كان أن يهتم مبدع فرنسي، شديد الباريسية وشديد الخصوصية، مثل جان كوكتو، بكل هذه الأبعاد الإسبانية، وأن يخلف، حتى، كتاباً كاملاً يضم ما عنونه "مقالات إسبانية" وكتاباً آخر عنونه بدوره "تأملات حول إسبانيا" وما شابه ذلك. بل والأبعد من هذا عن التوقع كان أن يصدر الكتاب عام 1957، من دون أن تكون فيه إشارات كثيرة أو مهمة إلى الحرب الأهلية الإسبانية التي كثيراً ما استشعرها المبدعون الفرنسيون حربهم الخاصة، و"جزءاً" من نضالهم الخاص ضد الفاشية في القرن الـ20.

وهاجس الحرب الأهلية الإسبانية هذا، كما هاجس محاكم التفتيش القديمة والإشعاع العربي القديم في الأندلس، كانت أموراً شغلت مبدعين مثل آراغون وأندريه مالرو وغيرهما في لائحة قد تطول أكثر مما يعتقد كثر على أية حال. أما جان كوكتو ففضل أن يدنو من إسبانيا، من منطلق أكثر ذاتية ومن ثم أكثر فردية. وهو أمر توفره على أي حال أبعاد واضحة في الذهنية الإسبانية العامة، بدءاً من ذاك البعد الذي تحدث عنه كوكتو نفسه في عبارة يقول فيها إن إسبانيا ليست في الحقيقة "بلداً شاعرياً" بل هي نفسها "شاعر حقيقي" في شكل إجمالي، بكل ما يحمله هذا التعبير من فردانية.

قبل أن تصبح شاعرية!

هذا الكلام جاء في سياق الكتاب الذي حمل عنوان "حلبة الأول من مايو"، والذي ضم بين دفتيه جملة من مقالات وملاحظات كتبها كوكتو حول إسبانيا. أما النص الذي ورد فيه الكلام المذكور، فحمل عنوان "ملاحظات حول أول زيارة إلى إسبانيا". ولنبادر هنا إلى القول إن هذا النص ليس أقوى وأعمق ما في الكتاب، حتى وإن كان التأكيد فيه على "عدم شاعرية إسبانيا" قد اشتهر وقامت سجالات من حوله. فالنص، الأقوى والأجمل في الكتاب هو، بالتأكيد ذاك الذي أعار الكتاب كله اسمه. ولهذا النص حكاية كان كوكتو يحب أن يرويها بإسهاب قبل أن ينتهي أمرها داخل النص في الكتاب. والحكاية حدثت يوم الأول من مايو (أيار) عام 1954، في مدينة إشبيليا. يومها كان الفضول قد قاد كوكتو إلى حضور حفل مصارعة للثيران نجمه المصارع داماسو غوميت. وما إن اشتد أوار صراعه مع الثور، حتى توقف لحظة معلناً أنه يهدي الثور الذي سيقتل بعد دقائق "إلى الشاعر الكبير جان كوكتو".

 

 

والحال أن هذا الإهداء وكما سيروي لنا كوكتو في نصه، أربكه وأدهشه، قبل أن يتفاعل معه بصورة غير متوقعة بل حتى بصورة تتناقض مع أي تصرف كان من المتوقع أن يبدر منه، فكوكتو إذ وجد نفسه وقد صار جزءاً أساساً من ذلك القتال الدامي بين المصارع والثور، شعر أنه لم يعد يحضر استعراضاً، بل صار في داخل استعراض خاص به. شعر أن كل ما هو حوله بات ملكاً له. وسواء بالنسبة إليه الآن، اقتل الإنسان الحيوان، أو قتل هذا الأخير مقاتله، فإن هذه النتيجة لن تبدل من الأمور شيئاً.

حين صارت الدماء أنهاراً

المهم هنا أنه بات على الشاعر أن يعيش في قلب الصراع. أن يصارع هو في داخله وقد أحس بأن الدماء صارت أنهاراً من حوله، حتى قبل أن تسيل من أي من المتقاتلين. أما النص الذي كتبه جان كوكتو عن ذلك "الاستعراض" لاحقاً، فإن جزءاً أساساً منه جاء ليتحدث عن المشاعر والرؤى التي استبدت بالشاعر وهو يراقب الصراع، فيما يدور هذا وقد بات أشبه برقصة باليه عنيفة بين كائنين راحت المجابهة بينهما تبدو "رقصة عرس" دموي على الطريقة الإسبانية.

ولقد لفت نظر كوكتو أكثر من أي شيء آخر هنا، ذلك السحر الغامض، الذي يجعل "كلاً من المتقاتلين يبدو أنثى أو ذكراً على التوالي، ومن ثم يجري تبادل الأدوار في حركة أشبه بالتانغو العنيف. ففي لحظات، يقول كوكتو، "يصبح الإنسان المصارع أنثى يهجم عليها الثور الذكر محاولاً التهامها، و’هي‘ هنا، بعد محاولة إذعان ينبئنا الشاعر أنها مدروسة بعناية قصد تحريك عواطف المتفرجين في لعبة إثارة وتشويق مدهشة، تستعيد ’ذكوريتها‘ فجأة ليتحول الثور بدوره إلى أنثى وهكذا".

وبالنسبة إلى كوكتو الغارق هنا في تأملاته الذاتية، من وحي ما يشاهده ومن وحي الأحاسيس الخاصة التي يعطيه إياها هذا الذي يشاهده والذي أصبح هو هنا جمهوره الوحيد "بعدما غاب كل شيء ولم يعد ثمة وجود إلا للأرض والسماء وأنا والمتقاتلين والدم الموعود"، صار كل هذا رمزاً واضحاً لتاريخ كل الصراعات منذ فجر البشرية، لا سيما الصراع الأبدي بين الأنثى والذكر. كوكتو رأى أن ذلك الصراع الذي شهده، واستحوذ عليه بالضرورة، بين الإنسان والوحش، إنما هو كناية عن كل صراع. بالتالي فإن الصور التي آثارها الصراع في داخله، إنما هي صور فضول الإنسان وعلاقته بذلك الصراع.

ومن يعرف أشعار كوكتو ونصوصه ومسرحياته وأفلامه على تنوعها وغرابتها وشاعريتها يعرف أن هذا كله إنما لامس جوهر هواجسه وهمومه الفكرية والإنسانية، ومن هنا لا يبدو غريباً على الإطلاق أن يكون ذلك الحفل، الذي لا يمكن أن يكون بالنسبة إلى أي إسباني سوى استعراض عادي يمكن أن يشاهد، وأن يعاش في كل يوم، أن يكون قد اتخذ بالنسبة إلى شاعرنا كل هذه الدلالة.

حضور لوركا المبهر

على رغم أهمية هذا النص وموقعه المركزي في كتاب جان كوكتو هذا، فإنه ليس الوحيد في الكتاب، بل إنه النص المركزي بين سلسلة من نصوص لكل منها كما قلنا علاقته بإسبانيا، إذ يترافق مع "حلبة الأول من مايو" قصيدة، شعرية ونثرية في آن معاً، عنوانها "تحية إلى مانوليتو"، ومانوليتو هذا كان، كما يعرف كثر من المهتمين بتاريخ إسبانيا الحديث وبمصارعة الثيران، واحداً من أكبر وأشهر المصارعين في تاريخ هذا "الفن". ولنلاحظ هنا أن وصف مصارعة الثيران بالفن بدلاً من الرياضة، أمر يفضله الإسبان عادة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذه القصيدة تعمد كوكتو أن ينحو في بعض أجزائها منحى شعر مالارميه القاسي، وإضافة إلى أشعار أخرى من وحي إسبانيا، ثمة في الكتاب "ملاحظات حول أول زيارة إلى إسبانيا" التي أشرنا إليها. وإلى جانبها ثمة "رسالة وداعية إلى فيديريكو"، وهي أشبه بتحية متأخرة يوجهها الشاعر الفرنسي إلى زميله الإسباني الكبير فيديريكو غارسيا لوركا، الذي اغتاله الفاشيون الإسبان من جماعة فرانكو خلال الحرب الأهلية عام 1936 ويمكننا أن نتذكر دائماً كيف أن ذلك الاغتيال الهمجي أثر في المبدعين الفرنسيين أكثر بكثير مما أثر في زملائهم الإسبان أنفسهم!

تعريجة "إسبانية" على روما

أما آخر نصوص هذا الكتاب "الإسباني" الذي كان كوكتو يعتز به كثيراً، فعنوانه "نص مرتجل في روما"، وهو عبارة عن محاضرة مرتجلة ألقاها كوكتو في العاصمة الإيطالية روما عام 1953 لمناسبة افتتاح معرض هناك للرسام بيكاسو. وفي هذا النص الغريب والملتبس، تحدث كوكتو عن بيكاسو وعن إسبانيته العميقة المبطنة في ثنايا معظم أعماله، بلغة فاجأت الرسام نفسه الذي قال، "ربما غمض علي بعض ما قاله كوكتو عني، ولكنني بالتأكيد شعرت حين قرأت النص كم أنا إسباني".

وجان كوكتو 1889 - 1963 الذي كان في مركز القلب من الحركة والحياة الثقافيتين الباريسيتين طوال عقود من القرن الـ20، عرف كروائي وشاعر وكاتب مسرحي ورسام وناقد. وكذلك عرف بكونه مبدعاً سينمائياً أعطى السينما الفرنسية بعض أكثر أفلامها شاعرية. ومن هذه الأفلام "دم شاعر"، "الحسناء والوحش" و"أورفيوس" و"النسر ذو الرأسين".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة